ليس هناك نظام أو سلطة أو قائد أو زعيم أو فصيل أو حركة أو تنظيم، مهما جل قدره وعلا شأنه يمكن أن يكون أكبر أو أغلى من الوطن. فالكل مسخر لخدمة هذا الوطن الذي لولا وجوده لما كان لهم وجود أصلا.. فالوطن هو كل شيء وهو قبل كل شيء وفوق كل شيء ومن بعده بدرجات يأتي أي شيء آخر.
وجبت هذه المقدمة لأن هناك أنظمة وزعامات وتنظيمات الخ، ترى أنها أهم من هذا الوطن.. وهنا استثني بعض الأنظمة.. القائمة أصلا على أساس أسري وعائلي وهي صاحبة هذه الأوطان.
في حرب حزيران/ يونيو 1967 التي أطلق العرب عليها اسم النكسة، وتسميها إسرائيل مجازاً حرب الأيام الستة، وهي في الحقيقة لم تتجاوز عمليا اليوم أو اليومين، أقول ذلك لا تجنيا، بل لأنني عشت ايام الحرب في قريتي شويكة الحدودية المتاخمة للخط الأخضر، شمال الضفة الغربية، وشاهدت الجيش الإسرائيلي وهو يدخل قريتنا في اليوم الثاني للحرب، في تلك الحرب التي منيت فيها ثلاث دول عربية وهي، مصر وسوريا والأردن بجيوشها الجرارة بالخسارة، إضافة الى الجيش العراقي الذي لم يعط حتى فرصة الانتشار قبل ضربه وتدمير معظم آلياته، اكتشفت تلك الأنظمة أن الحرب لم تحقق هدفها الدفين وهو، التخلص من الأنظمة «الوطنية». وأخص بالذكر هنا نظام الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر. نعم هذا ما كانت تردده أجهزة إعلام النظام في حينها.. وبعبارة أخرى تقول هذه الرواية إننا كسبنا الحرب، رغم فقدان شبه جزيرة سيناء والضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان السورية، لأننا لم نخسر النظام المستهدف.
نحن نتحدث عن زعيم عربي غير عادي.. زعيم كانت تهتف باسمه حناجر الجماهير العربية بدون مبالغة، من المغرب حتى البحرين.. زعيم لم يتمتع زعيم آخر بمثل شعبيته، فما بالك بأشباه الزعماء وبأنظمة يفترض أن تكون جاءت عبر انقلابات على الأنظمة الملكية «الفاسدة والعفنة والرجعية»، سواء في سوريا أو العراق أو ليبيا أو اليمن، التي غرق زعماؤها ممن غادروا هذه الحياة، ويغرق من لم يفارقها بعد، من أذنيه حتى أخمص قدميه بالفساد والعفن والاستبداد والقتل الممنهج لأبناء شعبه.
نتحدث عن عبدالناصر الذي أقدم على ما لا يمكن أن يقدم عليه أي زعيم يحترم نفسه وشعبه، وهو الاستقالة من منصبه متحملا كامل المسؤولية عن الهزيمة، هناك من يعتبر ذلك مسرحية، وهذا ليس موضوعنا في هذا المقال، لكن الجماهير التي خرجت بالملايين في مدن مصر والعالم العربي تطالب بتراجعه عن الاستقالــــة قالت غير ذلك.. نتحدث عن زعيم عندما وافته المنية خرجت الملايين في جنازة لم يشهد لها مثيل ليس في العالم العربي بل العالم أجمع… نتحدث عن زعيم خرج من الدنيا كما دخلها بقطعة قماش بيضاء.. ورحل عنها نظيف اليدين والذمة، فلا حسابات بنكية ولا أنجال معدون للوراثة.. ومع كل ذلك لم يكن عبد الناصر ولا نظامه الذي كان متآكلا وفاسدا ومتعفنا من الداخل، أغلى من الوطن ولا أغلى من سيناء والضفة الغربية والجولان..
فإذا كان هذا المنطق ينطبق على الزعيم عبد الناصر فما بالك بالزعماء الأقزام الذي جاؤوا من بعده، ليس في مصر فحسب، بل في العالم العربي. هؤلاء الزعماء الذين يرون بقاء عروشهم اهم من بقاء أوطانهم.
ولنبدأ ببشار الأسد في سوريا، الذي أصلا لم يكن من حقه حتى ضمن الأطر والنظم التي كانت تحكم سوريا في عهد والده، أن يكون رئيسا على هذا البلد العزيز والغالي. ففصلت له القوانين وعدلت له الدساتير واستحدثت له نظرية ما يسمى بالجمهورية الوراثية.. لو كان لهذا النظام ذرة من الوطنية والحرص على الوطن والشعب لاستقال في اللحظة التي خرجت فيها الجماهير تطالب بالتغيير، أو على الأقل وهذا اضعف الإيمان، انصاع الى شعبه الذي خرج أسوة بغيره من الشعوب العربية في ما سمي بـ»الربيع العربي» الذي انقلب لاحقا الى جحيم، الى الشوارع بمطالب متواضعة وشرعية.. رفع الظلم وتخفيف القبضة الحديدية ووقف أعمال القمع وعمليات الاعتقالات ومنح الحريات والديمقراطية. لو أذعن لمطالب الشعب لجنب الوطن السوري الغالي اعمال القتل والتدمير الدائرة الان.. وأكرر الوطن السوري وليس النظام، ولجنب الشعب والوطن ويلات الحرب الأهلية وحال دون نيل الأعداء المتربصين بالوطن السوري، وهم كثر، ان كانوا من «الأشقاء العرب» أو قوى إقليمية أو اخرى عالمية..
ولو انصاع لمطالب الشعب وتخلى عن موقعه لنصبت له التماثيل ولرفض هذا الشعب الطيب استقالته وخرج مطالبا بعودته.
وهيهات هيهات.. ان يكون لمثل هذا النظام، بتاريخه الأسود، ان يفعل ذلك وهو الذي يضع نفسه ومصالحه فوق مصالح الوطن.. النظام الذي أبى إلا ان يكون دوما في صف نفسه وصف أعداء الوطن.. النظام الذي لم يتوان يوما عن سحق أو محاولة سحق من يقف في طريق أهدافه المريبة.. ومخيم تل الزعتر الفلسطيني في لبنان في أواسط سبعينات القرن الماضي يشهد على ذلك، فهو لم يرحم في هذا المخيم شيخا ولا طفلا ولا امرأة ولا رجلا ولا شجرا ولا حجرا، بعد ان حاصره لأسابيع وقصفه بأحدث أسلحته، دعما للقوى المضادة للثورة الفلسطينية والقوى الوطنية في لبنان في منتصف سبعينيات القرن الماضي.. وتشهد مدينة حماة على بشاعة جرائمه في مطلع ثمانينات القرن الماضي… وتشهد عليه معتقلاته التي كانت ولا زالت تزدحم بالوطنيين من فلسطينيين ولبنانيين وسوريين.. ويشهد عليه إغلاقه لحدوده مع اسرائيل امام المقاومين.. وتشهد عليه ترسانة أسلحته التي لم يستخدمها يوما ضد اسرائيل… ويشهد عليه مخيم اليرموك الذي يموت فيه الناس جوعا.. ويشهد عليه اللاجئون الفلسطينيون الذين اضطروا للجوء مجددا هربا من الموت.. وهذا فقط غيض من فيض.
ان هذا النظام هو المسؤول الأول والأخير عن تفتت الوطن السوري وإطلاق مارد الطائفية من قمقمه، فأفعاله وجرائمه، فتحت أبواب سوريا على مصراعيها امام كل المتربصين والقوى الخارجية للتلاعب بالوطن السوري، وبافعاله سمح لهذه القوى باستغلال حالة الفوضى وظهور تنظيمات وفصائل مثل تنظيم «داعش» أو ما يسمى بـ»الدولة الاسلامية»، وهو الذي غض الطرف عنه ظنا منه انه سيسدي له الخدمات في محاربة التنظيمات المسلحة الاخرى. وحزب النصرة التابع لـ»القاعدة» و»أحرار الشام» وغيرها من اسماء ما انزل الله بها من سلطان.
ان فظاعة جرائم النظام لا تكمن في اعمال القتل (وصل عدد الضحايا الى ما يقارب الربع مليون) والتدمير رغم بشاعتها وهولها فحسب، بل في ضرب النسيج الاجتماعي السوري وتفتيته الى طــــوائف وأعراق وإثنيـــات.. وتفتيت جغرافية الوطن السوري الى معازل وكانتونات.. وتحويل الشعب الى فئات متقاتلة لا يردها رادع أخلاقي أو إنساني أو ديني، لانها أصلا تستخدم الدين والطائفية، ذريعة لتبرير القتل وسفك الدماء التي جرت بحورا.. والجرم الأعظم هو تحطيم الإنسان السوري وخلق اجيال مشوهة نفسيا، أجيال يفترض ان يعول عليها في المستقبل لمهمة الصلح الاجتماعي واعادة بناء الوطن وإعادة اللحمة اليه.
قد ينجح هذا النظام في البقاء بقرار دولي ولكنه سيبقى محاصرا وفي معزل، كما هو حال المعازل الاخرى التي ستنشأ لاحقا.. من بواكيرها الدولة الاسلامية.
وما ينطبق على الأسد ينسحب على نظام العقيد معمر القذافي، الذي كان مصابا بجنون العظمة، وكان على قناعة بأنه اهم وأغلى من الوطن، فتعامل معه منذ ان تخلص من رفاقه في الانقلاب على الملك ادريس السنوسي عام 1969، وكأنه عزبته الخاصة وملك ورثه عن والده.. وتعامل مع الشعب الليبي وكأنه قطيع من العبيد مسخر لخدمته وخدمة أولاده وهو ربهم الأعلى. فسيطر على ثروة البلد الضخمة من النفط وبعثرها هو وأولاده يمينا ويسارا في شراء الذمم، ليس في الداخل بل في الخارج أيضا إرضاء لغروره وتثبيتا لقناعته بانه هو ليبيا وليبيا هو. ونفذ مقولة «عليّ وعلى أعدائي» ورحل عن هذه الدنيا بأبشع الطرق ولم يجد من يسير في جنازته بعد ان فقد معظم أولاده. مخلفا وراءه وطنا ايضا مفتتا ومشرذما بين تنظيمات وأحزاب تلعب بها قوى خارجية، لا تزال تتقاتل رغم مرور اكثر من 3 سنوات على مقتله.
ونختتم بصدام حسين الذي كان يشك بأقرب المقربين له، وخاض إرضاء لغروره واطماعه وجشعه وتعطشه للسلطة حربين عبثيتين في غضون عقد تقريبا، جلبت الويلات على العراق وشعبه، وراح ضحيتها مئات الآلاف من العراقيين، اضــــافة الى عشرات الآلاف ان لم يكن مئــــات الآلاف من المثقفين وخصــــومه الســـياسيين الذين قتلــــوا على أيديه وأيدي جلاديه.. وحـــل الدماــر في بلاد الرافدين التي تختزن ثاني اكبر احتياط نفطي في العـــالم. وهـــا هو العراق جراء سياساته وإجرامه يتفتت ايضا طائفيا واثنيا.
ولا تنسوا علي عبد الله صالح، لا أصلح الله له حالا… وما وصل اليه اليمن.. ولا يزال يعبث بالبلد ويصر على تدمير المعبد على من فيه.
٭ كاتب فلسطيني
علي الصالح