متاهة اللغة القصصية

حجم الخط
1

كيف يمكننا، نحن الكتّاب العرب، أن نؤسس لفن قصصي ذي مستوى رفيع عالمياً ويحمل في الوقت نفسه، وبشكل من الأشكال، سماتنا الخاصة وهويتنا العربية؟
لقد تأكد لنا، عبر السنين، أن هذا التساؤل لم يكن ترفاً، بل هو عصب الفن وأساسه. ذلك أن ممارسة الكتابة لا تعني شيئاً بالضرورة، فقد تكون عملاً عشوائياً، وقد تستمر، بعشوائيتها هذه، طوال العمر، حتى يتدخل عنصر آخر في الأمر، فيحيل هذه الممارسة إلى فعل منظم ذي هدف فني معلوم. ذلك هو النضج الفني. إن الحديث عن النضوج الفني طويل ومعقد بعض الشيء، وقد يؤدي بنا إلى الدخول في تشعبات الفن القصصي وطرقه وأسسه السليمة، وغير ذلك مما قد يطول شرحه ومما قد أكون غير قادر عليه في الواقع. ما يهمني هو أن أعرض بعض الأفكار فيما يخص مشكلة واحدة من مشاكل الفن القصصي، وهي التي وجدتها ذات خطر، وأعني بها مشكلة اللغة.. مشكلة البحث عن اللغة العربية التي هي لغة الفن القصصي؛ ولا أقصد اللغة التي تصلح للفن القصصي أو تلائمه أو تنسجم معه. كلا، بودي أن أتحدث الآن عن لغة الفن القصصي ثم بعد ذلك عن الدلالة القصصية لهذه اللغة.
هنالك، في اعتقادي، مرحلتان في عمر الكاتب القصصي فيما يخص علاقته باللغة؛ الأولى حين يحس إحساساً مركباً، خلال ممارسة الكتابة، بأن اللغة تضيعه، والثانية حين يدرك ـ بعد النضوج ـ أن اللغة صارت معه ولكنه ضائع لأسباب أخرى.
في المرحلة الأولى يجد الكاتب أن وسيلته اللغوية التي ورثها ونشأ عليها، تزوغ به عن الطريق الموصل إلى هدفه الفني. إنها لغة لم تشذّب ولم تُصقل كما يجب، إذ لم يفكر الأسلاف باستعمالها على هذا المستوى لتحقيق غاية فنية لم تكن معروفة آنذاك؛ فهي، والحالة هذه، متاهة من رمال متحركة، تسيطر عليها قوى مجهولة توجه قلم الكاتب أغلب الأحيان وتقوده كما تشاء هي لا كما يريد. وخلال هذه الفترة من الضياع والمعاناة والشكوك التي قد تطول قبل بلوغ النضج، يتبين فيها الكاتب أن نوعية الكتابات التراثية لا تعينه كثيراً؛ حتى الأعمال التي يشتمّ منها رائحة الفن القصصي لا تفيده على المستوى اللغوي المطلوب، فليس واقعياً في الوقت الحاضر أن نتبنى لغة التراث الموجودة في كتب الأخبار أو في الخطب والرسائل أو تلك الموجودة في المقامات، و»كليلة ةدمنة» و»ألف ليلة وليلة»، إذ أن كل هذه اللغات خاصة بزمانها أولاً، وهي ثانياً ذات دلالة قصصية ضعيفة إن لم نقل منعدمة.
إن البحث عن لغة الفن القصصي حين لا يسعفنا التراث، لا بد، منطقياً، أن يكون في معرفة ماهية هذا الفن أولاً، وما أهدافه وقابلياته الممكنة ثانياً.
والآن. ما الفن القصصي؟ وما أهدافه؟ وبأية طريقة يحققها؟
لقد عرّفه البعض بأنه فن لغوي، وفي ظني أنهم مخطئون، فهذا الفهم سيجعلنا نواجه بعض العقبات وننتهي بعدئذ إلى باب مغلق أو شبه مغلق. ذلك أن من تبعات هذا التعريف أن تتراجع مهمة الإيصال إلى الدرجة الثانية أو الثالثة، لتصبح اللغة هي الأساس والهيكل والهدف. وبتراجع أهمية الإيصال، ومن بعدها التلقي، تتضخم اللغة تضخماً مرضياً وباستمرار، وتأخذ بابتلاع ذاتها لتوليد لغة أخرى، تقوم هذه أيضاً بعملية ابتلاع وتوليد ثانية، وهلم جراً.
إن الأخذ بهذا المفهوم الخاطىء يصيّر من الأدب القصصي، كما هو لدى البعض، هياكل لغوية فارغة، ذات مداخل ومخارج أفعوانية، فليس هنالك بداية لأي شىء ولا يمكن بالطبع أن ننتظر نهاية ما.
إذن، فالفن القصصي ليس فناً لغوياً بهذا المفهوم، مثلما النحت ليس فناً رخامياً. ذلك أن الفنون، كما نعلم، تستخدم موادها الخام من أجل صياغتها بهدف الوصول إلى غاية جمالية أسمى، موجهة بالأساس إلى ذهن المتلقي ودخيلته وذوقه. لهذا، أجد من الأصح في تعريف الفن القصصي، أن نقول بأنه فن يتخذ من اللغة وسيلة للإيصال والتأثير، بهدف بناء عالم متحرك في مخيلة القارئ، مستغلاً، لتحقيق هذا الهدف، ديمومة القارئ النفسية من أجل إمتاعه وإغناء حياته.
إن مثل هذا المفهوم للفن القصصي يمنح الكاتب حرية باتجاه معين ويضع له الحدود التي تحفظ له جهوده من الضياع ويفتح أمامه، في الوقت نفسه، طرق التجديد المشروعة.
واسترسالاً مع هذه المنطلقات، يمكننا أن نأخذ فن الأقصوصة مثالاً أساسياً ومهماً للفن القصصي عموماً، ونطبق عليه ما أسلفناه من مفاهيم. إن كاتب الأقاصيص يجد نفسه، بالضرورة، يعمل ضمن حيز محدود، تحسب عليه فيه، لا الجمل أو الفقرات فحسب، بل الكلمات المفردة أحياناً. فإذا ما ركّزنا على لغة هذا الفن وأكثرها تحقيقاً لغايته باعتبارها وسيلة للتأثير، لوجدنا بأن ليس من الممكن تقديم نموذج أو طريقة خاصة في الكتابة؛ فهذا أمر تعليمي وهو يجانب روح أي تنظير جدي.
من جهة أخرى، بمقدورنا أن نصف هذه اللغة ونحيطها بدائرة ونشير إليها بإشارات يفهمها من عانى في البحث عنها.
يبدأ الخلق القصصي منذ الجملة الأولى، إن لم نقل منذ الكلمة الأولى، في الأقصوصة. فالمجال ضيق كما قلنا ولا يمكن إضاعة الوقت في استرسال غير مجدٍ أو في تلاعب لغوي. وعلى هذا فالبداية تسعى بالتوجه البسيط والمباشر لإحداث أثر في مخيلة القارئ أو لما يشبه الصورة. وفي ظني أن لغة مثل هذه يتوجب أن تكون لغة شفافة مصفاة، يجري ما أمكن إضمار معناها النفعي من أجل إبراز دلالة فيها ضمن التركيب القصصي. إنها لغة مصهورة لتحقيق هدف محدد، وهي إذ تلتزم غاية البساطة والانمحاء أمام بصر القارئ، فذلك من أجل أن تتسلل برفق إلى دخيلة نفسه ومخيلته دون عائق من لفظة غريبة أو صياغة معقدة.
إن النجاح في إحداث هذا الأثر هو بحد ذاته عملية سحرية فذة، تُستخدم لتحقيقها قابليات الإنسان الرائعة للتخيل والتركيز وتمثّل الإشارات وانفتاح الذات الزمني؛ فمن علامات ملتوية على الورق تُشاد أعجوبة خلق فنية تتجاوز هذه العلامات بمراحل.
وبمقدار العناية التي عملنا بها على خدش ذاكرة المتلقي بتأثير معين، يقتضي منا أمر الاحتفاظ بزخم هذا التأثير واستمراره عناية أكثر؛ فالصورة الأولى الناتجة عن التأثير الأول، إذ تتبعها صورة أخرى وثالثة ورابعة، يمكن أن تسمح بتكوين سلسلة من التأثيرات المصورة، تتحرك تلقائياً بإرادة القاص في نفس القارئ.
إن القارئ/ المتلقي، والحالة هذه، يمر بتجربة إبصار من نوع خاص وفريد جداً، وهو يشاهد ويعيش من الداخل، في الآن نفسه، أجواء الأقصوصة وبواطن الشخصيات.
ولا نغالي إذا افترضنا بأن هذه العملية ذات الأبعاد الفنية، لا تنتهي بانتهاء الأقصوصة، فالقارئ الذي مرّ بعملية الخلق هذه بوصفه طرفاً ثانياً، لا بد أن يتبقى في نفسه منها ـ ولأمد طويل ربما ـ معنى ما، أو نغم مبهم، أو ذكرى.

مجلة «فصول»، تموز (يوليو) 1998
الحياة».
مخزون المسرات والأوجاع

لم يخلّف الروائي والقاصّ العراقي (1927 ـ 2008) عدداً كبيراً من الأعمال، لكنه في المقابل ترك إرثاً سردياً عراقياً، وعربياً، هاماً ونوعياً؛ سواء من حيث الموضوعات التي تناولتها كتاباته، أم من حيث أسلوبيته الخاصة وطرائقه في تنويع البنى الحكائية وأنماط السرد. وإذا كان غائب طعمة فرمان هو رائد الرواية العراقية الحديثة، خاصة في عمله «النخلة والجيران»، 1965؛ فإنّ ريادة القصة العراقية المعاصرة، والحداثية، تذهب إلى اثنين: التكرلي، وعبد الملك نوري.
ولا عجب في أنّ التكرلي، إذْ قدّم لمجموعة نوري القصصية «ذيول الخريف»، كتب يقول: «كان عبد الملك في محاولاته الأولى يهتم بأن تكون لغته القصصية رصينة وصحيحة ومرضية على المستوى البلاغي، فاتجه لقراءة كتب التراث بين الحين والآخر لكي يستمد منها ما يريد . وكنت ــ من جهتي ــ أعتقد أننا يجب أن ندخل نوع اللغة القصصية المستعملة، ضمن منهج تطبيقي يتوخى خلق جو قصصي وشخصيات في ذهن القارئ، وأن لا فائدة ترجى من لغة لا غاية محددة لها. لقد توصلنا بعد سنين قليلة من تعارفنا، إلى الاتفاق على الركائز الفنية الضرورية التي يمكن أن يقام عليها فن عراقي ذو امتياز في أدب الأقصوصة، ثم تركنا ، بعد ذلك ، لأنفسنا لكي نحاول ، كل حسب طاقته ومخزونه الحياتي وأفكاره، تنفيذ تلك المقولات وصبها في قالب فني متمرس».
وكان لاشتغال التكرلي في سلك القضاء، ثمّ تجواله بين فرنسا وسوريا وتونس والأردن، أثر بالغ في ما عكسته أعماله من الشخصيات المتباينة، الواقعية والمتخيلة، والمواقف الإنسانية والوجودية المشحونة بالدلالة والمغزى، وبالرمز المجازي والإشارة الفعلية، فضلاً عن التوظيف العالي والبارع للعوالم النفسية والأسطورية التي يزخر بها المجتمع العراقي. وبين أبرز أعماله: «الوجه الآخر»، «خاتم الرمل»، «الرجع البعيد»، «المسرات والأوجاع»، و»بصقة في وجه الحياة».

 

 متاهة اللغة القصصية

فؤاد التكرلي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية