مستعدون للتحول

حجم الخط
0

تخيلوا أن نشيط حربجي مثل براك كوهين مثلا، يرشح نفسه لرئاسة الحكومة بناء على برنامج تأميم البنوك، إقالة مدراء اتحادات التأمين ومضاعفة ميزانيات الصحة والتعليم. وسائل الاعلام والمؤسسة السياسية والاقتصادية كانت ستهاجمه بسبب هذه البرنامج «المتطرف» وبسبب الفظاظة، وكانوا سيلقبونه بـ «الهذياني». وفي اللحظة الحقيقية في صناديق الاقتراع سيحصل حزبه على 24 مقعدا. هل تخيلتم ذلك؟ هل هذا مبالغ فيه؟ هذا ما يحدث في فرنسا بالضبط مع المرشح الراديكالي جان لوك مالنشون الذي فاز بـ 20 في المئة من الاصوات في الانتخابات للرئاسة.
هذه القصة أكبر كثيرا من مالنشون. وعمليا، اغلبية ساحقة من المصوتين الفرنسيين أيدت المرشحين، بما في ذلك مارين لوبان، المرشحون الذين طرحوا برنامجا اقتصاديا اجتماعيا راديكاليا.
رفع نسبة الضرائب للفئة المئوية العليا، وتقليص اسبوع العمل… كان يجب رؤية التحمس الذي أثاره المرشحون في اوساط الشباب عندما تحدثوا عن المجتمع «99 في المئة»، 1 في المئة فقط يضعون في جيوبهم مبالغ مالية. هذا ما كان واضحا في الولايات المتحدة ايضا في التصويت الساحق لدونالد ترامب وبارني ساندرس. وهذا ما حدث في خروج بريطانيا من الاتحاد: «الجمهور لا يخشى من الافكار الراديكالية، حتى لو كانت ثورية. فهو مستعد لخطوة اقتصادية اجتماعية بعيدة المدى».
كانت دولة الرفاه الاوروبية اساس مرحلة السلام الداخلي للقارة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. وكان من المفروض أن يكون الاتحاد الاوروبي ذروة هذه العملية. ولكن دولة الرفاه التي شكلت نموذجا للاحزاب الاشتراكية الديمقراطية في ارجاء العالم وتمت الموافقة عليها في اوروبا ايضا من قبل اليمين السياسي، انهارت في الجيل الاخير، بدءا من تاتشر في بريطانيا ومرورا بأسنار في اسبانيا وانتهاء ببرلسكوني في ايطاليا. في الدول الشيوعية سابقا التي انضمت فيما بعد إلى الاتحاد الاوروبي تحدث هذه العملية بشكل أسرع. الدفاع عن اماكن العمل، العمل المنظم وقوانين العمل بشكل عام، التقاعد والصحة الحكوميين، الدعم الاشتراكي، التعليم المجاني ـ كل ذلك تزول لصالح المال والفائدة منه. صحيح أنه لم ينجح أحد في اوروبا في الاضرار بدولة الرفاه بنجاعة ومنهجية مثل التي يقوم بها نتنياهو هنا، لكن حتى في السويد ـ النموذج الابرز لدولة الرفاه ـ كان اولوف بالما سيتقلب في قبره لو كان شاهد ما حدث في دولة الرفاه خاصته.
في فرنسا يسمونها «الانجازات الاجتماعية». كل شخص هناك يعرف عما يدور الحديث: التعليم والصحة للجميع، حقوق للعمال، ديمقراطية. إلا أن ما كان مفروغا منه إلى ما قبل سنوات قليلة يتعرض الآن إلى خطر حقيقي. بعد عقود من الخصخصة تكتشف الطبقة الوسطى ايضا أنها تنهار. رد الجمهور الغاضب والخشية من فقدان الانجازات الاجتماعية يتم طرحها الآن على أنها «لا تتحمل المسؤولية» نتيجة التحريض من قبل مرشحين «شعبويين» و»متطرفين». ولكن ما هو التطرف في التحفظ من رئيس يتوقع منه أن يكون اشتراكيا ويتمتع من الاستخفاف بالفقراء والمتضررين؟ زوجة فرانسوا أولاند السابقة كشفت عن تلون الرئيس في كتاب جريء. وقالت إنه يسمي الفقراء «بدون أسنان» ويتفاخر بالدعابة لديه.
في الحقيقة، لا حاجة إلى هذه النظرة من وراء الكواليس. فالجمهور الواسع يدرك أن هذه المؤسسة لم تعد تخدمه منذ زمن. والشبكات الاجتماعية هي عامل حاسم في بلورة الوعي الجديد. لا يوجد شيء «متطرف» في الحفاظ على الأمن الاجتماعي. الامر «شعبوي» بالفعل، ومن العدل أن تتم المطالبة بزيادة الاستثمار الحكومي في الصحة والتعليم ودعم المعاقين والمحتاجين. ومن يخشى من استخدام هذه الموجة بشكل سيء من اجل التحريض ضد الاقليات وزيادة العنصرية وزيادة قوة اصحاب النفوذ، يفضل أن يفهم الرسالة.

هآرتس 25/4/2017

 مستعدون للتحول
ما يحدث في الانتخابات في فرنسا وأوروبا ليس تطرفا بل محاولة لانقاذ دولة الرفاه من الضياع
نيتسان هوروفيتس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية