عاموس عوز في كتابه الجديد «سلام للمتزمتين»: أبرز آباء اليسار الصهيوني يحذر إسرائيل من الاندثار

حجم الخط
5

 

«سلام للمتزمتين» كتاب إسرائيلي جديد للأديب عاموس عوز أحد أبرز الآباء الروحانيين لليسار الصهيوني وفيه يحذر من عدم تسوية الصراع وتقاسم البلاد مع الفلسطينيين معتبرا ذلك تهديدا وجوديا على إسرائيل التي ستضطر أن تختار مستقبلا أن تكون ديمقراطية أو يهودية. وفي الكتاب يعالج عوز موقف الإسرائيليين من ثلاثة مواضيع خلافية هي «الإسرائيليون والتزمت الديني والقومي»و»الإسرائيليون واليهودية» و»الإسرائيليون والفلسطينيون».

الحملات الصليبية سابقة

بخلاف جهات إسرائيلية وأوروبية تحرض على الإسلام والمسلمين وتحاول شيطنتهم، يشير عوز في كتابه إلى أن التزمت سبق كل الديانات التوحيدية ومن كل الأيديولوجيات بالعالم ويقترح استبدال مصطلح «جرائم الكراهية» بـ «جرائم التزمت» لافتا أنها تتم أيضا ضد المسلمين كل يوم. لذا يذكّر بأن إبادة شعوب، حملات صليبية ومعسكرات تركيز وغرف التعذيب وهجمات الإرهاب دون تمييز كافتها سبقت صعود الإسلام المتطرف. ويدحض عوز كما في مرات سابقة محاولات التسطيح والتعميم والبحث عن أجوبة بسيطة لأسئلة معقدة ويستخف بمقولة إن هذا «بسبب العولمة» أو «بسبب المسلمين» أو «الغرب» أو اللاجئين أو اليهود.
ويحمل على النزعة المهيمنة اليوم في العالم المتمثلة بإبداء شعور الاشمئزاز المطلق من الآخر المختلف معتبرا إياه أحد مركبات التطرف. كما ينتقد اضمحلال الحدود بين السياسة والإعلام وبين الترفيه. ويتابع «كما في عهد روما التاريخية يقوم الإعلام في العالم اليوم بإلقاء ثلاث أربع ضحايا مشهورين للأسود، مذنبين أو أبرياء وذلك من أجل تسلية الجمهور الواسع وصرف أنظارهم وسرقة أموالهم بسلاسة». ويضيف «أوساط تأخذ في الاتساع تدلي بصوتها في الانتخابات لصالح من ينجح في إثارتها وتسليتها ومن يضرب قواعد اللعبة المتعارف عليها عرض الحائط». ويؤكد أن هؤلاء لا يختلفون عمن يبدون مواقف جدية وينقادون بشكل أعمى خلف قائد له كاريزما. واعتمادا على تجارب تاريخية من فترة الأندلس حتى اليوم في الشرق والغرب يعتقد أن التزمت اليهودي يخف كلما كانت البيئة الغريبة المحيطة بهم أكثر انفتاحا واحتضانا والعكس صحيح. ويقول إن أجيالا متزايدة من اليهود في الفترة المعاصرة تضيق بهم الحياة في عالم التوراة القديم المتزمت والشريعة اليهودية فوسع بعضهم هويته باتجاه قومي وسياسي فيما ذهب آخرون نحو الإصلاح الديني وتوجه كثيرون نحو بوابة الخروج والانغماس بالآخرين.

نعجة بين سبعين ذئب

ويرى أن هناك قاسما مشتركا بين اليمين الإسرائيلي الحالي وبين «يهودية الشريعة» فكلاهما معتاد على العيش في صراع حقيقي أو عاطفي مع كل العالم الخارجي وكلاهما يعتقد بوجود تناقض أبدي بين إسرائيل وبين شعوب العالم: «نعجة بين سبعين ذئب». ويضيف «أما محاولات اليسار الإسرائيلي إلغاء الصراع الأبدي بيننا وبين العرب وبيننا وبين العالم فتبدو بعيون يهودية الشرع وبعض أوساط اليمين كتهديد لخصوصية الشعب الإسرائيلي. إذا لم يكن هناك عدو وملاحقة وحصار فعندها سيغرينا العالم الخارجي وسنفقد هويتنا ونذوب. حسب هذه العقيدة فإن الملاحقات والعدو على عتبة الباب هي حالة ودودة معروفة لنا جيدا طيلة تاريخنا وهي تعزز هويتنا». مدعيا أن الحالة الاعتيادية التي لا يقف فيها عدو مناوب هي حالة تطلع لها قادة صهاينة تاريخيون أمثال هرتزل وجابوتينسكي واليسار الصهيوني اليوم وهي تهدد هوية اليهود بنظر يهودية الشرع والاستيطان وأوساط في اليمين، ويكتب «عدد غير قليل منا يعتقد أن هذا الصراع الأبدي مع العدو مهم بدرجة أهمية المناطق (الأرض المحتلة عام 1967)».

مخلوق متوحش

ويعتبر سؤال الفصل والحدود بين الدين والدولة مهما لكن الأهم في نظره مضمون كل منهما، ويضيف محذرا من استمرار احتلال 1967 «من شأن إسرائيل أن تكون مخلوقا متوحشا أو رسما كاريكاتوريا داخل حدود واسعة مثلما يمكنها أن تكون مجتمعا عادلا أخلاقيا ومبدعا ومتصالحة مع ذاتها داخل مساحة ضيقة».
ويرى أنه ضرب من الجنون أن يسمح لسؤال الحدود استعباد وتشويه بقية الشؤون، مؤكدا الحاجة للصحوة أخيرا من «تنويم الخريطة « قاصدا اللهث وراء الأرض طمعا في أكبر مساحات منها. معتبرا وخلاف الكثير من الإسرائيليين ممن مالوا أغلبيتهم للدين واليمين يعتقد عوز أنه آن الأوان للحديث عن الجوهر: ماذا سيكون هنا ومن نكون نحن هنا؟

جيرة ودولتان

عوز الذي يعتبر أحد أبرز المرشدين الروحانيين لليسار الصهيوني يوضح أن منطلقه الصهيوني منذ عقود بسيط: اليهود ليسوا وحدهم في البلاد مثلما أن الفلسطينيين ليسوا وحدهم فيها. ويرى أنه لا مناص من تقسيم «البيت الصغير» لشقتين صغيرتين جدا على شكل دار ثنائية العائلة. ويتابع «كل من يأتي ويدعي أن البلاد لطرف واحد فقط تكون رائحة الدم منبعثة منه». ويرى أن الحل يكمن في التسوية وإقامة دولتين وتقاسم البلاد وسط تجاهل للخلل القائم في هذا الحل الذي يمنح الفلسطينيين 22٪ فقط من البلاد. ويتهم الأديب الإسرائيلي كثيرين في طرفي الصراع بمعاداة فكرة التسوية رغم أنها تعني انحيازا للحياة وليس انكسارا أو هوانا. ويضيف «الفلسطينيون يشنون ضدنا حربين، أولهما يشارك كثيرون فيها لإنهاء الاحتلال ومن أجل حقهم العادل في الاستقلال الوطني وليكونوا شعبا حرا في وطنهم. وكل شخص نزيه يدعم نضالهم هذا ولكن ليس بكل الوسائل التي يستخدمونها. من جهة ثانية كثير من الفلسطينيين يشنون حربا باسم الإسلام المتطرف من أجل تدمير إسرائيل وهذه حرب يرفضها كل شخص نزيه».
ويعتبر عوز الذي يرى بنفسه رمزا للوسطية أن مصدر «البلبلة والتسطيح» في إسرائيل وكل العالم هو أن فلسطينيين كثر يديرون الحربين في الوقت نفسه، وبالتالي ففي رأيه هذا يدفع أيضا أشخاصا نزيهين وأنصارا للسلام والعدل في البلاد والعالم للوقوع في الفخ «إما يدافعون بحماس عن استمرار الاحتلال بدعوى أن إسرائيل هي ضحية للجهاد والاحتلال هو وسيلة للدفاع عن النفس وإما يقرعون إسرائيل وينبذونها بدعوى الاحتلال معتبرين إياه المصدر الوحيد للشر ولذا فإنه من حق الفلسطينيين سفك دماء الإسرائيليين دون قيود».

حرب عادلة وحرب ظالمة

ويرى أن الحرب الأولى عادلة بشكل لا مثيل لها وأن الحرب الأخرى كلها إثم ويزعم أيضا أن الأمور ذاتها تنطبق على إسرائيل أيضا: تدير حربا عادلة من أجل حق الشعب اليهودي في أن يكون حرا في بلاده وفي الثانية تخوض حربا لقمع الفلسطينيين وسلبهم أراضيهم ومنعهم من ممارسة حقهم بالحرية.
أما الدولة ثنائية القومية التي تطرحها أوساط متطرفة في اليسار واليمين في إسرائيل فهي بالنسبة لعوز «نكتة محزنة» هو الذي لا يرى بطبيعة الحال الصراع الدائر بين استعمار استيطاني وبين سكان أصليين ، يدلل على رؤيته بالقول إنه لا يمكن التوقع من الفلسطينيين والإسرائيليين بعد قرن من سفك الدم والدمع والكوارث أن يقفزوا للنوم داخل سرير واحد والشروع بشهر عسل. ويتابع تبريراته مثل بقية مثقفي اليسار الصهيوني الذي يرفض الدولة الواحدة على مبدأ أن الجانبين يرفضان حتى الآن العيش كجيران فكيف سيقبلان العيش داخل شقة واحدة،فيقول: «لو بادر أحدهم في 1945 للاقتراح بدمج ألمانيا وبولندا ضمن دولة ثنائية القومية لسارعوا لوضعه داخل مستشفى مجانين».

الاحتلال مفسدة

ويستذكر ما كتبه غداة حرب 1967 يوم تحدث عن الدمار الأخلاقي المطلق الذي يلحق بالمحتل نتيجة احتلال مطول. ويضيف على غرار تحذيرات الفيلسوف اليهودي يشعياهو ليفوفيتش: «وقتها ومبكرا خشيت من أن الاحتلال سيفسد الإسرائيليين. نحن والفلسطينيون لا نستطيع أن نتحول لعائلة سعيدة. نحن بحاجة لدولتين. بعد فترة ربما تأتي مبادرات تعاون وسوق مشتركة واتحاد فدرالي. لكن في المرحلة الأولى لابد من شقة بطابقين لأن اليهود لن يغادروا البلاد وليس لهم إلى أين يذهبون وكذلك الفلسطينيون لا وطن لهم سوى وطنهم. الحرب بيننا ليست دراما هوليوودية بين أخيار وأشرار بل هي مأساة عدالة مقابل عدالة. هكذا كتبت قبل 50 عاما وهكذا اعتقد اليوم. عدل مقابل عدل وأحيانا للأسف قلة عدل مقابل قلة عدل».
وللتعبير عن أشد المخاطر التي تهدد إسرائيل يستحضر عوز مجازا من عالم الطب ويقول إن الطبيب الجراح في غرفة الطوارئ يسأل نفسه عندما يستقبل جريحا مصابا بجراح بالغة «ما هو الأكثر إلحاحا وأين أبدأ العلاج وأي جرح من شأنه أن يقتل المريض؟ وفي حالة إسرائيل الخطر الوجودي اليوم يكمن باستمرار النزاع مع العرب والذي من شأنه التحول لنزاع مع معظم دول العالم. هذا نزاع سيهدد وجودنا».

عاموس عاوز: «سلام للمتزمتين»
«كيتر» ، تل أبيب 2017
290 صفحة

عاموس عوز في كتابه الجديد «سلام للمتزمتين»: أبرز آباء اليسار الصهيوني يحذر إسرائيل من الاندثار

وديع عواودة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية