مع أنه، من بين الأنواع الكتابية المختلفة التي تنقّل بينها، كتب روايات بوليسية عدّة، إلا أن رواية «الوعد» يمكن وصفها بأنها «ضد بوليسية». منذ صفحاتها الأولى نقرأ نظريته عن هذه الضدّية في حوار يجريه، هو كاتب هذا النوع من الروايات، مع ضابط شرطة ذي تجربة في هذا الحقل. يقول الضابط متهما الكتاب البوليسيين، «ألأحداث تسير لديكم بصورة منطقية، وكأن المرء يلعب الشطرنج، يكفي أن يعرف المخبر القواعد وأن تتكرّر اللعبة حتى يمسك بالمجرم». وفي ما يقوله رجل الشرطة أيضا، وهو برتبة لواء، إن الصدفة لا تلعب في رواياتهم أي دور، وأنهم يضحّون بالحقيقة من أجل القواعد الدرامية.
هكذا، في مطلع الرواية، يقدّم اللواء رجل الشرطة مطالعة كاملة في انتقاد الرواية البوليسية. أما محاوره، الكاتب، فلا نجده يدلي برأي ولا مداخلة. إنه صامت تماما ولا ينطق بشيء سوى بسطور وُضعت ضمن هلالين في الصفحة 202 من الرواية، أي أنه، هو الذي يتقدم في البداية كونه الراوي، سرعان ما يسلّم هذه المهمة إلى سواه، فيبدأ رجل الشرطة حكيه، بما يشبه جملة واحدة متّصلة، لن تنتهي إلا مع انتهاء الرواية.
أما ما يحكيه فهو تفصيل لفكرته أعلاه عن كون الكتابة البوليسية مجرّد عمل حسابي ورياضي. وهو، للدلالة على ذلك، يروي حكاية ضابط شرطة اسمه متّى عُرف بمهارته في كشف الجرائم وتعقّب مرتكبيها. كان متّى في نهاية عمله في تلك المدينة السويسرية، إذ كان أعدّ العدة للانتقال إلى الأردن لتسلم وظيفة مهمة فيها. لكن، في يومه السويسري الأخير، قُتلت فتاة في الرابعة عشرة بعد اغتصابها، واشتُبه ببائع جوّال صادف مروره في الغابة، حيث وقعت الجريمة، فاعتُقل، وأُجبر، تحت الضغط الشديد، على الإعتراف، ما أدى به إلى أن يشنق نفسه في زنزانته.
وحده الضابط متّى رأى أن البائع الجوال بريء، حتى إن كان غير معتمد في رأيه ذاك إلا على حدسه. لقد صدّق ما سمعه من المتهم، مرّة بعد مرّة، إنه ليس القاتل، فوَعَده متّى، قبل أن ينفّذ الرجل الإعدام بحقّ نفسه، بأن يبحث عن القاتل الحقيقي. وهذا ما فعله، بالاشتراك مع رجال شرطة آخرين، وبينهم الراوي نفسه، ثم بمفرده مستكملا العمل بنفسه. وقد غالى متّى في تتبّع خيوط الجريمة. فهو ظلّ مصرّا على براءة البائع المتجوّل، رغم أن التحريات لم تأت بجديد، فترك وظيفته، واشترى محطة لبيع الوقود ليكون فيها على مقربة من سائقي السيارات (حيث أن مَن يشتبه بارتكابه الجريمة يملك سيارة أمريكية سوداء) وتبنّى من دار الأيتام فتاة تشبه الفتاة القتيلة لتكون طعما يصيد به القاتل.
لم يصل متّى من ذلك إلى شيء. في أحيان كان يبدو على قاب قوسين من الإمساك بذلك الشبح، الطويل الضخم، الذي كانت الفتاة القتيلة رسمته على دفترها. لكن شيئا ما، في آخر لحظة، كان يُبطل الخطة. ومع توالي المحاولات الفاشلة كان متّى يتحوّل إلى أن يكون هو بطل الرواية الدرامي، أي أن يصير ضحيّة مجرياتها. لم ييأس أبدا، وهو لذلك استمرّ في هبوطه الجسدي والنفسي، ومعه الفتاة المتبنّاة وأمها الغانية التي راحت تعمل في منزله الملحق بمحطة الوقود.
في بداية الرواية كان دورِنمات قد عرّفنا على متّى كما آل إليه حاله في ختامها: «كان يرتدي معطفا أبيض، قذرا مبقّعا، وسروالا غامقا بلون الشحم، كان ذات يوم جزءا من بدلة سموكنج. في القدمين حذاء منزلي عتيق. كلن يحملق أمامه في بَلادة، ومن بعيد شممت رائحة الخمر تفوح من فمه». هذا هو الرجل الذي سيظهر، حين يبدأ سرد الأحداث، الضابط الأكثر كفاءة في قسم الشرطة، والمستعد في اليوم التالي للسفر في مهمّة ذات طابع دولي. ذاك السقوط هو الذي حوّل الرواية من كونها بوليسية إلى أن تصير رواية مصير تراجيدي، ناسفا ما تقوم عليه البوليسية من حياد ومن إبقاء البطل البوليسي كما هو غير قابل لأي انكسار. إنه، في العادة، البطل الذكي، مؤدّي الأدوار المتسلسلة التي يخرج منها على شاكلة ما دخل. هو من يفكّ الأحجيات الذي تتجلّى بطولته أكثر فأكثر كلّما تعقّدت الإحجيات وتشابكت. متّى شخصية أخرى، شخصية غير بوليسية، هَوَسية وعدالية على نحو شبه مرضي. وهو، بدل أن يخرج من الرواية منتصرا، كمثل ما ينبغي لمن هم مثله، ها هو يتساقط مهزوما حتى بلوغ القاع. ولا يهمّ أن يحدث في الرواية أمر يدل على أنه كان محقّأ في حدسه، إذ يتبيّن أن هناك ما يثبت أن القاتل موجود وطليق فعلا، وأن العدالة لم تتحقق، بل إنها عدالة قاتلة طالما أنها كانت ستعاقب البريء لو لم يقم بقتل نفسه تخلّصا من ظلمها.
«الوعد» هي من أكثر روايات دورِنمات البوليسية كمالا، حسب التعريف به في صفحات أخيرة من الكتاب. لم تكتب فقط لإثبات أن هذا الصنف من الروايات غارق في رياضيته وفي الزهو بأبطاله الأذكياء وأصحاب الأمزجة معا، بل لتقول إن العدالة لا تتحقّق إلا في ما ترويه الكتب البوليسية. أما العدالة الحقيقية فمتراوحة غالبا بين النجاح والفشل، بين الاقتصاص من القاتل والاقتصاص من البريء.
*رواية فريدريش دورِنمات «الوعد» صدرت عن دار الكرمة للنشر. نقلها عن الألمانية سمير جريس في 2017. يُذكر أنها كتبت في الأصل كسيناريو لفيلم سينمائي، ثم رأى كاتبها أن يعيد صياغتها كنص روائي.
ترجمت إلى لغات عديدة واقتُبست مرّات لعروض مسرحية، كما جرى تصويرها سينمائيا في بلدان عدة. آخر ظهور سينمائي لها كان في الولايات المتحدة بإخراج شون بن وبطولة جاك نيكلسون. يقع النص العربي في 234 صفحة.
٭ روائي لبناني
حسن داوود