كتاب حازم قنديل «في داخل الإخوان المسلمين» من فشل الايديولوجيا إلى الحتمية الدينية

حجم الخط
0

منذ الإنقلاب المصري على الديمقراطية والإطاحة بالرئيس المنتخب محمد مرسي لم تتوقف عملية القمع واضطهاد الحريات في وقت أحكم فيه الجيش والمؤسسة الإعلامية التي جيشها إلى جانبه على مفاصل الحياة العامة في مصر. فقد اختفت من تعليقات الصحافيين وسدنة الإعلام كلمات مثل «الأخونة» و»الدولة الإسلامية» و»الشريعة» وحلت محلها «مكافحة الإرهاب» والكل اليوم يحارب «الإرهاب». وقد كان رئيس الدولة عبد الفتاح السيسي، الرجل الذي قاد الإنقلاب واضحا عندما أكد في مقابلة مع صحيفة «واشنطن بوست» أن الإرهاب هو قرين حركة الإخوان المسلمين، فهم في رأيه «الأباء الروحيون» له ورعاته ليس في مصر بل والعالم. وكرر في مقابلته الحديث عن «عقلية» الإخوان التي تريد فرض رؤيتها على المجتمع ومن يخالفها يستبعد أو يموت. هناك قدر كبير من المبالغة في كلام السيسي. ونعرف أن أي نظام ديكتاتوري جاء بانقلاب رغم «شرعنته» بالإنتخابات لا بد له من خلق عدو أبدي ليبرر وجوده.

8 أشهر فقط

والغريب أن الإخوان المسلمين حملوا كل آثام وأخطاء المؤسسة التي يقف على رأسها السيسي وتقود مصر منذ ثورة عام 1952 ولم يحكموا سوى 8 أشهر. وتساءل الكثيرون عن سبب انهيار حكم الإخوان بهذه السرعة. فالحركة التي بنت مداميك وجودها على مدار 80 عاما لم تعمر في السلطة إلا أشهرا قليلة.  وعموما ستظل هذه الفترة القصيرة التي حكم فيها مرسي محلا للتساؤلات وأصبحت في يد التاريخ. وفي فلسفة الإخوان هي واحدة من «المحن» التي عانت منها وستنهض كما نهضت منها. فقد صمدت على قمع قائد الثورة جمال عبد الناصر وعاشت وجودا غامضا في عهد السادات، وحضورا تراوح بين القمع والقبول في عهد مبارك. وها هي الآن تعيش أقسى مراحلها. فقد أصبحت جماعة محظورة وإرهابية ويواجه قادتها أحكام إعدام بالجملة.

مدخل جديد

ومع أن تاريخ هذه المرحلة لم يكتب بعد بطريقة عملية وتحليلية كافية إلا أن كتاب «في داخل الأخوان» للباحث المصري حازم قنديل والمحاضر في السياسية الإجتماعية في جامعة كامبريدج يقدم إضاءة حول الجماعة وفكرها وتجربتها السياسية. ويقترح في بداية كتابه مدخلا جديدا للتعامل مع تاريخ الجماعة بالذهاب إلى الحركة نفسها وجمع المادة من القاعدة الشعبية، وعقد ورشات عمل مع قطاعات الشباب من أجل فهم الطبيعة الداخلية للحركة وعدم الإكتفاء بما يقوله قادتها والناطقون باسمها حيث تعتمد معظم الكتب الصادرة على هذا الأسلوب في جمع المادة وتحليلها. فالمؤرخون للثقافة ومحللو الخطاب الثقافي عادة ما ينظرون إلى المواد المطبوعة وغيرها من التصريحات، فيما يحلل مؤرخو الحركات الإجتماعية أساليب عمل الحركات الإسلامية في داخل المجتمع وكيف شاركوا في الإنتخابات النقابية والسياسية. وبعيدا عن هذه المداخل العلمية يحاول قنديل تقديم ما يقول حقيقة الإسلاميين، من هم بعيدا عن أصولهم الإجتماعية ولكن ككائنات أيديولوجية- كيف يتم تربية الإخوان واختيارهم وكيف يتعاملون فيما بينهم  وماذا يدور في أذهانهم؟ فمن خلال هذا يمكننا فهم ما جرى للإخوان، أي هل أدت أفكار الإخوان وطرائق تربية أتباعهم لانهيارهم السريع. يقترح قنديل شيئا من هذا القبيل.

التربية

 فمن خلال قراءة مناهج التربية المتبعة لدى الإخوان يرى الكاتب أن طرق اختيار الأتباع وتصنيف الناس إلى مراتب أدى إلى بناء حركة مغلقة وعمل على جمودها وسريتها. ومن هنا جاء عنوان الكاتب ذي الإيحاءات الماسونية «في داخل الإخوان». ومن أهم ملامح حركة الإخوان المسلمين أن العضو لا ينتمي للحركة بل تختاره هي ليكون ضمن صفوفها، ويتم تجنيده في المدرسة أو الجامع أو الجامعة والنقابات. وعندما ينضم إلى الجماعة يدخل في نظامها التربوي والذي يقوم على «الأسرة» التي تحدد نشاطاته وعلاقاته مع «إخوانه» والحركة قيادة ومضمونا. وينبثق فهم الإخوان للأسرة من خلال دور الأسرة /العائلة في بناء المجتمع. ولأن جماعة الإخوان المسلمين تنظر لنفسها كحركة بناء وكجماعة عقدية فلا بد من تمتين أواصر العلاقة بين أتباعها حتى تواجه تحديات الواقع. وقد منح النظام التربوي بما فيه من رقابة  الشخص لتصرفاته ومحاسبته الدائمة لنفسه متانة لها ولم تتعرض الحركة- نقصد الحركة الأم في مصر-  في تاريخها لانشقاقات واسعة، كل ما جرى هو تمرد يتم التغلب عليه كما حصل في عهد المرشد الثاني- حسن الهضيبي أو انشقاق أفراد لم يستطيعوا التعامل مع واقع الحركة أو لضيق افقها بحيث لم تعد تستوعب أفكارهم أو لأسباب شخصية. وفي اعتماد قنديل على أدبيات الحركة من مثل «نظام الأسر» والأنظمة الداخلية ورسائل مؤسس الحركة حسن البنا (1906-1949) خاصة «رسالة التعاليم» و»دعوتنا» و»رسالة المؤتمر الخامس» يحاول الباحث هنا قراءة معالم التربية وطرقها وكيفية تنمية العلاقات الأخوية والإجتماعية بين أفرادها ليرى في جزء من دراسته أن الإنغلاق والبرنامج أسهما في فشل الإخوان بإدارة البلاد، فحرص الجماعة على تعزيز الإنضباط وفكرة الطاعة للأمير- النقيب والمرشد إلى ولادة جماعة لا تتسامح مع النقد، وتطرد كل من يحاول إثارة الجدل.

خوف من العلوم الإجتماعية

 ويمكن والحالة هذه تفسير ابتعاد الجماعة عن العلوم السياسية والأدب لأنها علوم لا تتطابق مع فكرة الشخصية «العملية» التي يبغي قادة الإخوان في محاولتهم لتغيير المجتمع. وليس غريبا ملاحظة أن معظم قادة الإخوان جاءوا من مجالات العلوم البحتة مثل الهندسة والكيمياء. من بين 3.000 أستاذ جامعي و 20.000 مدرس وعدد كبير من المحامين  ورجال الأعمال لا ينتمي إلا عدد قليل لحقول العلوم الإجتماعية والأدب والفلسفة. وتظهر سيادة العلوم البحتة على تراتبية الجماعة فالمرشد الحالي محمد بديع عزت هو استاذ في علم البيطرة ونوابه الثلاثة جاءوا من حقول البيولوحيا والهندسة والطب. ولا نذهب بعيدا في قراءة أصول الإخوان  الإجتماعية لنكتشف أن المؤسس كان مدرسا والمرشد الثاني كان قاضي استئناف ومنظرها الثاني سيد قطب  كان استاذا وهو الوحيد الذي جاء من عالم الأدب لكنه تركه لصالح الأدلجة. وفي السبعينيات من القرن الماضي جاء معظم الطلاب الذين قادوا حركة الإحياء الإسلامي من كليات الطب والهندسة.

 إسكات المعارضة

وتكشف الشهادات التي يقدمها الكاتب لعناصر سابقة في الحركة، وقادة سابقين قرروا الإعتزال أو الخروج منها محاولة الجماعة إسكات الرأي المخالف وتأكيد موقف الجماعة أو قيادتها. ولا غرو فالكاتب هنا يعتمد على كم من المذكرات الذي صدر من أفراد سابقين مثل محمد حبيب وثروت الخرباوي ويحلل في الوقت نفسه مذكرات زعماء الإخوان وقادتهم، ويقدم مواقف جيل الشباب الرافض للشرنقة الإخوانية ومنهم إبراهيم الهضيبي الذي اشتهر بنقده للحركة من خلال مقالاته ومدونته، ويمثل وغيره من الشباب تيارا يرفض الجمود وأساليب التربية والعقاب والثواب، والسرية. فثروت الخرباوي في مذكراته «سر المعبد» يتحدث عن مواجهة بينه وبين مرشد الحركة مصطفى مشهور (1921-2002) مفادها أن الخرباوي كان يخطط لنقد المرشد في «الكتيبة» (وهي لقاء شهري يلتقي فيه عناصر الأسر في شعبة من شعب الإخوان للمذاكرة والتهجد وعادة ما تقام ليلة الخميس بعد صيام التطوع وتستمر حتى فجر الجمعة). يرى قنديل أن انشغال الحركة ببناء وتقييم المرشحين أو من انضموا للجماعة عزز من بيروقراطية الجماعة حيث ينشغل العضو طوال الوقت بملأ بيانات حول نشاطاته وعلاقته مع أفراده «أسرته» وما إلى ذلك. كما أدى الإنشغال الدائم بالحلقات والنشاط الدعوي الدائم واللقاءات مع العناصر والهيئات الإدارية إلى إجهاد العناصر بشكل منعهم عن القراءة او حتى التفكير بأنفسهم. ويشير هنا إلى الأليات التي تستخدمها الجماعة للحفاظ على أفرادها والضغط عليهم ومنع أي تمرد أو نقد من خلال الهيئات التأديبية والتحقيقات التي تهدف لإسكات النقد وينتج عن التحقيقات قرارات بالتعزير، تجميد العضوية أو الطرد. وعندما احتج طالب ازهري ـ عضو في الجماعة على استخدام فكرة التعزير لأن الذين يصدرون أحكاما ليسوا من القضاة المؤهلين طلب منه عدم تضييع وقته بالتوافه. ولا غرو فمنع النقاش البناء داخل صفوف الحركة أثر على نظرتها لنفسها والعالم، فهي معادية للعلوم الإجتماعية لارتباط هذه بالغرب وهي بالضرورة  لا تتهاون مع  العقل الأكاديمي  ولهذا عندما قررت إنشاء حزب سياسي لم يكن لديها الكثير مما تقوله عن السياسة والإقتصاد وحل مشاكل المجتمع.

العناية الإلهية

 ومثلما لا يرتاح الكاتب لطبيعة التربية والبرنامج فهو لا يقبل «احتكار» فهم الدين وموضعة الإيمان بفهم الإخوان المسلمين كما تشي أدبياتهم، فالولاء للحركة هو بمثابة الولاء للإسلام ومن أخل بشروط البيعة أو الطاعة فكأنما أخل بشروط الإيمان. ويرى أن بناء الحركة الأيديولوجي يضفي على قادتها طابعا من الهالة القدسية، فقراراتهم وإن كانت خاطئة ربما كانت رحمة من الله وطريقا لامتحان الجماعة، كما أنه لا يجوز إغتياب القيادة وذكرها بسوء. ويشير لرؤية الإخوان للمؤسس البنا باعتباره المرشد الذي أحيطت حياته القصيرة باحترام شديد. وفكرة المرشد تقترب كثيرا من بنية البنا ونشأته الصوفية. والجميع يعرف أن طريقة تنظيم وتأكيد البنا على التربية الروحية جاءت من علاقته في الصغر مع الطريقة الصوفية الحصافية. ويرى الكاتب ان قادة الحركة ومنظريها أضفوا طابعا دينيا على فكرة الطاعة والعمل الجمعي/الجماعة من خلال النص الديني- القرآن والسنة- وجمعوا إلى بعد الجماعة تكريس حس المواجهة الدائمة للإسلام مع الأعداء أو المؤامرات الصليبية ـ اليهودية ضد الإسلام. فالتغريب والنخبة المتغربة في العالم الإسلامي هي جزء من المؤامرة، وعليه فمن واجب الإخوان مواجهة هذه الموجات لاستعادة مجد الإسلام. ويعتقد الكاتب أن فهم الإخوان ونظرتهم للعالم قادتهم لتقديم تفسير بديل للتاريخ الإسلامي، وهو تفسير قائم على «الحتمية الدينية» في استعارة من التقاليد الماركسية. وضمن رؤية الإخوان فهم موكلون وجنود موكلون بتحقيق النصر على الأرض للإسلام. ويذهب الكاتب بعيدا في تفسير ما جرى في ساحة رابعة العدوية التي اعتصم بها الإخوان ومؤيدوهم بعد الإنقلاب قبل ان يدمر الأمن معسكرهم في 14 آب/أغسطس 2013 في عملية وصفتها منظمة «هيومان رايتس» الفصل الأحلك في تاريخ مصر الحديث وقتل فيها ما يزيد عن الألف. فقد توافق الإعتصام مع رمضان، وساد الجو الديني والروحاني أجواء المخيم سواء في تصرفات المعتصمين، وكلمات المسؤولين والضيوف على المنصة في الليالي الرمضانية.  فقد جرى استحضار التاريخ والنبوءات بأن النصر قادم للإسلام/ الإخوان المسلمين. ويفسر الكاتب ان الإتكاء على النص الديني والمهمة المقدسة نابع من الأيديولوجية التي أدت لانهيار المشروع الإخواني في الحكم. ويعتقد أيضا أن «رابعة» كشفت للمصريين حقيقة الإخوان «فما رآه وسمعه الناس كان مختلفا عن الصورة المشذبة التي يعرفونها عن الإخوان، فقد تم شجب المنافسين السياسيين (للإخوان)، صور لملاحم النبي ومعاركه، قصص من التوراة من داوود وموسى والأرماغادوي، قصص عن صلاة جبريل مع المعتصمين،  وعرضت رؤى مقدسة على المنصة ليلا ونهارا، ولم تكن هذه هي الكلمات التي يستخدمها الإخوان المسلمون عادة في تفاعلهم العام، وأصيب المصريون بالذعر وتساءولوا من أين جاء هؤلاء الغرباء؟». ويواصل الكاتب ان المصريين لم يعرفوا أن الإخوان كانوا في حالة من الذعر أنفسهم فقد هزهم شعور غياب  العناية/ التدخل الإلهي، فكل شيء كان جاهزا لهم لتحقيق ما طموحوا له وهو «التمكين». على العموم لا يمكن فهم تاريخ الحركة ضمن خطاب عاطفي حكمته اللحظة والظرف التاريخي، حالة إيمانية يعكسها رمضان، شعور بالظلم وانهيار الحلم، محاولة لتأكيد الوجود ومهم التأكيد لعناصر ومؤيدي الإخوان أن مشروعهم لن ينتهي. والغريب أن قنديل هنا في إلحاحه على هذه المسألة وقع أسر الخطاب الصحافي التحريضي الذي ساد تلك الفترة.

مدخل حدي

تقدم دراسة قنديل معلومات ثرية عن الإخوان إن حول نظامهم الداخلي، وبنيتهم الإقتصادية والتعليمية والدينية أو نظرتهم للعالم. كما تكشف عن دور «المحنة» في تشكيل رؤية الإخوان ويرى أنه لو لم يقرر عبد الناصر سجنهم لما عرف الناس عنهم الكثير وكذا فعل السادات عندما كان بحاجة إليهم فيما تردد مبارك بين القمع والإحتواء. لكن قنديل يتجاوز في نظرته هذه قوة الإخوان في الشارع المصري والريف منذ حضورهم على المشهد، وانتشار الجماعة خارج القطر المصري إن بفتح شعب وفروع لها وإن بالمشاركة في حرب فلسطين. ولعل أهم فصول الدراسة هي القراءة المقارنة لوضع الحركات الإسلامية في خارج مصر من تركيا إلى فلسطين والأردن والكويت وتونس والسودان وكذا الإسلامية في سياقها الشيعي في إيران. في النهاية تطرح دراسة قنديل الكثير من التساؤلات حول نجاعة المدخل الذي استخدمه ولكنها لا يمكن أن تقدم فحصا لظاهرة وأحداث تاريخية معقدة، فالايديولوجيا وإن لونت مواقف الإخوان إلا أنها لم تمنعهم من الفوز في كل الإنتخابات التي جرت في مصر ما بعد الثورة. وسياسات مرسي في الحكم هي ضد فكرة التدخل والعناية الإلهية التي يطرحها الكاتب.
Hazem Kandil: Inside the Brotherhood
Polity, Cambridge 2014
240 pages.

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية