سجّل ترامب إنجازاً رمزياً وفشلاً جوهرياً

حجم الخط
6

مناحيم بيغن قال ذات مرة إن «صعوبات السلام أفضل من آلام الحرب». بهذا المعنى فإن القمة بين دونالد ترامب وكيم جونغ أون التي عُقدت صباح يوم الثلاثاء في سنغافورة هي بشرى للانسانية. زعيمان كانا قبل أشهر معدودة هدّدا بعضهما بكارثة نووية، عقدا لقاء ودياً وتعهدا بتحسين العلاقة بينهما والسعي إلى السلام. في العالم الذي فيه الشكل أهم أحياناً من المضمون، يدور الحديث عن إنجاز مثير للانطباع، والذي في يوم ما سيعتبر تاريخياً.
ولكن الرغبة الطبيعية لتسوية النزاعات بالطرق الدبلوماسية، والاعتراف بأنه أحياناً أهمية اللقاء هي في مجرد عقده – من دون الحديث عن ميل الاعلام إلى تضخيم الاحداث إلى أبعاد غير واقعيةلا يمكنه إخفاء حقيقة أن المنتصر الاكبر في سنغافورة لم يكن رئيس الدولة الديمقراطية الاكبر في العالم، بل طاغية قاتل من إحدى الدول الظلامية في العالم.
كيم حظي بالشرعية والاحترام والمجاملات والعناق من رئيس الولايات المتحدة من دون التنازل عن أي شيء.
ترامب غمره بالمديح ووصفه بأنه زعيم حكيم ومسؤول وكفؤ. في مقابلة مع شبكة «إي.بي.سي» ادعى ترامب بأنه يبدو أن شعب كيم «يحبه بحماسة شديدة» وكأن كوريا الشمالية هي ديمقراطية مشتعلة وليست دولة معسكرات الاعتقال والقمع والاعدامات السياسية.
في إعلان المبادىء الذي وقّع عليه الزعيمان، منح ترامب كيم «ضمانات أمنية»، التي تعني مصادقة أمريكية على نظامه الفظيع. الرئيس الامريكي واصل منح كيم هدايا مجانية أيضاً في المؤتمر الصحافي المطول الذي عقد في نهاية المحادثات. بدون أن يبلغ مسبقا البنتاغون أو حلفاءه في سيئول، أعلن ترامب عن وقف المناورات العسكرية المشتركة في كوريا الجنوبية، حتى أنه سمّاها بـ «استفزازية»، وهذا تعبير معتاد عليه من قبل رجال الدعاية في بيونغ يانغ. واضاف أنه ينوي في نهاية الامر سحب القوات الامريكية من كوريا الجنوبية وهو الهدف الذي سعى اليه كل زعماء كوريا الشمالية منذ انتهاء الحرب الكورية قبل 65 سنة.
كيم وترامب قدما عرضاً جيداً للاعلام، لكن من ناحية جوهرية الجبل تمخض فولد فأراً. بقدر ما كان الظهور الاستعراضي كبيراً كانت الانجازات الاساسية صغيرة. على الرغم من محاولات ترامب لتعظيم وتمجيد صيغة الاعلان المشترك الذي وقّع عليه مع كيم، إلا أن الامر يتعلق بوثيقة عامة وفارغة، وربما كان من الافضل لترامب أن لا يوقع عليها أبداً.
منذ العام 1992 توافق كوريا الشمالية على «نزع سلاح شبه الجزيرة الكورية»، من السلاح النووي، كما يظهر في الصيغة التي وقّع عليها الآن كيم.
إلا أنه في الاطار المتفق عليه والذي وقع مع كوريا الشمالية في العام 1994، وفي إعلان مشترك لست دول أجرت مفاوضات على تجريد بيونغ يانغ من سلاحها النووي في العام 2005، وفي إعلان آخر للدول الست في 2007، فقد أخذت كوريا الشمالية على مسؤوليتها تعهداً أبعد بكثير من الذي نجح ترامب من أخذه من كيم. فقط رئيس يعتقد أن العالم خلق من جديد في يوم أدائه للقسم، يمكنه الادعاء بشكل جدي أن الامر يتعلق بانجاز جوهري وليس فقط رمزياً.
علاوة على ذلك، فقد تميز البيان أكثر بما ليس فيه مما يوجد فيه. خلافا للتعهدات التي اخذتها بيونغ يانغ على نفسها في الماضي، فليست هناك في البيان كلمة عن استعداد كوريا الشمالية للانضمام من جديد لميثاق منع نشر السلاح النووي، وليست فيه كلمة واحدة عن وسائل للتحقق من تنفيذ تعهدات كوريا الشمالية والرقابة عليها، كما لا توجد فيه أيضاً كلمة واحدة عن وقف انتاج البلوتونيوم أو جهود التوصل إلى القنبلة الهيدروجينية.
في المؤتمر الصحافي قال ترامب إن كيم قدم تعهدات شفوية لتفكيك قواعد إنتاج محركات الصواريخ. ولكن ليست هناك أية كلمة عن ذلك في البيان المشترك. هذا رغم أن تطوير القدرة القارية لصواريخ الشمال هو الذي دفع الولايات المتحدة إلى البحث عن حل سياسي للتهديد المتزايد الموجه ضدها.
صحيح أن البيان تضمن أيضاً تعهداً بإعادة جثث مفقودين أمريكيين من فترة الحرب، لكنه لا يذكر المواطنين اليابان ومواطني كوريا الجنوبية الذين اختطفوا على أيدي كوريا الشمالية. بشكل عام، ليس فيه أي ذكر لهاتين الدولتين حليفتي الولايات المتحدة والمهددتين بصورة متواصلة من قبل بيونغ يانغ. البيان أيضاً تجاهل تماما خرق حقوق الانسان من قبل نظام كوريا الشمالية، وبالتأكيد ليست فيه أية إشارة إلى أن كيم ينوي حقا تحرير شعبه من الاضطهاد ومن العوز. بناء على ذلك: كيم تلقى من ترامب ختم الصلاحية على مواصلة طريقه الاستبدادي.
ترامب ربما اعتقد أن القمة ستسكت منتقديه، وتثبت قدراته الفريدة في «فن الصفقات» وتثبت تفوقه على سلفه. لقد حاول تفصيل انجازاته في المؤتمر الصحافي، لكن غياب هذه الانجازات، اضافة إلى عدم إلمامه بالتفاصيل، خلق أقوالاً متفرقة ذكّرت بصيغة نبوءة «النبي الممل» في فيلم «حياة بريان» لمونتي بايتون: «سيأتي يوم تكون فيه شائعات عن أمور لا تنجح، ويكون هناك تشويش كبير بخصوص وضع الامور في نصابها، ولا أحد يعرف ماذا سيحدث مع الامور الصغيرة».
أكثر من تحليل للوقائع، فإن تبجح ترامب كان سيعتبر معلومات خيالية، التي ذكرها كيم في بداية محادثاته مع الرئيس.
نتائج قمة سنغافورة والبعد بينها وبين التوقعات العالية التي خلقها ترامب قبلها، لم تخفف الانتقاد الذي تعرض له الرئيس على سلوكه في قمة «الجي سبعة»، بل ستزيده. الفجوة بين اللعوب المتحمس الذي يمثله ترامب وبين الطاغية من بيونغ يانغ مقابل تنكيله بجستين ترودو الكندي، زعيم الحليفة الاقرب للولايات المتحدة، فقد أصبح أكثر فظاظة وإثارة. ترامب أيضاً لم يأخذ أي عبرة: في الوقت الذي كان يثني فيه على صديقه الجديد كيم، واصل ضرب ترودو أيضاً من سنغافورة وقال «إنه سيدفع المزيد من المال» على مواقفه في موضوع ضرائب الحماية.
من المفهوم أنه بقي أمل أن تثمر المحادثات العتيدة بين وزير الخارجية مايك مومبايو وبين ممثل كبير من كوريا الشمالية، اتفاقات أكثر عملية. إذا صدقنا ترامب فإن كيم سيتخذ في المستقبل القريب خطوات ستثبت حسن نواياه: خطوات كهذه إذا كانت مقنعة، ستسجل القمة كنجاح كبير أكثر مما تبدو عليه اليوم. في هذه الاثناء، مع ذلك، فإن الانجازات الوهمية لترامب تضع محط الهزء استهزاءه المتواصل بالاتفاق النووي مع إيران، وهو أحد الاتفاقات المتشددة والمفصلة التي وقعت في يوم ما لتقييد التزود بالسلاح النووي.
إذا قمنا بالمقارنة التي تحولت إلى كليشيه، لو أن باراك أوباما عاد من سنغافورة مع بيان شامل وفارغ مثل الذي وقع عليه ترامب لكانوا اتهموه بالاستخذاء أمام الديكتاتور إذا لم يكن خيانة الوطن.
لقد أثبت ترامب من جديد أن البيانات الصاخبة واللهجة الشديدة لا يمكنها ان تشكل بديلا مناسبا عن التعمق في المادة والانشغال في التفاصيل، التي تشكل اللبنات الاساسية لعمل سياسي جدي. لقد قفز عن أعداد الارضية، وتنازل عن العمل التحضيري وانتقل مباشرة إلى قمة مغطاة إعلامياً. ترامب، مثل إسرائيليين كثيرين، يعتقد أنه الوحيد، وهو يعتقد أنه هو، فقط هو، الذي يستطيع تربيع الدائرة وتحقيق انجازات تاريخية لم يحققها سلفه. عندما سيعود إلى الولايات المتحدة ويقرأ عناوين الصحف، سيصاب بخيبة أمل شديدة. سيكتشف أن الواقع مر وأن منتقديه يواصلون ضربه بلا رحمة وأن جزءاً بارزاً من مؤيديه باستثناء شبكة فوكس بالطبع، يملأون أفواههم بالماء بسبب كثرة الاحراج. الآن يجب البدء بالاهتمام بكيفية رده على الاحباط ومن هو الذي سيقع عليه غضبه لأنه عرض ثانية كهاو ودجال.

هآرتس 13/6/2018
حيمي شليف

 سجّل ترامب إنجازاً رمزياً وفشلاً جوهرياً

صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية