فوكو ورزمة الأعشاب الجافة

حجم الخط
1

حين توفي في العام 1984 بمرض نقص المناعة، كان ميشيل فوكو في السابعة والخمسين، وكان المثقّف العامّ الأكثر شهرة في أوروبا، مثلما كان معروفاً تماماً على نطاق واسع في العالم. لقد عمل أستاذاً للفلسفة متجوّلاً في أماكن مثل تونس، وارسو، وأوبسالا حتى العام 1970، حين فاز بأحد كراسي التدريس في الـ «كوليج دو فرانس»، وهي موقع التدريس الأعلى صيتاً ونخبوية في فرنسا. ورغم أنّ الكلية تخلو من الطلاب المسجّلين الباحثين عن شهادات، فإنّ أساتذتها الخمسين يلقون محاضرات في وسع مَن يشاء الاستماع إليها، دون طرح أسئلة أو خوض مناقشة. كان كتابه الأوّل «الجنون والحضارة» لم يُترجم بعد إلى الإنكليزية في نصّه الكامل (وهناك ترجمة مختصرة)، ومع ذلك فقد تمتّع فوكو بجمهور شديد الانتباه في الأوساط الأكاديمية الأمريكية، وكانت كتبه العديدة المتعاقبة تشكّل بالنسبة إلى هؤلاء مصدراً ذا أهمية تاريخية ونظرية هائلة.
وفي كُتب مثل «نظام الأشياء»، «أركيولوجيا المعرفة»، «الانضباط والعقاب»، و»تاريخ الحياة الجنسية»، فضلاً عن بضعة مجلدات من المقالات والحوارات، قدّم فوكو آراء جذّابة وجدّ جديدة حول مسائل مثل تاريخ أنظمة الفكر، انتهاك القانون، الانضباط والحَجْر، فضلاً عن رفد التاريخ والفلسفة والنقد الأدبي بمصطلحات مثل الخطاب والقَوْل، والمجال المعرفي Episteme، والنَسابَة Genealogie، والحفريات Archéologie، والتي كان كلّ منهــا يزخر بالتــعــقيد والتـــناقض بحيث أنّ قلّة قليـلة فقط من مقلّديه وتلامذته أفلحوا في استيعابها أو فهمها على نحو تامّ.
وأعتقد أنّ من الصحيح القول إنّ أعمال فوكو لا تترك أيّ قارئ إلا وتؤثّر فيه أو تبدّله، وذلك لسببين. الأوّل هو أنّ كلّ كتاب، كما قال فوكو نفسه، كان بالنسبة إليه تجربة في الانغماس وسجن الذات داخل «تجارب محدودة» مثل الجنون والموت والجريمة، وكذلك بَذْل محاولة عقلانية لفهم «هذا التوريط للنفس» في تلك المواقف الصعبة. السبب الثاني أنّ أعماله كُتبت «في سلاسل: الأوّل يترك مشكلات مفتوحة يعتمد عليها الكتاب الثاني، الذي يستدعي بدوره كتاباً ثالثاً… بحيث كانت كلها متشابكة ومتقاطعة». وحتّى أولئك القرّاء الذين خلّف في نفوسهم درجة من النفور، بلغت حدّ الاشمئزاز، كانوا يشعرون أنّ إلحاح حجّته ظلّ شديداً إلى حدّ تَرْك انطباع دائم، في مختلف الأحوال.
وإذا كان من المبكّر تماماً القول إنّ فوكو كان شخصية راديكالية وقويّة مثل شخصية نيتشه، فإنّ الفيلسوف الألماني الثوري كان الكاتب الأقرب إليه. وطوال معظم سنوات حياته درس فوكو أعمال نيتشه وعلّق عليها وفسّرها بروح من القرب النادر. وكتاب «السلطة» يحتوي على مقالة طويلة بعنوان «الحقيقة والأشكال القضائية»، يأخذ أفضلُ أقسامها صيغة تأمّل رفيع حول فكر نيتشه.
وبالنسبة إلى القارئ غير المدرّب تحتاج الملاحظات التمهيدية ذاتها، رغم فائدتها، إلى فكّ شيفراتها لأنها إنما تراهن على تآلف القارئ مع مجمل عالم البحث الفلسفي الذي ورثه وتبنّاه فوكو. خذوا مصطلح «الذات» مثلاً. كانت الفلسفة الأوروبية الكلاسيكية من كانط إلى ديكارت قد افترضت أنّ الأنا الثابتة والمستقلّة (كما في «أنا أفكّر، إذن أنا موجود») هي على التوالي مصدر وأساس كلّ معرفة. وعمل فوكو لا يدحض هذا فحسب، بل يبيّن أيضاً كيف أنّ الذات إنشاءٌ تجمّعَ بأناة على مرّ الزمان، وأنها قابلة لأن تكون ظاهرة تاريخية عابرة تُستبدل في العصور الحديثة بقوى لا شخصية عابرة للتاريخ، مثل رأسمال ماركس أو لا وعي فرويد أو إرادة نيتشة. وكلّ هذه القوى الإيضاحية يمكن أن تتكشّف عن وجود «نسابة» تقدّم تواريخُ فوكو حفرياتها العديدة.
ودراسات فوكو تزوّدنا بالدليل على هذا التفكيك، بالإضافة إلى تبيان الكيفية التي جعلت مؤسسات اجتماعية جبّارة متنوّعة، مثل الكنيسة والصحّة العامّة والمِهَن الطبية والقانون والشرطة، فضلاً عن سيرورات التعلّم ذاتها، تبني وتدير السلطة التي تحكم الدولة الغربية الحديثة. وما يهمّ بالنسبة إليه ليس الفرد الكاتب أو الفيلسوف، بل النشاط اللاشخصي المتواصل الذي يسمّيه الخطاب، بقواعد تشكّله وإمكان حدوثه. تلك القواعد تعني أنّه يتعيّن على مستخدِمي الخطاب حيازة مؤهلات أكاديمية ـ فضلاً عن معرفة تقنية متخصصة- لا يستطيع كائناً من كان امتلاكها أو توفيرها.
وهكذا، وفي سبيل الإسهام في الخطاب الطبّي مطلع القرن الثامن عشر، توجّب على المرء أن يفكّر بمصطلحات محدّدة للغاية، أو محدودة، لكي يكون قادراً على تشكيل أقوال مطابقة للخطوط الموصوفة مسبقاً، بدلاً من حرّية إبداء ملاحظات مباشرة وفورية تتطابق مع مرض المريض الفعلي. وفكرة فوكو الهامة هي أنّ «الصحة» و»المرض» ليسا ضمن الحالات الثابتة، وليسا ضمن مسائل الحقيقة والواقع، بل هما تُشكَّلان دائماً من ملاءمة نمط «التحديقة» الطبية التي يملكها الطبيب، سواء أكانت تشخيصية، عـقابية، متعلّقة بالعناية الإلهية، أم إحسانية.
الحقيقة ليست مطلقاً ثابتاً، يقول فوكو باستفزاز، بل هي أثر من آثار الخطاب العلمي الذي يقيم تمييزاً تشغيلياً بين الحقيقة والزيف. وكلّ هذا يعتمد على كيفية تمكّن الشبكات المكوَّنة اجتماعياً، مثل المستشفيات والمستوصفات والمخابر والمدارس الطبية والإدارات الحكومية، من القيام بوظائفها معاً وفي مختلف المراحل التاريخية، التي يجهد عمل فوكو من أجل إماطة اللثام عنها، مرحلة مرحلة، وخطوة خطوة. والنتيجة الصافية ليست أقلّ من تاريخ للحقيقة وقد نُظر إليه كفنّ في الحكم في نهاية المطاف.
وترد إلى الذهن مشكلات ومسائل عديدة عند قراءة فوكو، غير أنّ شيئاً واحداً لا يرقى إليه الشكّ أبداً: لقد كان باحثاً مذهلاً، ورجلاً تقوده «المعرفة التي لا تكلّ» كما أسماها بنفسه. ولعلّ أكثر مقاطع مجلّد «السلطة» إدهاشاً ذاك الذي يحمل عنوان «حيوات رجال شائني السمعة»، وهو مقدّمة قصيرة كتبها فوكو خصيصاً من أجل مجموعة من سجلات الحبس في القرن الثامن عشر (هي قيود أقسام الشرطة على الأرجح)، حول رجال ونساء أُدينوا بجرائم مروّعة، مثل قتل الأطفال وأكل لحم البشر، والسفاح، وتقطيع الأوصال وما أشبه. وهذه السِيَر المصغّرة، يقول فوكو، هي «حيوات مفردة، تحوّلت إلى قصائد غريبة بمشيئة أقدار لا يعلم أحد كيف وقعت، هي ما قرّرتُ أن أجمعه على نحو أشبه بجمع رزمة من الأعشاب الجافة». في عبارة أخرى، هذه دُرَر نبشها بنفسه من سقط متاع المكتبات. وهؤلاء البشر، الذين لم يكونوا مجهولي الهوية تماماً، «تمكّنوا من ترك آثار ــ وجيزة، واضحة المعالم، ومُلّغَزة غالباً ــ وذلك عند نقطة احتكاكهم الفوري بالسلطة». وهو تداخل أنتج «مزيجاً من العناد الأسود والنذالة… حيوات يشعر المرء بتيهها وطاقتها المتّقدة طيّ الكلمات الناعمة مثل حجر أملس». وكما يكشف فوكو عن نزعة أدبية رفيعة، مستجيباً على نحو لامع لحيواتهم المرعبة نصف السرّية، كذلك فإنّ هذا الحضور القاتم على هوامش المجتمع يبدو مهدِّداً وأخاذاً في آن معاً.

«نيويورك تايمز» ـ ملحق الكتب، 17/12/2000. ترجمة التحرير

 الاستشراق: خطاب وهيمنة
 
لا يختلف دارسو الناقد والمفكّر والمنظّر الفلسطيني ـ الأمريكي (1935 ـ 2003) حول تأثره العميق بفكر الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (1926 ـ 1984)؛ خاصة في إقامة الروابط، التي لم تكن جلية تماماً، بين المعرفة والسلطة، في نقد مؤسسة الاستشراق، من جهة؛ وتبيان العلاقة الوثيقة بين الثقافة، وكلّ من المشروع الاستعماري والإمبريالية، من جهة ثانية.
ورغم أن فوكو لزم الصمت حيال مسائل الهيمنة الإمبريالية، فإن عمله ظلّ محورياً في التأسيس المنهجي لمعظم تيارات الخطاب ما بعد الاستعماري، التي كان سعيد أحد كبار منظّريها، بسبب استعارة مفاهيمه في تحليل سيرورات تشكيل الخطابات أثناء ممارسة السلطة الإمبريالية. و»الاستشراق»، عمل سعيد الرائد الذي صدر عام 1978، كان الإسهام التأسيسي الفوكوي الأوّل، الذي تحدّى خطوط تجميد «الشرق» في «آخَر» لازمني، سرمدي، مُتخيّل، وجامد خارج التاريخ استطراداً.
وضمن قراءات سعيد الأولى، منذ سنة 1957 حين حصل على الإجازة من جامعة برنستون، ثمّ الماجستير سنة 1960، والتحق بعدئذ بجامعة هارفارد لدراسة الدكتوراه؛ كان للفرنسيين موريس ميرلو ـ بونتي ولوسيان غولدمان وكلود ليفي ـ ستروس ورولان بارت، فضلاً عن فوكو نفسه، حصّة وافرة في تكوّنه المعرفي. وبعد عقود، حين سيطلق سلسلة مصطلحاته الشخصية (من «النقد العلماني» و»النظرية المترحلة»، إلى «النقد الديمقراطي» و»القراءة الطباقية»)؛ ظلّ فكر فوكو حاضراً، وبقوّة، في العدّة المنهجية التي وظّفها سعيد في ممارسة النقد الأدبي، والموسيقي، والدراسات الثقافية.
ولعلّ أبرز تأثيرات فوكو كانت مساجلة سعيد بأنّ الاستشراق خطاب متكامل، وليس مجرّد فكرة؛ وأنّ كلّ ما ينتجه من معرفة مقترن بسياقات انعدام التكافؤ بين قوّة مهيمنة وأخرى يجري إخضاعها. والأرجح أنّ فوكو، نفسه، لم يكن ينتظر مثل هذا التوظيف المعمّق اللامع، من فلسطيني… ما وراء المحيط الأطلسي!
 

إدوارد سعيد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية