كقشرة الأمم المتحدة

حجم الخط
0

الاتفاق النووي مع إيران هو سبب للاحتفال الذي ميز افتتاح نقاشات الذكرى السنوية الـ 70 لتأسيس الأمم المتحدة أمس. بأوساط المشاركين في المؤتمر العالمي لرؤساء المدن في نيويورك، تم اعتبار الاتفاق انجاز سياسي تاريخي واثبات قاطع على الامكانية الكامنة بالدبلوماسية والمفاوضات بين الاعداء وفي القاعة قيل انه نموذج الدبلوماسية النوعية ونموذج يحتذى للمفاوضات الجوهرية. كانت الخطابات المديح للاتفاق. هذا الاتفاق الذي تحتقره اسرائيل وترفضه بادعاء انه تهديد لوجودها وللسلام العالمي. قالت الخطابات ان الاتفاق سيضمن السلام والامن والاستقرار في العالم ـ هذه أهداف سامية تعكس بالضبط القيم الواردة بميثاق الأمم المتحدة.
لشدة السخرية، هذا الاتفاق هو اثبات لتدني مكانة الأمم المتحدة ودليل على اعاقة هذه المنظمة وتذكير مخزٍ على عدم معالجتها للازمات والصراعات. وكل هذا يتم في التوقيت الغير ملائم للامم المتحدة ـ عند الاحتفال بالذكرى الـ 70 لها.
في التاريخ المعاصر سيذكر أن المحادثات مع إيران والمفاوضات وتبلور الاتفاق تمت من قبل وزراء خارجية الدول العظمى الستة (الاعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن ـ الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا، الصين وروسيا- والمانيا) لم يكن للامم المتحدة أي دور او صلة بالمفاوضات مع إيران، وسعى وزراء الخارجية إلى ابقاء الأمم المتحدة بعيدة عن المفاوضات التي تمت في فيينا.
في أروقة الولايات المتحدة يقولون ان بداية المفاوضات مع إيران لم يتم اطلاع بان كي مون رئيس الأمم المتحدة على ما يحدث وراء الكوايس وكذلك في المراحل المتقدمة تم اطلاعه بشكل متقطع. بعد التوقيع فقط تم ارساء الاتفاق بقرار من مجلس الأمن باجراء اعتيادي وروتيني. ففي المآل النهائي لم تستطع الدول العظمى التغاضي عن حقيقة كونها عضوة دائمة في مجلس الامن.

بين الصخب والأمل

«يجتمع زعماء العالم في الذكرى السنوية الـ 70 للامم المتحدة في وقت الصخب والامل»، قال رئيس الأمم المتحدة بان كي مون في المؤتمر الصحافي التقليدي، عشية افتتاح الدورة السنوية التي تمت قبل اسبوعين.
«صخب، لأن الصراعات ازدادت حدتها في اماكن كثيرة من العالم. والمدنيين يدفعون الثمن. أمل ـ لان عدد غير مسبوق من زعماء الدول مجتمعين لمناقشة حلول وتبني قرارات جديدة من اجل اجندة التطوير».
واشار السكرتير إلى ان القصد هو خطة تطوير قابلة للتنفيذ ستوضع امام الجلسة «انها خطة تعكس سعي الناس في كل مكان للعيش حياة محترمة في كرة ارضية سليمة ومعافاة»، قال.
واشار ايضا ان خطة التطوير «ستثبت ما تستطيع الدول الاعضاء تحقيقه عندما تعمل معا».
كلمات بان كي مون كانت خليط من القلق والامل لتحسين حياة الناس «عدد اللاجئين نتيجة للصراعات العنيفة وصل اليوم إلى 60 مليون» قال «حكومات تنهار. ضائقة اقتصادية واسباب اخرى ادت إلى حجم كبير من اللاجئين ليس له مثيل منذ الحرب العالمية الثانية. اكثر من 100 مليون يحتاجون إلى دعم على مستوى انقاذ حياتهم، لكن الجهات التي يجب ان ترعاهم تعاني بشكل مزمن من نقص التمويل».
في اطار افتتاح الدورة السنوية يتم هذا الاسبوع «الجدال العام» ـ الاجراء الدائم لافتتاح الدورة السنوية حيث يصعد رؤساء وزعماء الدول ورؤساء حكومات الواحد تلو الاخر إلى المنصة ويلقون خطابات ويستعرضون المشاكل ويقترحون الحلول.
يمتدحون المنظمة وينتظرون التصفيق. ولكن في الحوارات الجانبية في أروقة مبنى الأمم المتحدة، الاجواء بعيدة كل البعد عن الاحتفالية. صورة الوضع الدولي كما يصفها دبلوماسيين ومحليين صعبة جدا. الامر الخطير هو ان معظم المتحدثين يعبرون عن تشككهم وتشاؤمهم من قدرة المنظمة على احداث تغيير حقيقي بالوضع الحالي وحل المشاكل التي يعاني منها ملايين البشر. «انا أرى صخب اكثر من الامل» قال سفير دولة اسيوية ردا على كلمات الامين العام. وقال ذلك السفير في حوارات صدفية مع صحافيين: «لا اريد التقليل من احترامه، لكن الامين العام كان مقنعا اكثر في وصف الازمات وغير مصداق في التعبير عن الامل».

تدهور سريع

قدماء الجالية الدبلوماسية في نيويورك لا يتذكرون لحظة محزنة بهذا القدر للجلسة السنوية للامم المتحدة. في سوريا تستمر الحرب الاهلية للسنة الخامسة والتي أدت حسب معطيات الأمم المتحدة إلى موت اكثر من 250 ألف انسان، اغلبيتهم من المدنيين. حسب تقديرات الأمم المتحدة مات 14 ألف طفل بسبب قصف القوات المتحاربة في سوريا.
اضافة إلى ذلك، داعش لا يُظهر أي علامات ضعف ويستمر في الحرب واحتلال المناطق؛ الحرب في اليمن أصبحت دموية اكثر فأكثر؛ التوتر بين الولايات المتحدة وروسيا يزداد حدة لدرجة أن العلاقات بين الدولتين العظميين أصبحت في الحضيض، الامر الذي يُذكر حسب الدبلوماسيين القدماء، بسنوات الذروة للحرب الباردة.
لا أحد يُقلل من الانجازات التي حققتها الأمم المتحدة على مدى 70 سنة في الشؤون الانسانية: التنظيم الغذائي أنقذ الملايين من الجوع؛ وكالة الصحة قدمت أدوات لتحسين صحة الملايين في الدول الفقيرة؛ اليونسيف، صندوق الطواريء الدولي للامم المتحدة للاولاد، نشر الوعي والمعرفة لدى ملايين الاولاد ومنحهم الاساس لمستقبل أفضل؛ وخطط تطوير للمنظمة قدمت المساعدة النوعية للدول الجديدة وساعدتها على اقامة أطر السلطة.
لكن الاخطاء في أداء الأمم المتحدة قبل عقد كانت محتملة، لكنها تدهورت في السنوات الاخيرة بسرعة كبيرة. «لا أريد اخافتكم، ولكن عند النظر إلى التطورات في العالم المعاصر لا يمكن الهرب من الاستنتاج أن وضع الأمم المتحدة على شفا الكارثة»، قال دبلوماسي غربي في حوار معه. «لا حاجة إلى الذهاب بعيدا. قبل اكثر من عقد قامت لجنة في الأمم المتحدة بفحص الاصلاحات واستنكرت انماط عمل الأمم المتحدة واعتبرتها غير ناجعة».
حسب اقواله، منذ ذلك الحين فقد ازداد وضع المنظمة سوءً. «في الذكرى السبعين لتأسيسها، فان الأمم المتحدة هي منظمة منتفخة وغير ناجعة ولا حول لها ولا قوة ولا صلة لها بالازمات والحروب المحلية والصراعات الاقليمية. كانت الآمال كبيرة بأن يتم استحداث الأمم المتحدة من اجل تحديات القرن الواحد والعشرين، لكن القليل منها تحقق».
«الغارديان» البريطانية نشرت معطيات حول البيروقراطية لدى المنظمة: 17 وكالة كل واحدة منها تتعامل مع موضوع معين؛ 14 صندوق وسكرتاريا، تشمل 17 قسما في اطارها 41 ألف موظف؛ المصروفات السنوية للمنظمة تضاعفت بـ 40 مرة منذ الخمسينيات من القرن الماضي؛ في العشرين سنة الماضية تضاعفت ميزانية الأمم المتحدة التي تتم المصادقة عليها كل عامين، ووصلت إلى 4.5 مليار دولار؛ وتكاليف قوات حفظ السلام التي تشمل 120 ألف جندي وشرطي بلغت 9 مليارات دولار.
رغم أن منح التطوير لليونسيف ولتمويل خطط المساعدة تضاعفت بـ 6 مرات في السنوات الاخيرة ووصلت إلى 29 مليار دولار، إلا أن الوضع المالي لبعض وكالات الأمم المتحدة قد تراجع مؤخرا، وهي على شفا الافلاس. في مجال واحد، المياه والطاقة، تعمل في اطار الأمم المتحدة اكثر من 20 وكالة لا يوجد بينها تعاون. وحسب «الغارديان» فانها تتنافس على مصادر محدودة.
خلال سبعين سنة أنفقت المنظمة اكثر من نصف تريليون دولار. خبير معروف اقتصاديا، عدنان أمين، الذي كان مشاركا في كتابة تقرير الاصلاحات، قال في مقابلة معه إن للامم المتحدة 1200 مكتب في دول مختلفة، وفي 100 دولة يوجد للمنظمة أكثر من عشرة مكاتب بعضها تصل ميزانيتها إلى 8 ـ 9 ملايين دولار، وطاقم من خمسة اشخاص. اغلبية الاموال تمول التشغيل ويبقى مبلغ قليل للتخطيط أو للعمل.
على أبواب كل لقاء سنوي توزع في مقرات المنظمة في نيويورك أوراق عمل تشمل خطط للاصلاح واقتراحات لالغاء وتقليص الميزانيات، وضعها خبراء وممثلو الطواقم الاعضاء. أعلن بان كي مون أنه يدرك الازدواجية في وكالات الأمم المتحدة مثل موضوع المياه. «منظمتي تفعل ما في استطاعتها للقضاء على الازدواجية»، قال.
لكن تصريح الامين العام لا يلائم الواقع، حسب اقوال دبلوماسيين قدماء. المشكلة هي أن الاصلاحات لا تتم أبدا وهناك معارضة لتطبيقها من قبل الوكالات والبعثات التي تحتاج اليها. حسب ادعاء الدبلوماسيين فان العقبة الاكبر التي تمنع تطبيق الاصلاحات تضعها الدول الاعضاء في المنظمة. هناك توتر بين الدول الغنية التي تنتمي للعالم الغربي وبين الدول الفقيرة والنامية ولا سيما في القارة الافريقية والعالم الثالث. عندما تطلب الدول الغربية التي تمول الأمم المتحدة اجراء الاصلاحات، فان الدول الفقيرة تعتبر أن الهدف من ذلك هو زيادة سيطرة الغرب على المنظمة. هذه العلاقات المتوترة تنعكس في كل عام في لجان الأمم المتحدة التي تجتمع بعد الجدل العام عند بدء المؤتمر بعد عودة زعماء العالم إلى عواصمهم. الجبهة الاساسية هي اللجنة الخامسة التي تناقش ميزانيات المنظمة. الولايات المتحدة تطلب احداث التقليص، لكن الدول الاعضاء تستطيع المشاركة في نقاشات اللجنة، وتتخذ قراراتها باغلبية بسيطة.
الدول النامية ودول عدم الانحياز وهي تشمل 116 دولة، لا تعتبر نفسها خاضعة لسيطرة الولايات المتحدة، وهي تستغل هذا كل سنة لكبح مبادرة التقليص، بل والحصول على زيادة في الميزانية.
في يوم الجمعة الماضي عقدت الأمم المتحدة جلسة خاصة على شرف البابا فرانشيسكو الذي كان خطابه أحد لحظات الذروة لزيارته في الولايات المتحدة. كان هذا هو الظهور الاول للعرش المقدس في الولايات المتحدة. طريقة حديثه أحدثت انفعالا في القاعة. الامين العام الثاني والمثولوجي للامم المتحدة، داغ همرشليد اشتهر بمقولته إن الأمم المتحدة لم تقم لخلق جنة عدن للانسان، بل بهدف انقاذ الانسانية من جهنم. هل نجح البابا في ايقاظ ضمير المجتمع الدولي الممثل بالأمم المتحدة تجاه معاناة مئات آلاف اللاجئين الفارين من جهنم بحثا عن مكان آمن؟ ليس بالضرورة.

معاريف 30/9/2015

شلومو شامير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية