لكي نقرأ رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس» يجب أن نضع في حسابنا أننا مقبلون على قراءة قصة ليست من النوع «البسيط» المعروف، وإنما هي قصة مبنية بناء محكماً وبعناية ودقة فائقتين، وبعد دراسة متمعنة تحتاج منا كقراء إلى ما يشبهها. وفنّ غسان كنفاني القصصي فن خاص به، وهو شيء جديد تقريباً على فن القصة العربية، يعتمد على أن بناء القصة ليس بالشيء السهل ـ كما أصبح شائعاً عندنا ـ وإنما هو عملية مرهقة تحتاج منا أن نزجّ بكل قوانا الثقافية والفكرية والحياتية والفنية في عملية الكتابة.
وهو في هذه الرواية ـ روايته الأولى ـ التي هي ليست في الحقيقة سوى قصة قصيرة ممطوطة، يتابع نهجه العام الذي اختطه لنفسه في قصصه القصيرة والتي صدر قسم منها في مجموعة بعنوان «موت سرير رقم 12».
ونهجه هذا الذي أذكر يعتمد خاصة على نوع من الرمزية يمكنني تسميته برمزية الحادثة؛ إذ أنه لا ينهي غالباً الحادثة الأصلية في القصة، بل يترك الأبطال أو سلوكهم معلقاً في لحظة معينة، ثم ينتقل إلى حادثة ثانية، تبدو لنا لأول وهلة هامشية أو لا علاقة لها بموضوع القصة، ولكنها تكون نهاية للحادثة الأصلية ورمزاً لها، كما في قصته القصيرة مثلاً «أكتاف الآخرين»، حيث البطل شاب استقال من انتمائه لحزبه العقائدي لأنه شعر بأن الآخرين يثقلون كاهله، ثم ترك هذا البطل دون أن يذكر عنه شيئاً، ولكنه رمز لما في نفسه بقصة خادم المقهى البحري الذي تعود أن يلقي بفتات الموائد إلى الأسماك المجاورة وهو سعيد أن يغذيها بها، ولكنه أصيب بذهول الخيبة عندما نبهه البطل ـ ربما كاذباً ـ إلى أن هذه الفتات تقتل السمك.
وأسلوب المؤلف في تلك القصص بسيط لدرجة الركاكة كما اتهمه بعض من كتبوا عن مجموعته، ولكنها بساطة متعمدة غالباً ـ كما يدعي هو ـ حتى لا تقف حائلاً في سبيل الفكرة والأحداث في القصة.
أما في الرواية الجديدة، فالكاتب يبدو أكثر ثقة بأسلوبه ونهجه العام، ويبدو أنه يشعر بأنه يتعرض لفكرة ضخمةـ وقضية وطنية كبرى، هي فلسطين. ورغم أنها قضية كل عربي، فهي تبدو عنده أشد حرارة وزخماً لأنه ابنها، ابن النكبة وما بعد النكبة، وهو يصورها من الداخل، بعد أن انفعل بها في الصميم؛ إنها مشكلته وقضيته الشخصية بقدر ما هي قضية عامة قومية. وهو يعرضها من خلال حوادث وأبطال وعلاقات، يشعرنا بأنه عاشها كلها بنفسه، رغم أنه قد لا يكون أحد الأبطال طبعاً. ومن هنا يأتي معنى الالتزام الحقيقي في الأدب، أنه نوع من التبني الأصيل والعفوي للقضايا العامة وهدف سامٍ في الحياة.
والقصة قليلة الحوادث نسبياً في مفهوم الرواية، بل إن كل أحداثها والصور الخاطفة لحياة أشخاصها ليست سوى تهيئة للنهاية، أو لدعم نقطة الذروة في القصة التي تفضي إلى النهاية. والبراعة في هذه «التهيئة» من الناحية النفسية والمعنوية تذكّر بهذا النوع من القصص القصيرة الطويلة في الأدب العالمي، التي تملأ القارئ بالشوق ليعرف النهاية خلال هذا التوتر الذي يوحي بتوقع حدث مفاجئ وفاجع، فكأن كل كلمة، وكل لفتة، في حياة الأبطال تجعل القارئ يتخيلهم يقفون على شفير هاوية وتكفي زلة قدم حتى يهوون إليها؛ ولهذا لا بد ـ بالتداعي على الأقل ـ أن تذكّرنا «رجال في الشمس» بمسرحية «ثمن الخوف» لآرنو، وأن يذكّرنا التكنيك الخاص بـ»الشيخ والبحر» لهمنغوي. ولكن ذلك لا يعني التأثر أو التقليد مطلقاً، لأن قضية أبطال «ثمن الخوف» المرهقين بالبطالة والفراغ، عندما يدعوهم السمسار لنقل التيتروغليسيرين، تلك المادة الخطرة والمؤدية غالباً للموت، توحي بمعنى آخر، وإنْ كانت نهاية يائسة كما هي هنا. ولكن أبطال آرنو كما أتصور يموتون في سبيل اللاشيء الذي هو الخبز، أما أبطال «رجال في الشمس» ففي سبيل ما هو أهم يموتون.
وغسان كنفاني يرفع الأحداث والأشخاص كما قلت إلى مستوى الرمز، كما في «الشيخ والبحر» حيث يبدو الشيخ رمزاً للإنسان عامة، أو يخيل إليه ذلك قبل أن ينتهي صراعه تلك النهاية العبثية المعروفة. أما نهاية أبطال غسان كنفاني فهي ليست عبثية، وهي تعرض لنا قضية ما تزال دماؤها حارة، تهدر لتذكّرنا بمأساة وجودنا القومي. ولا ينسى الكاتب هنا أن يترك لنا خلال قتامة النهاية شعاعة من الأمل، هي الحل، والخلاص، لأنها الثورة؛ ففي آخر كلمات الرواية نجد التساؤل الأخير للبطل أبي الخيزران، وهو أهم رمز في الرواية كما أرى. فبعد أن ينتهي من عملية التخلص من ضحاياه أو من ضحايا الصدفة، أو ضحايا القدر وضحايا القضية ربما، يجيء هذا التساؤل، الذي يعني الدعوة ولو بشكل ساذج إلى الثورة. إنه يقول: لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقـــولوا؟ لماذا؟ ويتابع المؤلف: «وفجأة بدأت الصحراء كلها تردد الصدى: لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟».
والخزان هنا صهريج السيارة التي مات فيها اختناقاً أبطال الرواية وهم في طريقهم للكويت، تحت شمس الصحراء المرعبة. وهو رمز لنوع الحياة التي يحياها أبناء فلسطين بعد النكبة، أو ربما كل العرب الذين لما يتحرروا بعد، والذين ما زالت أفواههم مكمومة، وحياتهم في سجن مثل ذلك الخزان: فالهواء فاسد، والاخــتـــنــاق أكــيد، إن لم يثوروا ويقرعوا جدران هذا السجن ليموتوا أو ينتصروا.
وعندما أقول إن أبا الخيزران أهم شخصية في الرواية، وأهم رمز فيها تهدف إليه، فلأنه أساس في الأحداث أولاً، ولأنه شخصية مرسومة بعناية ووضوح أكثر، بل إنه بحدّ ذاته قصة كاملة. فقد حارب في فلسطين، وخرج من المعركة بعاهة دائمة ـ والمؤلف يذكر ذلك دون أن «يحاضر» أو يتحدث بلهجة المنشورات والصحف، وإنما يتهدج في جمله وأسلوبه صوت الفاجعة ـ وعاهته هي العنانة التي تحرق نفسه وتشوّه إنسانيته. فهو يغدو مجرد إنسان آلة تتصرف بغير منطق؛ إنه مريض يعوض لاشعورياً عن يأسه وعجزه بالتهالك على جمع المال، لدرجة أنه حتى الناس من أخوته أبناء النكبة يصبحون مجرد وسائل للمال، وإن كان يبدو عليه أنه في الصميم وبشكل غير واعٍ ما زال يحس بروح أخوّة نحو أخوانه أولئك، ولكن سطح نفسه مشغول بمرضه. ومن هنا فهو يكاد يكون رمزاً لشعب فلسطين كله، الذي كأنما يريد المؤلف أن يقول إنه، في حالته التي يعيش فيها اليوم، شعب عنين، خرج من المأساة سنة 1948 وهو شعب ثائر وأرضه مغتصبة، ولكنه بنفيه في اللجوء وحياة المخيمات يتشوه شيئاً فشيئاً، وإذا تُرك دون أن تُحلّ قضيته بالعودة إلى أرضه السليبة فإنه لا بد سائر نحو التشوه، والخطر على نفسه وعلى غيره، ولكن الأمل الباقي له، هذه الشعاعة الأخيرة في آفاقه المظلمة، هو الثورة، هو أن يقرع جدران الخزان فيدمرها.
وهناك رموز جانبية، ولكنها ليست ثانوية: كالمرابي في البصرة، الذي يبدو نموذجاً للإنسان الذي ينفعل بالمأساة بما يأتيه بالفائدة ويزيد من ثرائه. فهو رمز لطبقة الساسة المحترفين وأصحاب رؤوس الأموال في وطننا. ولا شك أن الصحراء ليست مجرد أرض جغرافية، وكذلك الكويت والرحيل إليها، فالكويت رمز للهدف، أي هدف موعود كبير، كهدف العودة إلى الأرض السليبة مثلاً. والطريق ربما رمزت إلى صعوبة الكفاح في سبيل هذا الهدف المنشود.
مجلة «حوار»، العدد 3، نيسان (أبريل) 1963
رائد الجراح والانكسارات
كان الشاعر السوري (1928 ـ 2009) مواطناً سورياً قياسياً، إذا جاز القول؛ استجمع، في نصف قرن من عقود عمره، قسطاً وافراً من العناصر السياسية والثقافية والنفسية والإبداعية التي ميّزت شخصية سورية معيارية: المثقف، البرجوازي الصغير، حامل مصائر ـ ثمّ جراحات، وانكسارات، وهزائم ـ طبقة توهمّت أنّ عقيدتها (التي بدأت كمزيج قومي ـ ميتافيزيقي، يستلهم المثالي الفيختوي والسوبرمان النيتشوي)؛ جديرة باحتكار تمثيل الوجدان السوري، والنيابة عن الاجتماع الوطني بأسره، وليس الطبقة وحدها.
وفي موقعه كشاعر، حداثي بامتياز، كان الجندي رائداً بحقّ، رغم انتمائه ـ من حيث النشر والحضور الثقافي، وصدور مجموعته الأولى «الراية المنكسة» سنة 1962، بعد سنوات أعقبت نشر قصائده في دوريات أدبية سورية ولبنانية ـ إلى مجموعة شعراء الستينيات (علي كنعان، ممدوح عدوان، محمد عمران، فايز خضور، محمود السيد، أحمد سليمان الأحمد، خالد محي الدين البرادعي، وسواهم). مكمن ريادته قد يبدأ، أوّلاً، من حقيقة إقامة الصلة الحداثية، والتجديد المعمّق في الشكل مثل الموضوعات، بين حلقة عبد الباسط الصوفي وسليمان العيسى وشوقي بغدادي، حيث هيمن شكل «الشعر الحرّ» أو التفعيلي، وإنْ اختلفت الأساليب وتباعدت التجارب؛ وحلقة الثلاثي علي الـنــاصر وأورخان ميسر وخير الدين الأسدي، حيث النماذج الأبكر من قصيدة النثر السورية، ذات الميول السوريالية؛ والحلقات المنفردة الكبرى كما مثّلتها تجارب نزار قباني ومحمد الماغوط.
ترك الجندي 11 مجموعة شعرية، بينها «في البدء كان الصمت»، «الحمى الترابية»، «الشمس وأصابع الموتى»، «طرفة في مدار السرطان»، «بعيداً في الصمت قريباً في النسيان»، «قصائد موقوتة»، و»سنونوة للضياء الأخير».
علي الجندي