إنه ليس الاقتصاد يا غبي. بل الشعور بفقدان الهوية والانفصال عن القيم القومية في وجه عالم متعدد بدون هوية. ولا يعطي شعور الوجود في البيت والقيمة لكثير من الأمريكيين. وبين انتخاب ترامب وانتخاب نتنياهو المفاجيء، ويمكن أنه في المستقبل القريب سيتم انتخاب قادة آخرين من اليمين في اوروبا، هناك خط مستقيم واحد. إنه خط العودة إلى القومية. القومية المسؤولة يمكنها أن تكون محركا ايجابيا لخلق الاستقرار السياسي والدولي. والقومية غير المسؤولة قد تنتقل بسرعة إلى القومية المتطرفة. لذلك فإن الليبراليين البارزين ايضا في إسرائيل والعالم يجب عليهم التجند لمهمة تطوير الحوار القومي المسؤول وغير الانفعالي.
إن انتصار دونالد ترامب المفاجيء في الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة انضم اليه النجاح التاريخي («ذروة 100 سنة») للحزب الجمهوري في المجلسين وفي الولايات. هذه الانجازات الدراماتيكية تكشف عن قوة التيارات العميقة للقومية التي اجتاحت أمريكا انتخابيا. صحيح أن القومية الأمريكية تختلف عن القومية الاوروبية والإسرائيلية لأنها أقيمت على رموز مدنية مشتركة أكثر من العناصر القومية الكلاسيكية مثل الهوية العرقية أو التاريخ المشترك. ولكن هناك قاسم مشترك واضح بينها وبين القومية الاوروبية والإسرائيلية: إنها تملأ الحاجة الإنسانية الاساسية، وهي الانتماء والهوية المتميزة.
الرئيس براك اوباما كان ليبراليا واضحا. وثماني سنوات من حكمه كانت جزءا من الروح الليبرالية التي سيطرت لسنوات طويلة على الساحة العامة في الولايات المتحدة. الأجندة الليبرالية تقدمت بشكل كثيف، وخصوصا في وسائل الإعلام والاكاديميا وفي ساحات اخرى ايضا. ومن لم يستقم معها تعرض إلى الانتقاد. تعبيرات القومية الأمريكية والاجندة المحافظة أكثر قوبلت بالاستخفاف. فكل من انحرف عن الخط المقبول سياسيا تم اخراجه إلى خارج السور.
هكذا نشأت الفجوة التي ازدادت بين الليبراليين والمحافظين. فقد كان الليبراليون منشغلون بتشرب نموذج التعددية المنفتح والاستيعابي في الولايات المتحدة، والمستعد لتبني هويات عالمية على حساب القيم القومية. كثير من المواطنين المحافظين المعتدلين والمتطرفين شعروا أن الهوية الأمريكية تتآكل، وأنهم غرباء في البيت.
إن فوز ترامب في الانتخابات هو رد الفعل على ذلك، وتعبير واضح على رغبة الكثير من الأمريكيين بالهوية القومية الواضحة. وقد منحهم ترامب ذلك. وانتخابه يعيد القومية الأمريكية إلى مركز المنصة. وخلال جلوسها في البيت الابيض، لن تستطيع الجوقة الليبرالية التقليل من حجمها بالكلام الفارغ بأنها غير شرعية. شيء مشابه وجد تعبيره في خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي. ذلك القرار المفاجيء كانت له اسباب مختلفة، لكن أهمها كان الرغبة في الحفاظ على القومية البريطانية من الاندماج في اوروبا وفقدان الهوية. دعوات مؤيدو الانفصال عن الاتحاد ركزت على البُعد القومي، وتحدثت عن اعادة بريطانيا للبريطانيين. بمعان كثيرة كان ذلك ايضا تصويت احتجاجي ضد الليبراليين وسنوات من السياسة الاستيعابية متعددة الثقافات. وعبر ايضا عن الرغبة في ايجاد الهوية القومية الواضحة.
في إسرائيل، القومية هي لاعب بارز في الساحة العامة. فمعظم الليبراليين الإسرائيليين يعتبرون أنها حجر أساس في وجود الدولة. ولكن هنا ايضا نشأ في وسائل الإعلام واليسار جانب ليبرالي حقيقي حاول تحجيم القومية الإسرائيلية. وجاء الرد في الانجاز غير المتوقع لنتنياهو في الانتخابات الاخيرة. إن انفصال بريطانيا وانتخاب ترامب يعطيان دفعة حقيقية لليمين في اوروبا ولعودة القومية ايضا في دول اوروبية اعتبرت القومية فيها حتى الآونة الاخيرة من بقايا سنوات القرن العشرين البعيدة.
وكما تبدو الامور الآن، فإن القومية تعود وبقوة. إنها هنا في الغرب وفي إسرائيل من اجل أن تبقى وتؤثر. وبعد عقود، يبدو أن الصراع الليبرالي الثقافي ضد القومية قد فشل، وهي ترفع رأسها. في ظل هذا الوضع يوجد لليبراليين دور حاسم، صحيح أنه يمكن التحصن في الجامعات وفي وسائل الإعلام وطأطأة الرأس والشكوى وانتظار عبور موجة الغضب، لكن ذلك رد غير مسؤول. لأن للقومية وجوها أخرى أصعب ـ مثل القومية المتطرفة. في الوقت الذي قد تكون فيه القومية المعتدلة عاملا موازنا داخل الدولة والمجتمع الدولي، فإن القومية المتطرفة قد تكون حيوانا مفترسا. والانتقال من القومية إلى القومية المتطرفة هو خطر يجثم على كل دولة، ويزداد في ظل الوضع الراهن. لذلك يجب على كل من يخيفه هذا الخطر أن يعمل وأن لا ينغلق. ومن يقلق مما يحدث خارج مكتبه أو جامعته يجب عليه الانضمام للجهد الوجودي وتبني القومية المعتدلة التي توجد فيها مركبات قومية، اضافة إلى المركبات التعددية، التي فيها كوابح وتحفظات تمنع تدهورها إلى القومية المتطرفة.
ومن اجل ذلك لا حاجة إلى التنازل عن الطموح لأوقات أخرى، لكن هناك حاجة إلى النظر إلى الواقع الثابت، وفهم أن تطوير القومية المسؤولة هو حاجة حيوية في إسرائيل وفي كثير من الدول الاخرى ايضا.
هآرتس 22/11/2016