في ما يلي صدمة الحرب الأولى

حجم الخط
0

وجدَت سلمى أن «أوراق نسيم»، التي خطّت عليها رواية لن تختتم، تحكي سيرة حياتها هي. وهذا ما كانت بدأت به أولا، وقد كتبت صفحات كانت بمثابة مقدمات لرواية. لكنها لم تلبث أن وجدت، مع تلك الأوراق أن نسيم، «ألرجل الوسيم صاحب العظام البارزة»، يقتفي أثر عيشها خطوة خطوة، ناسخا عنها كل تلك التفاصيل، بل إنها ربما وجدت أن رواية حياتها، هناك في أوراقه، هي أكثر صوابا وحقيقية مما تكتبه هي.
فهنا، في أوراقه، تتتابع الفصول واضحة متسلسلة ولا يعكّرها التأمّل ومحاورة الذات. كأن الماضي يستعاد فيها على النحو الذي جرى فيه الماضي: المنزل، الأب، الأم، الجدان والجدتان، وكذلك الأقارب المذكورة أسماؤهم والموصوفة طباعهم وعلاقاتهم بعضهم مع بعض. إنها رواية ثانية، رواية ذات طابع سِيَري تبدأ في الصفحة 25 من الكتاب*، بعد أن كانت قد تركّزت وتأسّست مقدمات الرواية الأولى.
إنهما روايتان تتعاقبان فصلا من هذه وفصلا من تلك. لكنهما متشابهتان حيث لا يخفى أن بطلتهما واحدة، حتى أن سليمى، كاتبة الجزء الأول من السيرة، تتساءل إن كان نسيم يعمد إلى أن يسرق حياتها عبر كتابتها. كل شيء متشابه، بل مشترك، في الشخصية التي هنا والشخصية التي هناك، أو فلنقل إن الاختلاف بينهما، إن وُجد، فإنما ليدلّ على تماهيهما، مثلما يدلّ الاختلاف بين إسميهما، سلمى وسليمى. أما حدود التماهي فلا تتوقف عند حدّ تساؤل ثانيتهما، في الصفحات الأخيرة من الكتاب: «هل كان ذلك حلمي أم حلم سلمى».
هما إذن سيرتان لحياة واحدة، تقتسمان تلك الحياة أو تتلقّيانها بما يجعل التمييز بينهما عسيرا في أحيان، فيتساءل قارئ الكتاب إن كان ما يقرأه الآن يختصّ بهذه السيرة أو بتلك. أما تذكّره لما كان قرأه بين هنا وهناك عن ماضي كل من الشخصيتين فمختلط في ذهنه. لكنه، هو القارئ، يروح يقبل بجمع الماضيين في ماض واحد. ولن يحدث ذلك فرقا طالما أن الرواية قلما تعتمد على انتظار ما سيحدث لاحقا. لسنا في رواية مشوّقة، فمبكرا نعرف أن الحدث الواحد، والقليل الحدثيّة على أي حال، سيستعاد مرّات بعد أن تكرّر مرّات. شيء يشبه رسم دوائر حول دائرة أولى، ليبقى الإطار الذي يتحرّك فيه الجميع ثابتا كما تم رسمه في البداية.
لكن حركة هذه الدوائر المستعادة تذهب عمقا كاشفة طبقة بعد طبقة ذلك الوجود حبيس مجاله الضيّق، حتى حدود الجلد الذي يغلّف الجسم. الصفحة الأولى من الرواية تبدأ في عيادة الطبيب النفسي، حيث هناك تلتقي سليمى بنسيم، كاتب سيرتها الثانية. كلاهما يحتاجان إلى من يساعدهما على التخلّص من خوفه، أو على خوفه من خوفه، وحاجتهما إلى الطبيب لا تقتصر على لقائه المبرمج، فهو حاضر في حياتيهما على الدوام، واحد من شخصيات ثلاث في الرواية، حيث الشخصيتان الأخريان هما سليمى ونسيم. هم ثلاثة فقط، أما الآخرون فمقتصر وجودهم على ما سبق أن حصل في الماضي. حتى الأب، الحاضر كثيرا في التذكّر لا يعدو كونه واحدا من مكوّنات الوعي المتأزم في الحاضر، حتى الأم، الحاضرة ما تزال، لكنه الحضور القليل الباقي أكثره من ذلك الزمن الذي سبق.
ثلاثة أشخاص فقط في زمن الرواية الحاضر، وباستثناء ما يجري في رأس سليمى عن الآخرين، كميل ونسيم، يبدو وجودهما قليلا إلى حدّ أن أولهما أقرب إلى طيف متخيّل وثانيهما أقرب إلى حبيب متخيّل. فبين رؤية سليمى لهذا الأخير وإعجابها به فقد جرى تغييبه عن السرد الروائي، فلم نقرأ عن أي من اللقاءات أو الحوارات التي توصل اثنين إلى علاقة. سريعا ما تحوّل نسيم إلى شخص يُناجى في غيابه، أما كميل فلم يتقدم خطوة عما كانه في حضوره الأوّل.
ذاك لأن كل شيء متجمّع حول شخص سليمى، التي تذهب الرواية إلى وصف أقصى تفاصيلها وأدقّها. نقرأ ذلك في إطار تداعٍ مشترك بين الوعي واللاوعي لا ينتهي. فها هي تصف مراقبتها لنفسها، في ما يبدو أنه واحد من مآلاتها الأخيرة، في صفحات ما قبل الخاتمة: «منذ اللحظة التي أفتح فيها عينيّ صباحا، أبدأ بعدّ أنفاسي، ومراقبة الشهيق والزفير، وملامسة العرق المتسرّب من مساماتي، وتفحّص برودته لأميّز بين الهلع والجلطة القلبية. أستشعر داخلي كأنه الخارج (..) أحسّ بأضعف حركة في داخلي، فأتأهب (..) أحوّل التنفّس من فعل لا إرادي إلى فعل إرادي، أتفرّج عليه وأنظمه وفقا لحالتي النفسية».
هذا مع أن الأب والأم والأقرباء المتعدّدون حتى الحرص على عدم إغفال أيّ منهم، كثيرو الحضور في الرواية، أقصد في مجراها الاستنباطي والتذكّري. وهم يبقون كما هم في تذكّر سليمى لهم، أقصد أنهم باقون في سمتهم الأول، لم يغيّرهم كبرها ومغادرتها لطفولتها بينهم.
الماضي حاضر كمثل ما هو الحاضر نفسه، على الرغم من أن تغيّرات هائلة حصلت منذ أربع سنوات ونصف السنة، بحسب ما يرد في الرواية. هناك كثيرون ماتوا أو اختفوا أو هجروا، وهناك أسباب كثيرة للخوف، كما للخوف من الخوف. كأن العائلات امتصت بعاديّتها ما فعلت الحرب بها، فبات من ماتوا فيها أو من فقدوا أو أُبعدوا حكايات من إرث عائلي حميم. لقد جرى ردّ الحرب في الرواية إلى موضعية أثرها على العائلات والأفراد، كأنها، رغم فظاعتها، باتت من الأسرار التي تنطوي عليها العائلات. لا أقصد تلك المقاطع التي تتناول التمييز بين تلميذات المدرسة تبعا لكون أهل بعضهن من المتنفذّين، أو ما يحظى به الضباط من سكن متميز خاص، فهذه المباشرة تنتمي إلى التعبير الأولي، البكر، عن الحرب. ما نقرأه هنا هو بلوغ الحرب ذلك العمق من الوعي المرَضي. وهنا يصير كل ما يجري في الرأس مخيفا ومرعبا بالدرجة ذاتها.
*»الخائفون» رواية ديمة ونوس صدرت عن دار الآداب في 176 صفحة، 2017.

٭ روائي لبناني

 في ما يلي صدمة الحرب الأولى

حسن داوود

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية