خلاف متكرر عبر عقود من الزمن دون تفاهم على الحقوق والواجبات

حجم الخط
0

بغداد – «القدس العربي»: أكدت مصادر سياسية عراقية بان تحديات تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» فرض على حكومة بغداد والإقليم الكردي الإصغاء لتوجيهات الإدارة الأمريكية بتأجيل خلافاتهما التاريخية والاتفاق على موقف موحد يضمن أنشاء قاعدة بيانات أمنية لمواجهة خطر التطرف الجهادي في حرب مميتة بين العراقيين و»داعش» قد يطول زمنها. وبرغم المماطلة التي أبداها الطرف الكردستاني في الاشتراك بحكومة حيدر العبادي قبيل تشكيلها في التاسع من اب/اغسطس الماضي، فأن الضغط الذي شكله تنظيم «داعش» عندما نقل معركته فجأة من مشارف العاصمة بغداد الى أربيل أجبر الطرف الكردي المفاوض مع مسؤولي حكومة بغداد للقبول بتوجيهات ادارة الرئيس باراك اوباما الاشتراك بحكومة العبادي التي ولدت من رحم حزب الدعوة الذي يتزعمه أبرز خصوم الكرد نوري المالكي رئيس الحكومة السابقة لكن بشروط حدد سقفها ثلاثة أشهر لتنفيذ مطالبهم في ما يتعلق بالموازنة العامة وتسليح وتمويل البيشمركة وحق تصدير النفط وتنفيذ الفقرة 140 من الدستور. وقال السياسي الكردي المستقل محمد كوران ان الجانب الكردي ينظر لحكومة العبادي على انها نسخة مكررة من حكومة المالكي انطلاقا من الايديولوجيا الفكرية التي ينتميان اليها لكن الفرق في النهج الشخصي بين العبادي والمالكي قد لا يعيد تجربة الحكم السابقة بحذافيرها، فالجانب الكردي قدم أبسط الأمور واقترح على رئيس الوزراء الجديد، حلها لكنه بالحقيقة وعد ولم يستطع. ويتخوف العراقيون من أن الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعتبر الضاغط الأساسي في تشكيل الحكومة، فهي صاحبة مشروع (جون بايدن) نائب الرئيس الأمريكي، لتقسيم العراق الى ثلاثة أقاليم لكن ذلك يروق للكرد اذ يسعون لاقناع الآخرين بتطبيق تجربة الأقاليم. وقد انعش التحالف الدولي آمال إقليم كردستان العراق في حربه ضد «داعش» وجعله يؤمن بنظرية الطرف الأمريكي «تحقيق الأمن أولى من البحث عن امتيازات من حكومة العبادي التي ولدت في حضن التحديات» الأمر الذي دفع الساسة الكرد للنظر بعقلانية لدراسة الواقع الراهن لطالما أصبح إقليمهم تحت مرمى تنظيم «داعش» بعد ان قدم التسهيلات والدعم اللازم لقوات التحالف الدولي واعتبر قاعدة لإلحاق الهزائم بالجهاديين منذ آب/أغسطس. وقال السياسي الكردي كوران ان الدور الكردي في هزيمة «داعش» بدأ بفضل جهود المجتمع الدولي الرامية إلى ردع التطرف في مدن كردستان العراق، حيث تحقق انتصارين هامين الشهر الماضي في سد الموصل وقرية آمرلي بفعل مشاركة قوات البشمركة الكردية البالغ تعداها 175 ألف مقاتل، بعد اعادة تنظيم نفسها وتعافت بسرعة من هجوم «داعش» المفاجئ في أوائل آب/أغسطس، مما يدل على مرونتها واستعدادها لتسهيل عمليات القوات العسكرية الأمريكية وقوات الحكومة العراقية. وقال ان حكومة إقليم كردستان تطالب المجتمع الدولي بتوفير الأسلحة والتدريب اللازم لقوات البيشمركة بشكل مستقل عن وزارة الدفاع في بغداد، كما تسعى للحصول على ما يقدر من 8.5 مليار دولار من التحويلات غير المدفوعة لبناء قدراتها العسكرية والأمنية في حربها ضد «داعش».
ويرى مراقبون بانه وفقاً للممارسات الدولية تحتفظ الحكومة المركزية العراقية بالحق في مراجعة شحنات الأسلحة التي تحصل عليها حكومة الإقليم والمصادقة عليها، فضلاً عن إصدار شهادة المستخدم النهائي التي يطلبها معظم المصدّرين. حيث أن بغداد عازمة على استخدام هذه السلطة لمنع الكرد من تطوير ترسانات مضادة للدبابات والطائرات خوفا من ان تستخدم ذات يوم ضد قوات الجيش الاتحادي أكثر من مواجهة تنظيم «داعش». فالكرد يعتبرون بنظر العراقيين الابن المدلل لدى الغرب عبر زمن الصراع الدائر بين حكومات بغداد المتعاقبة والتمرد الكردي لأكثر من 50 سنة. وهو أمر يجعل أية حكومة ببغداد تحسب ألف حساب من تطوير امكانات الكرد العسكرية والأمنية على حساب قوة الجيش العراقي. وقال النائب السابق في البرلمان العراقي طه احمد ان الأكراد يطالبون حكومة بغداد بتمويل غالبية تكاليف قوات البيشمركة من الرواتب والتدريب والمعدات باعتبارها من إنفاقات الحكومة العراقية، لكن حكومتي ابراهيم الجعفري والمالكي اعتبرتا البيشمركة ميليشيا وان الجيش فقط من يتبع لأوامر القيادة العامة للقوات المسلحة في العراق وهو سبب رئيس لنشوب الخلاف بين بغداد والكرد، لكن في ظروف تشكيل حكومة العبادي الذي تزامن مع تحديات «داعش» ونذر حرب أهلية تهدد كيانه، فان الأخير دعم فكرة تسليح قوات البيشمركة وتدريبها كجزء من تجربة الحرس الوطني العراقي الجديد الممول من الأموال الإتحادية التي ستتشكل في عموم محافظات العراق.
وتقول الباحثة في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بجامعة بغداد الدكتورة أبتسام العامري، انطلاقاً من المبدأ العام القائل بضرورة بناء دولة عراقية تقوم على اساس عقد سياسي واجتماعي جديد بعد العام 2003 تضم جميع مكوناته تحت جناحيها فأن القدرة على اكتشاف النوايا الحقيقية للقادة الاكراد يبدو في مجمله صعباً، فرغم انهم اشاعوا مناخاً من النيات الحسنة تجاه رغبتهم بالبقاء داخل منظومة الدولة العراقية إلا ان ديناميكيات الوضع الداخلي في إقليم كردستان ليست من النوع الذي يلهم مستقبل العراق بالكثير من الثقة. ويطرح الكرد فكرة الأقاليم باعتباره انموذجا للاستقرار الأمني في البلاد يكون على غرار ما معمول به في أمريكا والمانيا وبريطانيا والامارات العربية المتحدة، وغيرها من الدول التي نجحت في تحقيق الشراكة بين الأقاليم بشكل حضاري. ويتمحور طموح الكرد بالحصول على مزيد من المصالح والفوائد من العراق مقابل السعي نحو استراتيجية تعزيز استقلالية كيانهم عن العراق بطريقة لا تثير الاستفزاز، مع الأخذ بنظر الاعتبار تكرار قضية الانفصال اذا لم يتمكنوا من نيل مطالبهم الاقتصادية والحدودية في المناطق المتنازع عليها وفق المادة 140وفي تسليح البيشمركة ودفع رواتب موظفي الإقليم وقضايا اخرى. ويقول الإعلامي الكردي شيرزاد حمه ان حكومة الإقليم اعطت مهلة ثلاثة اشهر للحكومة العراقية، وفي حال عدم تحقيق المطالب، عندها سيتم التوجه الى عملية الاستفتاء الشعبي في الإقليم وهي المرحلة الأخيرة لعرض النتائج على الأمم المتحدة لمعالجة واقع الإقليم وجعله كياناً خاصاً به وإنهاء أزمة الصراع بين الإقليم والحكومة المركزية على غرار ما جرى لكثير من الأقاليم التي انفصلت عن بلدانها. وبرغم ان الكرد في العراق يتعزز دورهم دائما على اثر الدعم الدولي لكن مراقبين اعتبروا ان تهديدات «داعش» لعاصمة الإقليم الكردي أربيل تعتبر خطة مفتعلة لأختلاق المبررات التي تسهل ايجاد قواعد عسكرية أمريكية في الإقليم الذي يشكل فرصة اقتصادية واعدة في المجال النفطي.

د. فاضل البدراني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية