شكير نصرالدين ردا على «شغب» عباس بيضون : وفر رصاصك الطائش لمضمار آخر

حجم الخط
0

■ «استسلام» الكلمة الّتي اختارها شكير نصر الدين عنواناً لرواية الكاتب الفرنسي ميشيل ويلبيك الجديدة مقابل الكلمة الفرنسيّة «سوميسيون» (دار الجمل2017)، تكاد أن تكون حكماً أو ما يشبه الحكم، ليس هذا ما يجعلها ملتبسة وحسب، بل ما تدعّيه من حكم لا يتمتّع بدقّة وحدود نفترضها للحكم. هنا لا نفرق بين الحكم والتعليق، بل بينه وبين المزاح. استسلام أو إذعان بحسب الرواية ومخيالها لانتصار الإسلام واستلامه السلطة في فرنسا، بحيث لا يجد البطل مفرّا من النطق بالشهادتين وإعلان إسلامه. ليس ويلبيك نصيراً للإسلام فماضيه مدموغ بخلاف ذلك، روايته الأخيرة لم تغفل عن ذلك».
ـ هذا هو مستهل مقال الشاعر اللبناني عباس بيضون منشور يوم 9 يوليو/تموز 2017، في الموقع الإعلامي 24 عن رواية «استسلام» للفرنسي ميشيل ويلبيك. وفي ما يلي رد الناقد والمترجم المغربي شكير نصير الدين.
منذ السطر الأول يريد كاتب المقال (الذي لا يتعدى نصف صفحة إلا قليلا) نسفَ ترجمة رواية من 286 صفحة، فقط لأنه لا يتفق مع ترجمة «سوميسيون» (كذا) بلفظ «استسلام» ويزيد أن العنوان «حكم أو ما يشبه الحكم». لاحظوا التردد، بين الشيء وما يشبهه، «مما لا يجعلها ملتبسة وحسب، بل إن ما تدعيه من حكم لا يتمتع بدقة وحدود نفترضها». إذا لم يكن لفظ «استسلام» لفظا مناسبا، ما هو يا ترى الأنسب يا سيد عباس بيضون؟
كنت أتوقع من الصحافي أن يدلي بدلوه ويزكي كلامه بالحجة الدامغة، لكنه لم يفعل وفضل الزج بالمزاح هكذا بدون مبرر وكأني به يكتب لمجرد أن يكتب، ولا يدقق ما كتبه أو ينقحه، والحال أن الكاتب غير المترجم، فإذا كان الأول يُدوِّن ما كتبه، قد يحذف ويضيف، يختزل هنا ويبسط هناك، فإن المترجم يقف عند كل كلمة، وجملة وفقرة، وليس له الحق في ما للأول من حقوق. وإن لم يكن الموضوع هنا هو عمل المترجم ومحترفه، أذكِّر الصحافي صاحب المقال أن الترجمة ليست كتابة انطباعات أو تدوين خواطر، قد تكون موغلة في الذاتية أحيانا كثيرة. وبالجملة، فإني سوف أريح السيد عباس بيضون من عناء البحث وأهمس في أذنه: إذا كانت كلمة «إسلام» تدل من بين مدلولات أخرى على «الاستسلام» وإذا كان الروائي بنفسه يعلل اختيار الكلمة، كون الاسلام يعني الاستسلام» من خلال كلام شخصية «رُديجِير» وليس «دريدج» كما كتبها أكثر من مرَّة، الصحافي بيضون مستعجلا، إذ يقول رديجير في الصفحتين 249 و250 ما يدل على صواب لفظ «استسلام». «إنه الاستسلام، قال رديجير بلطف، الفكرة المزلزلة البسيطة، التي لم يسبق أبدا أن تم التعبير عنها بتلك القوة، ومفادها أن قمة السعادة الإنسانية كامنة في الاستسلام المطلق، إنها فكرة قد أتردد في بسطها أمام أبناء ديني الذين قد يعتبرونها ربما تجديفا، لكن هناك بالنسبة لي علاقة بين استسلام المرأة المطلق أمام الرجل، كما تصفها حكاية أو استسلام الرجل أمام الله، كما يراه الإسلام. قال متابعا كلامه، كما ترى، الإسلام يقبل العالم، ويقبله في شموليته، يقبل العالم مثلما هو حتى نستعير كلام نيتشه. وترى البوذية العالم بمثابة نقص، عذاب dukkha. وتُظهِر المسيحية بنفسها تحفظات جدّية ـ ألا يتم نعت الشيطان بأنه «أمير هذا العالم»؟ أما بالنسبة إلى الإسلام، على العكس من ذلك، فالخلق الإلهي كامل، إنه رائعة مطلقة… إنه حمد الخالق واستسلام لقوانينه»(ص.250).
كما هو واضح مما ورد في الصفحتين، هل هناك كلمة أخرى تناسب العنوان؟ ولنفترض جدلا أن كلمة Soumission تدل على الخضوع، والإذعان، والانقياد، و.. و.. و.. لكن هل يستطيع جهبذ في اللسان العربي أن يقصي الدَّال «استسلام»؟ ليس المعنى النوّوي وحده ما يزكي اقتراحنا، بل كل المعاني السياقية النصية تدعم، بما لا يدع مجالا للشك أو للشغب، صواب ما ذهبنا إليه. أما لو اقتربنا أكثر من عمل الترجمة، وابتعدنا عن الافتراضات المزاجية المتضاربة، سوف نجد أن الأمر لا يتعلق بحُكم أو مزاح ومزاج أو هوى كما يدَّعي الصحافي، إن المترجم قارئ دقيق في اختيار ألفاظه وعباراته وجمله، وما يقوم به هو من صميم التأويل وليس الحُكْم، الترجمة تأويل، هذا ما يتعلمه طلاب المدارس الأولية، الترجمة تأويل لكنه تأويل يستند إلى دراية باللغة وتشعباتها وبالسياقات، والتشكيلات الخِطابية، والمرامي، والمراجع الثقافية وغيرها مما يضبط كل نص من حيث القراءة، بله الترجمة؛ حينما نقول بالتأويل، فلا نعني به الفهم العامّي، مثلما في التأويل الشعبي للأحلام، التأويل بوصفه علما يعتمد الفيلولوجيا، واللسانيات، ومجموعة مباحث أخرى يعرفها أهل الاختصاص؛ بإيجاز التأويل أقرب إلى العلمية منه إلى الانطباعية المستعجلة. أما بيضون فإنه بدون تقديم الحجة على ما يدَّعيه يفضل أن ينتقل إلى ما يراه عرضا لمحتوى الرواية، وحقيقة هذا العرض أنه يناقش الرواية وكأنه لم يقرأها، أو هو اكتفى باتخاذ موقف من صاحبها، ومضى في الحديث عن آفات طرح ويلبيك بخصوص الإسلام والمسلمين والأسطوانة إياها، ويقرأ رواية الكاتب وكأنها وثيقة رسمية، أو اعتراف باح به المؤلف، والحال أن الأمر يتعلق بنص روائي، من نسج الخيال مهما بلغ من الواقعية؛ هل نحتاج هنا إلى تكرار ما قالت به الكثير من المدارس النقدية، عن ضرورة الفصل بين النص وما يقوله صاحبه عنه؟ إذ يجب تلقي ما يقوله بكثير من الحيطة والحذر، لأن ويلبيك قال ما قاله في روايته، ولا يهمنا ما قاله في أحاديثه مع الإعلام والنقاد وغيرهم، لكن بيضون يفضل المعرفة الشائعة، المتداولة، السطحية ولا يكبد نفسه عناء الفصل بين النص والمؤلف: حتى لو كان النص سيرة ذاتية، هناك دوما عناصر من نسج الخيال.
أقول قولي هذا حتى أبين، إن كان الأمر يحتاج إلى بيان، إن المترجم لا يتوقع أن يصفق له الناس، أو تفرش له الورود، من باب الرياء، لكنه أيضا، لا يقبل أبدا أن يتم اختزال رواية من مئات الصفحات وعشرات الآلاف من الكلمات في كلمة واحدة، ومن السطر الأول.
الخطأ وارد، بل إنه إنساني، لكن من يثير انتباه الناس إلى هفواتهم، خاصة إذا كان صحافيا يخاطب العامة وأهل الاختصاص على حد سواء، فمن باب اللياقة، بل من أصول كتابة المقال أن يجعل الملاحظات، والعتاب، والمؤاخذات والنقد وغيرها، في ثنايا المقال، إن لم نقل في خاتمته؛ أما أن يتم إرسال وابل من الكلمات غير المسددة ولا المؤيَّدة من أول سطر، فهذا طيش وشغب لا يمكن السكوت عنه، صحيح أن المترجم جندي من جنود الخفاء، لكنه أيضا جندي لا يمكنه أن يقف هكذا صامتا، حتى لو كانت النيران نيرانا صديقة، لأن الهجوم بشكل خبيث على عمل من 54 ألف كلمة وما يزيد، تطلب مجهودا ووقتا لا يعلمه إلا الراسخون في الترجمة، واختزاله في كلمة واحدة، يجعلني أقول لمثل عباس بيضون، وفّر رصاصاتك الطائشة، وغير المصوَّبة التسديد لمضمار آخر، ربما تجيده كثيرا وهو الجدال السفسطائي العقيم وتوزيع الأحكام ذات اليمين وذات الشمال بدون روية أو اتزان، ربما هناك من يصبر على مثل هذه المناوشة والشغب، أو يقبل على نفسه وضع المنصت لواعظ يوزع علامات الحسن والسوء حسبما يمليه «المزاج» وتوهُّم الأستاذية؛ فالترجمة ليست لعبا أو لهوا أو مقالة نكتبها على استعجال، إنها حياة ثانية نحياها بكل ما فينا من نَفَس ودم، بصبر وتؤدة وتواضع منذ أكثر من ثلاثين سنة، إنها عندنا فنٌّ تليد، فن للعيش في فضاء رمزي قِيمُه تسمو عن الحضيض، تبني جسور المحبة والوئام والخير، وتنبذ البغض والفرقة وتهييج الشر.

 شكير نصرالدين ردا على «شغب» عباس بيضون : وفر رصاصك الطائش لمضمار آخر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية