قاسم حداد: «أيها الفحم يا سيدي»

حجم الخط
0

 

العنوان الفرعي لهذا العمل هو «دفاتر فنسنت فان غوخ»، وقد أنجزه الشاعر البحريني قاسم حداد أثناء استضافة في الإقامة الخاصة بـ»أكاديمية العزلة»، في غابات الهضبة المطلة على شتوتغارت، شتاء 2012. وقد صدرت الطبعة الأولى من الكتاب عن دار «مسعى» في المنامة، سنة 2015، وهذه هي الطبعة المصرية. والعمل فريد في نوعه ومادته، من حيث أنه امتزاج كثيف لسلسلة رؤى وتأملات ومقاربات شعرية/ تشكيلية، تصدر عن شاعر عربي ابن بحر ولؤلؤ وخلجان، إزاء فنان تشكيلي أوروبي سليل سهوب وحقول ومطاحن. والحصيلة لا تعرّف القارئ على معظم أعمال فان غوخ الأشهر، وبعض محطات حياته التراجيدية، فحسب؛ بل تقترح أيضاً قراءات لها استبطانية وطليقة، تحفر عميقاً في روحية العمل ومناخات إنتاجه، أو تتقرى بالأحرى عذابات الفنان إذْ يبدع في ذروة ذلك الخليط من العطاء والمعاناة.
هنا فصل بعنوان «روحُ الأعالي وجسدُ الوهدة»:
«لستُ واعظاً. وضعتُ فلذات روحي بين يديّ الناس. شعورٌ يفيض بالعجز عن التأويل بفضل الفنون وشهوات المنح. ولم يكن كل ذلك كافياً ولا جديراً، قلتُ، شهوة الروح تستجيبُ لصدق الكلام. قلتُ، أذهبُ مأخوذاً بفعل التصعيد وانهاض النائم في الشخص. قلتُ، أمشي إليه مثل ممتلكات الحلم المنهوبة، مكنونه أغنى ومكبوته أجدى.
لا يصحُّ له الوهم، روحه في المهد وجسده في الوهد. الوعظ كلامٌ من خارجٍ، والدين أن تمسَّ الشغافَ وتجسّ الجسد. أكتشفُ أنصافَ الحقائق وأشباهها، نصوصٌ مشحونة بالمعانقات وذعر الفرائص. أقول لهم عن الله فيسألون. أرتِّل النشيد فيغنُّون. ذلك ما يستحوذ على اللبّ والأقاصي. النصوص جناحُ الإياب والسفر. لكأنّ التجربة كفيلة بنقلي إلى الضفة الأخرى من الرؤية، أول القناعة في أسئلة التجربة. كلما صليتُ انتابتني المخاوف، فقعدتُ عنهم. ليصرخ بي أبي: منذ عدتَ إلى البيت لم تحضر إلى صلاة. لم أذهب الى كنيسة بعد الوظيفة. خرجتُ من التجربة بمعادلة النظر إلى الله، كروح واحدة وحقيقة لا تحصى، طريقاً لتعديل الجرح في النزيف.
درسُ الحياة أكثر صرامةً من رجفة النفس المضطربة. الأناجيل كفَّتْ عن الحياة. دينهم واقفٌ في الكتاب ومذاهبهم شتى. النص في الشخص أغنى وأجرأ. في اللاهوت توصلتُ الى غير تلك الدروس. سعيٌ هاطلٌ لتصعيد المحبة ليرأف الإنسان بنفسه، لينقذها، ليكتشف أنه مَلِكُ نفسِه وحاكمها. هو، هو لا أحدَ غيره، قادرٌ على صنع العالم كله، فليصنعه بالحب. جوهر الدين والفنون. جناحان من النور والجمال، يعينان في الهاوية ويسعفان في العسف. ليس بوصفهما إيمانات حاكمة، لكن باعتبارهما مصادرَ كونية. حملتُ الأناجيل أينما ذهبتُ، نهلتُ من أنهارها. سَكبتُ في الرسائل، وضِعتُ في المحنة. وظنني البعضُ جنوناً فائضاً يهيم بالتبشير. أصغي إلى الآتي من الآلام، وأرسم الأحلام.
جميع من كاتبتهم بالنص، لم يستجيبوا للدمّ المكتوب في الرسائل. لم يتصلوا بالأناجيل التي أضأتها بشهواتي. أكتب في عالمٍ غريب. كأنهم لم يسمعوا عن يسوع ولم تصادفهم كتبُ الله يوماً ولم يصلُّوا في كنيسة ولم يقفوا في مذبحٍ وما مَرَّ عليهم ألمُ التدوين. مُحصَّنون بخوفٍ غامضٍ، يلتزمون بصمتٍ يشي بهشاشةٍ يصعب التعويل عليها ساعة المجابهات. طغاةٌ صغارٌ يتكاثرون في جُبَبٍ وقلانسَ في أروقة المعابد وتلافيف المدن. كلما كتبتُ رسالة طاشَ العقلُ المخذول. ماذا يقول القلب للعقل، وكيف يقول.
الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2017

قاسم حداد: «أيها الفحم يا سيدي»

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية