كعادتي في رحلة العمل اليومية، أستخرج كتابا من حقيبتي ما أن أنجح في انتزاع مقعد بالقطار المزدحم. كنت أرغب في مواصلة قراءة رواية «وردة» للأديب صنع الله إبراهيم. غير أن لحظات الاستمتاع الأولى بالعودة إلى نص جميل قطعتها السيدة التي كانت تجلس أمامي، إذ هبت من مقعدها وقذعتني بطوفان من الجمل العنيفة عن العرب الإرهابيين والمسلمين القتلة الذين لا يأمن جانبهم، عنا جميعا كلاجئين ينقلون العنف إلى الولايات المتحدة وأوروبا عوضا عن تقدير المجتمعات التي استقبلتهم والأغلبيات التي لم تمانع في مشاركتهم الحياة والعمل. ثم أنهت السيدة متوسطة العمر وجميلة الملامح، والتي بينت لغتها غير المتورطة في السب وملبسها الجيد انتماءها للطبقة الوسطى، طوفانها بطريقة مسرحية. رفعت صوتها أكثر وكأنها تخاطب عربة القطار بأكملها، قائلة أنها تخاف مني ومما في حقيبتي وستغادر هذه العربة فورا.
التزمت الصمت حتى مر طوفان السيدة، فلم يسبق لي التعرض لموقف مشابه ولم أتوقعه في منطقة عرف عن أغلبية أهلها رفض العنصرية ومقت العداء للأجانب وتأييد السياسيين التقدميين. التزمت الصمت حتى جاء إلى المقعد الشاغر أمامي شاب، وجلس بعد استئذان. اعتذر لي قائلا أن ما حدث لا يمثله ولا يمثل أغلبية من يعرف، وأن الإرهاب لا عرق له ولا دين. بحرص بالغ، طلب مني أن أتفهم توتر البعض بعد تفجيرات باريس والعمل الإرهابي في سان برناردينو بولاية كاليفورنيا الأمريكية، والخوف الذي يتصاعد يوميا من احتمالية أعمال إرهابية جديدة.
أكدت للشاب، الذي أوشت لغته أيضا بانتماء إلى الطبقة الوسطى، تفهمي للتوتر وللخوف. وما أن تخلصت نسبيا من توتري الشخصي الذي سببه طوفان السيدة واستعدت شيئا من القدرة على الحديث، حتى ذكرت للشاب المحترم أن خوف الناس له الكثير مما يبرره. الاستيقاظ على أعمال إرهابية ينفذها من ولدوا وأقاموا في أوساطهم، الصدمة بفعل جرائم قتل بشعة يرتكبها دمويون ووحشيون بحق من عاشوا وعملوا معهم وشاركوهم بعضا من تفاصيل الحياة، فقدان الثقة في أن مجتمعات الغرب المفتوحة بنظم تعليمها الجيدة وثقافتها العامة التي يغلب عليها التسامح وقبول الآخر تستطيع أن تحمي جميع المنتمين للجاليات العربية والمسلمة من الانزلاق إلى فخ التطرف والقابلية للعنف وأن تحول دون أن تكتسب أفكار المتطرفين وشعاراتهم المتهافتة واستدعاؤهم الرجعي للدين قبولا بين بعض أعضاء هذه الجاليات. حكيت له عن صدمتي الشخصية في أعقاب تفجيرات باريس والعمل الإرهابي في سان برناردينو، وعن تفكيري المستمر في خلفيات وأسباب الوحشية التي تسمح لحامليها بالقتل على المشاع وبسفك دماء زملاء العمل والحياة وبفرض الحزن على ذويهم وبترك رضيعة في مأساة لا ذنب لها بها. وسبقته إلى القول أن استدعاء هؤلاء الدمويين والوحشيين للدين الإسلامي للتبرير الزائف لجرائمهم وكذلك إعلانهم الولاء لعصابات لها مسميات كالدولة الإسلامية وترفع يافطات الجهاد والحرب المقدسة يرتبان التنامي السريع لخطوط إدراك ولمشاعر سلبية تجاه الجاليات العربية والمسلمة.
وكأن حديثي الهادئ شجع الشاب، عرفت في نهاية حوارنا أنه يعمل كمهندس برمجيات في شركة صغيرة أسسها بعض الشباب، على التحرك من خانة الاعتذار عن طوفان السيدة إلى الاشتباك الصريح مع بعض ما طرحت. قال إنه يتفهم أيضا كل ما ذكرت، ويمتنع بوعيه في محيطه الشخصي والمهني عن التورط في تعميم النظرة السلبية للجاليات العربية والمسلمة أو إطلاق الاتهامات المسبقة بشأن أعضاء هذه الجاليات على النحو الذي يتاجر به بعض السياسيين اليمينيين. غير أنه، هكذا تابع، يسألني مخلصا عن السبب الحقيقي «لعدم تصريح الجاليات العربية والمسلمة برفضها التام للمجرمين الذين يرتكبون الأعمال الإرهابية ويمارسون العنف، والتشديد على أنهم لا ينتمون إليها وعلى أن الدموية والوحشية لا تقابلهما سوى الإدانة الكاملة من قبل الجاليات المقيمة في الغرب ومن قبل الأغلبيات في المجتمعات العربية والمسلمة»، عن السبب الحقيقي للصمت الذي يرى به الكثير من الناس الأمر الأشد إحداثا للألم.
تعاطفت مع الشاب ذي النوايا الطيبة والذي كان ينقل لي الآن الانطباعات التي يروج لها الإعلام الغربي، يمينه ويساره، ويوظفها أيضا مسؤولون وسياسيون يتحفظون على المقولات صريحة العنصرية ويمررون عبر التساؤل عن «أسباب صمت المسلمين» رؤيتهم السلبية. قلت له إن فرضية الصمت غير صحيحة، وأن الإدانات لا تتوقف من قبل أصحاب الكلمة وحملة الآراء الحرة وتتوالى أيضا من قبل ممثلي المؤسسات الدينية الرسمية والرموز الدينية ذات القبول الشعبي. قلت له إن خلفية سؤاله عن «ضرورة التصريح بعدم انتماء الإرهابيين للعرب وللمسلمين» ذات صلة ببعض مدارس ومذاهب الديانة المسيحية التي «تخرج» أو «تطرد» المخالفين لتعاليمها من «الجماعة» وتنزع عنهم الانتماء إلى «أهل الإيمان والطريق القويم»، وأن المدارس الفقهية والمذاهب المستقرة في الدين الإسلامي لم تطور أبدا مثل هذه التعاليم ولم توظف أبدا المشابه من الأساليب.
لذلك يتعذر، على سبيل المثال، إخراج أو طرد متطرفين وإرهابيين يكفرون كل من يختلف معهم من جماعة المسلمين، ويظل الامتناع عن الانجرار إلى مواجهة التكفير بتكفير مضاد ممارسة محمودة. أكدت له أن الإدانة القاطعة لا تحتاج إلى الطرد ولا إلى التكفير المضاد، بل تستدعي تفنيد الأفكار المتطرفة التي تمرر التكفير وتبرر العنف وتحتفي بالقتل والدموية والوحشية، وأن الكثير من ذلك بلوره أصحاب الكلمة والرأي الحر في المجتمعات العربية والمسلمة التي يعاني معظمها من شر الإرهابيين، وأن مطالبتنا بالإدانة وكأننا لا نعلنها ينم عن جهل بالغ.
عدت، بعد وهلة من توقف الحديث بين الشاب وبيني وكنت قد استعدت كامل قدرتي على الحديث المستند إلى ترتيب الأفكار، لأذكر للشاب أن الضغط على العرب والمسلمين لإعلان الإدانة كلما وقعت أعمال الإرهاب والعنف البشعة وتثبت الناس من الانتماء الهوياتي لمرتكبيها إلى الجاليات العربية والمسلمة يستند إلى اتهام مسبق لنا جميعا وإلى تحميلنا بذنب جماعي ترفضه الأغلبيات في المجتمعات الغربية في حالات أخرى. هل تخرج أصوات المسؤولين والسياسيين والإعلاميين لتدعو الأغلبية ذات الأصول الأوروبية إلى إدانة عنف مجانين اليمين العنصري والنازيين بعد ارتكابهم لجرائم قتل بشعة؟ هل تطالبون الأغلبيات بالتبرؤ من المجرمين، وبعضهم يستند إلى فهم متطرف للنصوص الدينية؟ بالقطع لا. فلماذا تحملوننا نحن بجريرة الذنب الجماعي؟
ولأن الشاب المحترم كان في موقع الإنصات والتفكير ومستغلا درامية لحظات نهاية الحوار حيث كنت أستعد لإنهاء رحلتي في القطار الذي كان يقترب من محطة الجامعة التي أعمل بها اليوم كأستاذ زائر، دعوته إلى القراءة عن الأعمال الإرهابية التي تتواصل في المجتمعات العربية والمسلمة وفي مجتمعات أخرى بعيدة عن الغرب – في لبنان التي سبقت بها تفجيرات الضاحية الجنوبية ببيروت تفجيرات باريس بساعات قليلة وفي سيناء المصرية التي يسقط بها الإرهاب يوميا ضحايا جدد وفي العراق وسوريا، بل وفي نيجيريا التي ترتكب بها فظائع ضد المدنيين، لكي يدرك حقيقة معاناتنا أيضا ولاأخلاقية تجاهل ضحايا الإرهاب في عالمنا وتوظيف المعايير المزدوجة إزاء مشاهد الدماء المفزعة.
٭ كاتب من مصر
عمرو حمزاوي