حلب سقطت استمرارا لمعركة مخطط لها عن طريق الحصار والتجويع الممنهج والقتل المتعمد للسكان وبالمساعدة الروسية الواضحة. هذه هي روسيا التي تبذل إسرائيل كل الجهود من اجل التقرب منها في السنة ونصف السنة الماضية، لكن كل المجتمع الدولي الذي يتحمل المسؤولية يساهم في المجزرة. سوريا وليس الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، هي التي تعبر عن الفشل الذريع لاوباما في السياسة الخارجية.
لقد استكمل نظام الأسد أمس انجازه العسكري الكبير في حربه ضد المتمردين في سوريا. اعادة احتلال شرق حلب بعد اربع سنوات من القتال المتواصل في المدينة. الديكتاتور السوري ركز في الاشهر الاخيرة جهوده في المدينة الشمالية، التي تنهار تحت الضغط الكبير الذي يستخدم ضدها. ومنذ أول أمس تصل التقارير الكثيرة حول الاعمال الفظيعة في الشوارع، حيث أن القوات المقربة من النظام (منها رجال حزب الله) يقومون باعدام المدنيين والاطفال ورجال الطواقم الطبية في الأحياء التي سيطروا عليها. ويمكن القول إن هذه الاعمال ستزداد في الايام والاسابيع القادمة.
الأمر الذي بدأ بالقاء براميل الوقود، التي وضعت فيها المتفجرات ايضا، على الأحياء في حلب بواسطة الطائرات القديمة لسلاح الجو السوري، تم استكماله بالقاء قنابل أكثر دقة من الطائرات الحربية الروسية. ولكن الاستراتيجية والوسائل الفظة متشابهة. ولم تتردد موسكو ايضا في استهداف المدنيين بشكل متعمد. وحسب منظمات حقوق الانسان وحكومات غربية فقد استهدفت العيادات والمستشفيات والمدارس والطوابير قرب المخابز ايضا.
حلب لم تكن لتسقط لولا مساعدة روسيا الكبيرة. فالتدخل العسكري الروسي الذي بدأ في ايلول 2015 تسبب باستقرار خطوط دفاع النظام السوري وسمح للأسد فيما بعد باعادة سيطرته على مناطق كان فقدها. وفي حلب يقوم بتسجيل انجازه الاكبر، لكن يحتمل أن يتم توجيه التحالف الروسي ـ الإيراني ـ السوري نحو مدينة ادلب في غرب حلب. السيطرة الكاملة على المدينة ستسمح بابعاد التهديد المتواصل على المناطق العلوية في غرب الدولة، التي هي مهمة بشكل خاص بالنسبة للنظام وللراعي الروسي الذي انشأ فيها ميناء بحريا وموقعا لسلاح الجو.
إن هذه روسيا التي تبذل إسرائيل الجهود للتقرب منها. وتشمل هذه الجهود اربعة لقاءات بين رئيس الحكومة نتنياهو والرئيس بوتين. إسرائيل غير مسؤولة بالطبع عن المجزرة الفظيعة في حلب. وباستثناء عضويتها في المجتمع الدولي، حيث عبرت عن قلة حيلتها على خلفية القصف البشع، فإن نتنياهو يلعب بالأوراق التي لديه، ويبدو أنه يفعل ذلك بشكل جيد حتى الآن. فقد نجحت إسرائيل في الامتناع عن الانجرار إلى داخل الحرب الاهلية السورية، وعملت إلى حد كبير من اجل فرض الخطوط الحمراء التي وضعتها (الرد الفوري على أي اطلاق نار عليها والعمل على منع تهريب السلاح الكيميائي والسلاح المتقدم من سوريا إلى حزب الله في لبنان). وفي نفس الوقت امتنعت عن التورط في المواجهات الجوية مع روسيا في السماء السورية.
إن المجتمع الدولي كله يتحمل مسؤولية المجزرة في حلب، وجرائم النظام. وحسب منظمات حقوق الانسان فإن نظام الأسد وحلفاءه مسؤولون عن قتل 90 في المئة من المدنيين الذين قتلوا في الحرب السورية التي بدأت في آذار 2011. إن سوريا، وليس عدم القدرة على حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، هي التي تعكس الفشل الذريع لرئيس الولايات المتحدة براك اوباما في السياسة الخارجية.
حلب هي رقم قياسي آخر، لكنه ليس الاخير في اعمال التطهير العرقي المتواصل. ففي رواندا في العام 1994 اثناء ولاية كلينتون قتل عدد أكبر من الاشخاص، لكن ذلك حدث في فترة زمنية قصيرة نسبيا، وفي العالم الذي لم يكن فيه المواطنون يقومون بتوثيق القصف من داخل المدينة المحاصرة، بواسطة الفيس بوك وتويتر.
تصادم القوى العظمى
جارات سوريا ومنها الاردن ولبنان وإسرائيل تتابع بقلق تأثير انتصار الأسد في حلب. فالأردن يخشى من موجات اللاجئين من حلب نحو الجنوب الذين يحتمل أن يكون في داخلهم مقاتلون من منظمات المتمردين المتطرفين. وفي لبنان يقلقون من مشاعر الانتصار المتزايدة لحزب الله وامكانية ترجمة ذلك إلى احداث عنف داخلية في لبنان، بعد أن سجلت المنظمة الشيعية انجازا في تعيين الرئيس الذي هو شريك سياسي لها.
إسرائيل تركز الاهتمام على الحدود في هضبة الجولان وامكانية أن يبادر نظام الأسد إلى طرد المتمردين الذين يسيطرون على طول الحدود. وخطوة كهذه قد تسمح بتواجد حزب الله وحرس الثورة الإيراني والمليشيات المحلية التي تعمل قرب الحدود ـ هذا تهديد واضح بالنسبة لإسرائيل. ويمكن القول إن الحفاظ على المصالح الإسرائيلية في هضبة الجولان سيكون أحد الامور الاولى التي ستطرح في لقاء نتنياهو ـ ترامب فور دخوله إلى البيت الابيض.
ولكن اللعبة الاساسية في سوريا تتعلق بالتجاذب بين القوى العظمى. فالرئيس المنتخب في الولايات المتحدة دونالد ترامب لم يوضح بعد موقفه بالنسبة لسوريا، والتقديرات السائدة حسب تصريحاته اثناء حملته الانتخابية تبين أنه سيمتنع عن توسيع التدخل العسكري الأمريكي هناك، وسيكون أقل معارضة من ادارة اوباما لخطوات بوتين.
نظام الأسد يقول إنه يريد ويستطيع الاستمرار والتقدم واستكمال «تحرير» كل سوريا من أيدي المتمردين. ويبدو أن روسيا تشك في ذلك، لا سيما بسبب الثمن الذي قد يكون لهذه الخطوة الطموحة ـ الأسد لا يمكنه أن يتحرك بدون مساعدة روسيا وإيران. وفي جميع الحالات، مشكوك فيه أن تتدخل الولايات المتحدة لمنع الخطوات العسكرية القادمة للنظام ومؤيديه.
دونالد ترامب يركز أكثر من اوباما خطاباته على الحاجة إلى القضاء على داعش، الامر الذي يبرر التعاون مع روسيا. في هذه الساحة، نجاح التحالف الدولي برئاسة الولايات المتحدة، محدود. والمعركة على الموصل في العراق تواجه الكثير من الصعوبات. وهناك تقارير تفيد بأن الجيش العراقي الذي يعمل في ظل المساعدة والارشاد الأمريكيين يتعرض لخسائر كبيرة وهو لا ينجح في التغلب على مقاومة داعش. والمعركة العسكرية في مدينة الرقة في شمال شرق سوريا، التي تم اعلانها كعاصمة لخلافة داعش، تتأخر.
قبل بضعة اشهر كانت التقديرات تفيد بأن احتلال الرقة سيتم حتى نهاية هذه السنة. ولكن العملية البرية هناك قد تؤجل لفترة طويلة. ويحتمل أن يسبق التحالف الروسي الإيراني الأمريكيين في هذه المعركة.
عاموس هرئيل
هآرتس 14/12/2016
صحف عبرية