« قاطفة اللوز» للايطالية سيمونتا أنيللو هورنوبي: مناخات المافيا في المجتمعات الايطالية

حجم الخط
0

 

لا تخلو رواية ايطالية، إلا فيما ندر، من عالم المافيا وأجوائها وتحولاتها الميلودرامية في حياة المجتمعات الايطالية، ولكأن المافيا هي قدر ايطاليا، مثلما الحروب والنزاعات الاثنية والمذهبية هي من حصة العالم الثالث، بكل تشكلاته العرقية وأطيافه الدينية.
بعض الروايات يذهب إلى أزمنة الحربين الأولى والثانية، وأخرى تجسد القضايا السياسية والصراع على السلطة، بين الفاشية وقوى اليسار، وغيرها تنحو إلى تكريس الحب، ولكن لا بد للزمان والمكان أن يكونا في موقع لافت وحار ومميز بالحوادث والتوترات والصراع على المال والسلطة والنساء، كمدن فينيسيا ونابولي وصقليا وميلانو، والمدن البحرية التي تضيف عامل الفتنة على هذه الأعمال وأبطالها الدائرين في جو سحري يتصف بطابع المغامرة والطرق البوليسية، كالجاسوسية والمطاردة ودورة العنف التي تعصف بالشخصيات داخل تلك الروايات الفاتنة، والتي تكون في الغالب من فئة الأكثر مبيعاً .
من بين هذه الروايات التي تجمع عامل الصراع الدرامي والنفسي والفني إلى عامل التأمل والحدوس وإعمال الذهن في الصنيع الروائي وحبكته الملتفة مثل خيوط شبكية، متوترة وحافلة بالمفاجآت، رواية «قاطفة اللوز» للايطالية سيمونتا أنيللو هورنوبي، وبترجمة مباشرة ومتمكنة من المصرية نجلاء والي.
تحكي الرواية قصة خادمة، عملت في صغرها قاطفة للوز لدى أحد الملاكين الكبار، وأحد رجال المافيا المعروفين المالكين لتلك الحقول اللوزية.
حين تشب منولارا، ستعمل خادمة لدى عائلة موسرة، كان لديها أملاك، ولكنّ الأملاك، سوف تُستنزف لعدة أمور وقضايا ومشاكل ستواجه عائلة الفاليبي الغنية والكبيرة، غير أنّ الخادمة التي جاءت صغيرة في سن المراهقة إلى بيت الفاليبي، الفقيرة والمتعثرة الحظ والصامتة في بداية مشوارها، ستتحول إلى سيدة المنزل وبرضى سيدة المنزل نفسها السيدة فاليبي ورضى زوجها الفاليبي، لتمسك وتدير وتُسيِّر كل صغيرة وكبيرة تختص بأعمال وثروة الفاليبي، تلك العائلة التي ستتعرض لاصابات الزمن وضرباته لمن يمتلكون المال، لكن الخادمة ستعمل طوال حياتها في منزل الفاليبي لترميم تلك التصدعات والفواجع الاجتماعية، ورفو الشقوق الزمنية ورتق كلّ ما هرَّأه الدهر وهو يمرّ على حَيَوات تتحرَّك في زمان معيّن هو أوائل الستينيات من القرن الفائت، في مكان ايطالي هو»روكا كولمبا»، وهي مدينة صغيرة، ذات تاريخ مافوي، وتعج بالتجار والسماسرة والعوائل العريقة.
تحفل الرواية بشخصيات عديدة ومتداخلة، لها خصوصيات ومَهمَّات في شؤون عائلة الفاليبي، مثل المحامي والطبيب والأب الذي يتم الاعتراف على يديه، تنضاف إلى ذلك شخصيات هامشية تمر في متونها الممتعة، مثل أقارب الخادمة منولارا، ورجل المافيا المعروف في المدينة وابنه، فضلاً عن الشخصيات الرئيسية، مثل السيد الفاليبي وزوجته المهيمنة على جزء من الحياة البيتية، عبر أوامرها وتعاليمها وإشاراتها اليومية، وتعليقاتها حتى بخصوص ماضي الخادمة وملابساتها القديمة، تلك المختصة بماضي منولارا، والغيرة أحياناً التي تأكلها من تصرف الخادمة ونواياها المثيرة للشك، عبر سلوك واضح تميل كفته باتجاه صاحب البيت وسيده الفاليبي، ذلك الاقطاعي الكبير وواسع الثقافة والمُتبحِّر في علوم الأدب والموسيقى، والمبذِّر الكبير لمالها عبر عشيقاته العديدات، فهو معاشر البغايا والمنغمس باللهو معهنَّ. ذلك التصرف والمجون المتوج باللذة ستحد منه منولارا الخادمة، ليتحوّل باتجاهها وتكون عشيقته التي تبادله الغرام والحب والعشق، من خلال ذكائها المفرط وعقلها الجبار وتعلمها ودراستها لجماليات الفن الإغريقي، حيث ستساعد من خلاله رب الأسرة على فهرسة كتبه ومقتنياته من الآثار الإغريقية، ناهيك عن اغوائها له وايقاعه في فخّها، مقنعة ربة المنزل عبر تصرّفاتها معه فقط ، دون البوح لها، بأن ما تقوم به هو انتشال لزوجها من عالم الرذيلة والموبقات والمرض الذي قد يصاب به عبر معاشرته للبغايا.
يسود الرواية التي تتكشف ببطء شديد وشائق، وبطريقة استعادة الماضي، وتدوير الزمن ونقله إلى الحاضر المستمر، عبر عملية «الفلاش باك» والتداعي المرن والحر، يسودها جو النميمة والقيل والقال والتنافس اليومي على الصغائر، لا سيّما من لدن ابنة الفاليبي ليللا، وزوجها الأناني والمتشكك والجاهل والسكير والعنيف الذي يعنف ابنة الفاليبي ويضربها كلما عنّ له أمر، وكلما واجه مشكلة مع الخادمة التي تحاول أن تصدّه، وتقطع دابر سيطرته على منزل عائلة الفاليبي التي كثرت مشاكلها الحياتية والمجتمعية.
تبدأ فصول الرواية يوم موت الخادمة منولارا التي تترك وصية أن تقام لها جنازة لائقة، وأن ينشر لها نعي في أهم صحيفة في البلد.
بعد موتها بدقائق تبدأ المشكلات بالظهور، ثمة من يريد منع إقامة جنازة لخادمة، ومنع نشر نعي لها، لكن الأم وسيدة المنزل الفاليبي تتصدى بقوة لكل من يحاول تكريس منع قيام جنازة، ذلك أن الأم كانت تحت رعايتها وخدمتها على أكمل وجه، دون أن تترك تقصيرا معينا يخل بعملها، وكان ذلك يشمل الجميع دون تمييز وتفرقة، ولكنها كانت تقدر الأم وتجلها، هذا ما دفعها إلى حسم الأمر مع الجميع وخصوصاً مع ابنها جاني الذي كان يفكر بمستقبله الأكاديمي وإدارة شؤون العائلة، كون منولارا كانت غنية وتركت إرثاً للعائلة لكي تعينها في المستقبل، فهناك إلى جانب جاني من يتطلع إلى المال والإرث مثل ابنة الفاليبي كارميلا وزوجها ماسيمو الذي سيطر عليه الفرح بغياب الخادمة والذي سيسعى إلى نشر النعي وترتيب مراسم دفن الجنازة.
الرواية هي من الروايات ذات البناء الكلاسيكي، مفعمة بالتفاصيل الكثيرة، تتوشج بنسيج محكم ومستفيض كعادة الروايات الكلاسيكية، حيث هناك إشارات لكل مشهد ونأمة وحركة تندّ عن أبطالها الغارقين في مفهومة التأويل واستنباط الحكايات حول الخادمة، لكن الكاتبة وبحنكتها الفنية المقتدرة، استطاعت لملمة التفاصيل وشحنها وتوزيعها على شخصيات عدة، ستظهر بعد موت الخادمة الذي سيشكل حدثا للمدينة، بالأخص حين يحضر مراسم التشييع والدفن رجل المافيا المعروف والعراب الأول.
هذا فضلاً على أنها ستكون الشغل الشاغل للعائلة وحتى للجيران، إذ ستتم حياكة القصص حولها، وحول ثروتها، فهناك من يشير إلى ارتباطها بالمافيا، حيث الحنوّ البطرياركي من قبل العراب للمنتمين لهم، فنظرة منه، نظرة خطرة وحازمة من غير كلام، مصحوبة بتعبير معين في حركات وإيماءات الوجه، سَيُحسب لها ألف حساب، فكيف بخادمة تغتني ويحضر جنازتها عراب المافيا الأول. ثمة من ينعتها بالسرقة خصوصاً ابنة الفاليبي وزوجها، سرقة مال العائلة والاغتناء منها، وآخر يؤول الموقف بأنها محظية.
كلّ هذه التأويلات والحكايات والنميمة والدس بشأن منولارا التي لها اسم آخر في البنوك السويسرية والإيطالية هو أنسريللو، سيجد طريقه للتأويل، إذ ثمة فريق آخر يقول إنها كانت تتاجر مع السيد الفاليبي بالقطع الأثرية التي كان يشتريها السيد الفاليبي من الفلاحين الذين يعثرون عليها اثناء القيام بعمل ما في الحقول، ومنولارا كانت تساعده في فهرسة الآثار والقطع الأثرية لترتيب تلك الأمور.
شكوك كثيرة تثار حول ثروتها وحياتها السابقة، تتكشف بالتدريج، لتضاء حياة «قاطفة اللوز»، هذه التي صعدتْ سلم الأغنياء، وأثارت اللغط والألغاز حول حياتها العملية وحول موتها غير الطبيعي، بمرض لا شفاء منه، بيد أن طبيب العائلة يقول: إنها ماتت مسمومة بالحلوى التي أعدتها بنفسها من اللوز المر.
أن موت منولارا سيخلف لدى العائلة التي رمَّمتْ منولارا أجزاءها مثل مزهرية مكسورة، والتي كانت تعطي جزءاً من ثروتها لأولاد الفاليبي الثلاثة المتكونة من ابنتين وولد، هذا عدا رعايتها الحانية للسيدة الفاليبي، سيخلف شجاراً واسعاً حول الميراث، شجارا يوميا، يتم حين تظهر رسائل ووصايا منولارا لهم عبر الطبيب منديكو وعبر الشخص الشيوعي العامل في مكتب البريد ريسكيو الذي يعرف ويدقق في مصدر ثروة منولارا التي قالت:»انها كانت مستعدة للموت، فقد أدت واجبها نحو الموتى والأحياء».
يعترف الطبيب منديكو إلى محدِّثه الأب أرينا أيام دفن الجنازة قائلاً:»ان منولارا كانت صدقني أذكى شخص صادفته في حياتي».
عناصر التشويق في هذا العمل المتداخل عبر شخصياته الكثيرة، لا تنتهي عند هذا، فعملية السرد المشحونة والمتوترة درامياً، ستتصاعد فيها الأحداث لتُكشف علاقة منولارا الخادمة بالمافيا، وهي تتلخص بأيام طفولتها وهي في الثالثة عشرة، حين يتم اغتصابها من قبل ابن زعيم المافيا، ولكون الزعيم زعيماً وللمافيا تقاليدها، رغم عنفها، لكنها مع الضعيف تكون مختلفة، هذا ما توضحه الرواية، فالزعيم يُصدم إزاء فعل ولده ويَعُدَّه عيباً وثلباً ونقصاً في مواقفه الشخصية، فيُسفِّر ابنه إلى الخارج لغرض الدراسة ويعاقبه، ثم يرعى من بعده «قاطفة اللوز» بتشغيلها لدى عائلة الفاليبي، ويتم توفير مبلغ مالي لها، مع حماية أبدية، ستجعل منها أثرى وأشهر شخصية في مدينتها الصغيرة.

سيمونتا أنيللو هورنوبي: «قاطفة اللوز»
ترجمة: نجلاء والي
قطاع الثقافة في أخبار اليوم، القاهرة 2014
287 صفحة.

« قاطفة اللوز» للايطالية سيمونتا أنيللو هورنوبي: مناخات المافيا في المجتمعات الايطالية

هاشم شفيق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية