بين اولئك الذين ينتظرون المسيح اليوم، ربما اقامة الهيكل، وبين أولئك الذين لا يزالون يعيشون في ظل الكارثة ويعيشونها وكأنها لا تزال تحدث اليوم، في اجواء الإرهاب والخوف من الخارج ومن الداخل، يبدو أن الزمن يتوقف. وكأننا عدنا إلى تجربة المنفى التي راوحنا فيها على مدى مئات السنين بين ذاكرة خروج مصر وبين ذاكرة الخروج إلى المنفى ـ بين ماضي الخراب وبين التوقع للخلاص ـ في ظل تاريخ سلبي صممه الاغيار.
هذا التاريخ سعى الصهاينة الأوائل إلى تغييره حين قرروا ان يديروا الظهر للمنفى والعودة إلى بلاد إسرائيل، إلى حياة العمل الفاعل لشعب يبني مصيره بيديه ويصمم تاريخه. ولعل هذا هو الوقت للعودة إلى ذاك الفكر الذي قدمه أ. د غوردون.
صهيونية أ. د غوردون وصهيونية الطلائع الذين عبر عنهم تقوم على اساس الحياة التي فيها العمل لا ينفصل عن الانتاج، والانتاج يرتبط بالحلم، والحلم يعود ليرتبط باسرة الشعوب والانخراط في المحيط القريب والبعيد. هكذا صاغ هذا غوردون حين تحدث عن «المسؤولية الاخلاقية عن كل الآخرين، التضامن مع باقي العائلات، الأمم، الناس». لعله لا يمكن العودة إلى ذات الفترة، ولكن تلك الافكار يمكن أن نحييها اليوم ايضا، وكذا الافعال التي كانت تنطوي عليها.
يمكن مثلا احياء رؤيا بنحاس بروتنبرغ عن اقامة محطة توليد للطاقة، فيها «لا يكون فرق بين شخص وشخص، يهوديا أم عربيا، حيث سيتمتع الجميع بحقوق متساوية… ولن يكون فرق بينهم إلا على اساس الكفاءة والنشاط». افلا يمكن محاولة العودة إلى ذاك التاريخ ومن هناك مرة اخرى تخطيط مشاريع الصناعة التي جمعت المهندسين، العمال، الفنيين، الكهربائيين وما شابه ـ يهودا وعربا ـ كي نجعل هذا المكان مكان ازدهار بدلا من مكان إرهاب؟
عندما قررت ان أنقل صناعات يشكر من نهاريا إلى الجليل، اردت أن اواصل مثل أسلافي تجسيد الحلم الصهيوني عبر تنمية الانتاج والعمل. آمنت في حينه بان على الصناعة ان تحتل مكان الزراعة. الصناعة، ليس مثل الزراعة، لا ترتبط بمصادر مياه كثيرة ولا باراض واسعة ـ وهما مقدران ناقصان في البلاد، يشكلان سببا ثابتا للنزاع. ولكن ليس فقط الخلاص عبر العمل هو ما بحثت عنه مع الانتقال إلى الجليل، بل خلق مجال جديد نتمكن فيه بالتدريج من أن ننهي حقا النزاع مع العرب.
اؤمن بكل قلبي بان على اليهود في البلاد أن يتركوا الوسط وان يأتوا للاستقرار في الجليل، ولكن يجب عمل ذلك ليس على حساب العرب بل إلى جانبهم ومعهم. علينا أن نعمل على تنميتهم وازدهارهم إلى جانب رغبتنا في التنمية والازدهار. في مشاريع يشكر يعمل كتفا إلى كتف، يهود، دروز، عرب مسيحيون ومسلمون. حربنا ليست الحرب من واحد ضد الاخر. كلنا في الحرب للانتصار في سوق الصناعة الدولية. معركة لمزيد من الانتاج ومزيد من البيع. معركة ينتصر فيها الجميع.
مشاريع من هذا النوع هي التي تحقق اليوم الحلم بالعمل كانتاج ثقافي، بلاد ومجتمع، كبنية تحتية للعلاقة بالمكان والتضامن بين العائلات، الأمم والناس. هذه هي البلاد التي قادها اوائل الصهيونية، وهي ما ينبغي أن نواصل التمسك به اليوم.
يديعوت 10/1/2016
ستيف فارتهايمر