عن المرأة الثالثة

حجم الخط
1

ترى بماذا يختلف الرجل المُثقف مُدعي الانفتاح والحرية عن «الدواعش»، عندما يُوجه خطابه للمرأة قائلا: «حرري جسدكِ قبل أن تُحرري أفكاركِ»، «حرري رغباتكِ»، «تحرري في لباسك»!
بماذا يختلف هذا المُدعي عندما لا يتمكن من احترام المرأة، وهي تلبس حجابا لأنّها من وجهة نظره تُقدم «رمزا مُتخلفا»، ويبدو من المستحيل بالنسبة إليه أن تكون كاتبة جيدة أو شاعرة مُتمكنة أو امرأة ذات وعي حقيقي، ما دامت تُقيم بينها وبينه هذا الحاجز المُسمى «حجابا»، بل إنّه قد يفتحُ فمه بدهشة ما إن يجدها تُناقش وتُفكر وتكتب بشكل جيد، وتتخذ قرارات مصيرية في حياتها، وقد يقول بشيء من القرف والتعالي: «لم أعتقد يوما أنّ هذا الشيء الواقف فوق رأسكِ، يُمكنكِ من التفكير والتصرف بشكل جيد»!.
ما الفرق بينهما… الداعشي المُتعصب يُريد أن يُقصيها وأن يُبعدها عن أي مشهد من مشاهد الحياة ويأمل لو يتمكن من «وأدها» تماما، فهي ليست أكثر من كائن مُحرض للشهوة، وما أن يلتقي بها حتى يُصبح الشيطان الرجيم ثالثا بينهما، لذا فهو لا يُريدها في الحياة، ويكتفي أن تكون من خيارات الجنة المُنتظرة، لأنّ المرأة من وجهة نظره لا تعدو في الحياة الدنيا أن تكون إلا موطنا للرذيلة والفحشاء، بينما ستغدو في الآخرة موطنا للشهوة الحلال، بكل تلك الأعداد المتوفرة منها، فكلما قطف واحدة نبتت أخرى مكانها.
بينما المثقف مُدعي الانفتاح يريدُ أن يُقحمها إلى الحياة، وأن يُعريها لو استطاع إلى ذلك سبيلا، يريد أن يُعيد عبرها زمن الجواري بدرجة الخمسة نجوم، أولئك الجواري الساهرات على مُتعه الرخيصة، المُصغيات لأوامره التي تُمليها عليه ارتعاشه جسده الحادّة والمجنونة، وهو يتبنى ضعفها وانكسارها ويُعلن قائلا: «سأحرركِ… سأحرركِ».
الداعشي المسكين يصبرُ إلى أن تأتي لحظة الشهادة، فتغمره الحور العين بالراحة الأبدية، أو قد يجد مُبررات دنيوية يفكُ عبرها بعضا من احتقاناته المريضة كامتلاك سبايا المعارك الخاسرة، بينما مُدعي الثقافة، ولأنّه لا يؤمن بما قد يأتي بعد الحياة، فإنه يريدُ أن يعيش اللحظة مع الحور العين في الدنيا، فلتكن كل النساء وفق خياره ومقاس رغباته تماما، لذا تجده يُحوّل المرأة عبر الواقع وعبر حساسية اللغة إلى صديقة وحبيبة مؤقتة ليتبضع زاده كل يوم من جسدها وضحكتها ونتوءاتها الزائدة.
المرأة التي تسير «الحيط الحيط»، وتقول يا رب سترك، المرأة القادرة على تقديم التنازلات بسهولة تامة، المرأة التي تنصتُ جيدا للوسطاء بينها وبين الله، لن تكابد مشقة كبيرة في حياتها، ستجد من ينصرها ويُعينها بالتأكيد على القبض على جمرتها المُتقدة.
والمرأة التي تريد أن تنطلق نحو بهجتها العارمة، وحريتها الجامحة ستجد أيضا من يأخذ بيدها نحو مساحة الضوء التي تظن، والفوضى «الخلاقة» التي تنشد.
لكن المرأة الثالثة التي تنوي أن تسير بينهما تماما. المرأة التي تريد أن تمتلك حريتها النابعة من قرارها الشخصي، المرأة التي تريد أن تشبه نفسها، وترغب أن تترك «الحيط» قليلا وتسير منفردة أو تطير بجناحيها بدون معونة من أحد… المرأة التي لا تريد أن تلعب دور الحشمة المصطنع والقبيح، تلك الحشمة التي تُقدم قربانا لمجتمعات بائسة، وما إن تبتعد قليلا عن الأنظار (في سفرٍ ما) حتى تتحول إلى شيء آخر، شيء يعبرُ عن مقدار الكبت والجوع، لأنّها لم تكن يوما كما تريد.
المرأة الثالثة التي لا تريد أيضا أن تكون المُغوية اللعوب بين أوساط مريضة تطلبُ حضورها بلهفة، وتصفق لها بقدر قشرة جمالها الخارجي، بقدر فسحة المتاح من جسدها المكشوف، وليس بالضرورة لأنّها تمتلك رصيدا معرفيا جيدا، أو لديها ما تقوله، وإنما لقليل من «المتعة والبهجة» المُبتذلة.
هذه المرأة التي تقع تماما بين المرأتين، وكل ما تأمله هو أن تكون هي وحسب، وألا تكون رهن إملاءات الآخر المُتعجرف، هي في حقيقة الأمر المرأة الأكثر نبذا من دواعش التزمت من جهة، ومن دواعش الحرية والانفتاح من جهة أخرى. وكما يبدو فإن وجه الشبه بين الداعشي المُتعصب، والداعشي المتزمت للانفتاح والحرية، أنّ أحدهما لا يتمكن أبدا من أن ينظر للمرأة إلا من خلال كونها «أداة متعة» لا غير. كما أنّ أحدهما لا يستطيع أن يحترم خيار المرأة… سواء اختارت أن تكون مُحجبة أو سافرة، فلكل واحد منهما مقترحه الخاص الذي ينطلق من «أدلجة» وخلفيات ومرجعيات معينة، وعلى المرأة أن تستجيب لأحدهما، وإلا أصبحت مُعلقة في الهواء. لكن بأي حال من الأحوال، لا يمكن أيضا أن ننفي وجود الرجل الثالث، الرجل الذي يُؤمن بإمكانيات المرأة، وحقها بفسحة القرار من دون وصاية، والتنفس بعيدا عن التدخلات الفجة والقاتلة، ولكنه بالمجمل يبقى عملة نادرة.
يظن كلا الخطابين أنهما يُمارسان الرأفة بالمرأة ويُقدمان لها الحماية من الامتهان، بينما كلاهما يُعيدانها آلاف الأميال إلى الوراء، لأنهما يسلبان من المرأة القدرة على الاختيار.
وأتعجب حقا… لماذا يُعين هؤلاء أنفسهم أوصياء على المرأة، وكأنّها لا تعرف ماذا تريد ولا تعرف كيف تعيش من دون أن يكون الرجل «بوصلتها» الوحيدة في الحياة والآخرة!

كاتبة من عُمان

هدى حمد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية