في الوقت الذي تصدح فيه أغاني الفرح والسرور بحلول عيد الميلاد في كل أنحاء العالم، تغيب مشاهد البهجة والأمل من وجوه العراقيين، وتأخذ شكلا آخر تختلط فيه الأحزان بدعوات المصلين في الكنائس لعودة السلام لبلدهم العراق، والرغبة للتعايش المشترك بعد عمليات التهجير وممارسات «تنظيم داعش» الإرهابي الذي يهدف إلى إفراغ مدينة الموصل من أحد مكوناتها الأصليين .
لا شك أن جريمة تهجیر المسیحیین من الموصل يراد منها، شئنا أم أبينا، التأثير على التركيبة الديموغرافية للمجتمع العراقي، وبالتالي تهيئة الظروف المناسبة لتمزيق النسيج العرقي والاجتماعي لهذا البلد العريق، وتعريضه لخطر التقسيم والطائفية، فضلا عن مخاطر طمس الهوية التاريخية، نظرا لكون الديانة المسيحية هي إحد أهم ركائز حضارة بلاد الرافدين وعمودها الفقري في منطقة الشرق الأوسط.
من هم أصدق من المسيحيين العراقيين في فهم أحوال بلدهم الذي دمرته الحروب والفتن الطائفية، حيث ليس هناك من هو أصدق من الضحية، حديثاً وشهادة، ولا أشد منها فعلاً وإصرارا، إذ لا مجال لكلام غير كلام الشاهد إلا أن يُصدّق، ولا مساحة لحديث غير حديث العراقيين أنفسهم في هذا البلد في أن يؤخذ، وليس هناك أدنى متسع للآخرين في أن يردّ كلامهم، أو أن يؤول على ما تمليه عليه مخططات ونوايا الآخرين.
فثمة من يريد اختزال التاريخ وغض الطرف عن دور الاحتلال والنظام الطائفي الجديد الذي جاء به في تهجير العراقيين من المسيحيين، ومن ثم محو العديد من فصوله المؤلمة وما اُقترف بحق العراقيين، فيصور جريمة التهجير في الموصل وكأنها مأساة المسيحيين الوحيدة، على الرغم من أنها ليست سوى حلقة سوداء من مسلسل تدمير العراق وتقسيم سكانه الأصليين تماشيا مع النوايا المعلنة التي ارتكز عليها مخطط الاحتلال، الذي يصبو إلى محو ذاكرة العراق، وقتل روحه المتمثلة بالمكون المسيحي الأصيل في وطنه الذي عاش وتوارثت به الأجيال.
فالعراقيون وعلى رأسهم المسيحــــيون يُحملون مسؤولية ما حدث وما يحدث في العراق للاحـــتلال الأمريكي لبلادهم، فهو السبب الرئيسي في عزلهم وتهميشهم. حيث كان للاحتلال والحكومات السابقة منذ 2003 الدور الأول في تهجير ما يقارب المليون مسيحي من دون أن تثار حولهم ضجة. كما انه بوجود السلطة الدينية الحاكمة بدأت وتوسعت الممارسات الطائفية وجرائم التهجير.
لقد أثبتت أحداث السنوات الإحدى عشرة الأخيرة بأنها الفترة الأسوأ على مسيحيي العراق، إذ أنها شهدت أكبر حالة نزوح لهم في تاريخ البلاد، بعد ان ساد العنف والإرهاب اليومي العراق الجديد، نتيجة لتصدر الجماعات الإسلامية الشيعية والسنية المتطرفة المشهد السياسي، وبدء ولادة بوادر صراع خطير بين السنة والشيعة في العراق، اذ لم يبق في مدينة البصرة في الوقت الحاضر كمثال، سوى بعض العائلات المسيحية، بعد أن كان عددها يقارب الـ 1150 عائلة عام 2003 وبشهادة أحد مسؤولي الكنيسة الكلدانية في هذه المدينة الجنوبية المهمة، حيث جرى تهجيرهم من العاصمة بغـداد والبصرة من قبل المليشيات والأحزاب الطائفية إلى مناطق ذات صبغة دينية وطائفية موحدة ومتجانسة، بحجج دينية وطائفية ضيقة تتعلق بعاداتهم الاجتماعية الخاصة، كمحرمات شرب الخمر وبيعه وإلزامية الحفاظ على الزي النسائي الموحد وعدم التبرج والاختلاط الاجتماعي .
يتفق الكثير من المثقفين العراقيين وباختلاف أطيافهم على ان الاحتلال وبعد أن أخذ شرعية الأمر الواقع والمفروض بقوة الوجود العسكري، يتحمل الدور المباشر في هيكلة المأساة التي تعرض لها المكون المسيحي العراقي، بعد ان ساهم وشجع في تحويل الانتماء للوطن إلى انتماء لمذاهب دينية سياسية، حيث ساهم الانتماء الديني والطائفي في خلق ترتيب اجتماعي جديد، وبالتالي أدى إلى إعادة رسم الخريطة السكانية العراقية، انسجاما مع حجم وقوة نفوذ السلطة الطائفية الحاكمة وكثافة مكونها السكاني الطائفي في بعض المناطق.
من جهة أخرى، ساهم وصول أحزاب إيران الطائفية إلى حكم العراق، ومن ثم ولادة تيار الإسلام السياسي المتطرف المتمثل في تنظيم «داعش» في تزايد المخاوف لدى المسيحيين العراقيين فى مناطق الموصل، وسهل نينوى بالعراق، حينما أعلن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) إقامة ما يسمى بدولة «الخلافة الإسلامية» في شمال سوريا وشمال شرق العراق.
ففي الوقت الذي يتم تهجير سكان العراق الأصليين من المسيحيين، وإنهاء شعائرهم الإنسانية المسالمة عن طريق إرجاع مدينة الموصل إلى عهد الخلافة المتخلف، يسعى نظام إيران في العراق جاهدا إلى المتاجرة بدم الحُسين في كربلاء واستبدال ثقافة السلام والأمل والأعياد لمسيحيي العراق بعادات الحزن والبكاء عن طريق زج مئات الآلاف من الإيرانيين وتوطينهم في بغـداد والبصرة والمدن العراقية، ونشر ثقافتهم الطائفية القومية وتسهيل توطينهم في المدن الدينية العراقية.
إن غياب سمات البهجة والأفراح من وجوه المسيحيين في فترة أعيادهم المقدسة يتحمله الاحتلال الأمريكي، الذي زرع الطائفية، وعمق الطابع الديني المذهبي، كخطوة أولى على طريق إضعاف وتفكيك هذا البلد العريق.
لا ريب أن إفراغ البصرة وبغـداد والموصل من أهلها المسيحيين هي جريمة بحق هذا المكون الأصيل، كما انه يشكل وصمة عار لا يمكن السكوت والتغاضي عليها، وعليه فان إنقاذ المسيحيين وإرجاع بهجة العيد وقدسيته عن طريق حمايتهم في بلدهم، واجب وطني وأخلاقي يتجاوز كل الفوارق والاختلافات الدينية والقومية والمذهبية، لأن حماية المكون المسيحي، والايزيدي والصابئي يبدأ بحماية ثقافة وإيمان الإنسان العراقي في الدين، وحماية حقه في المواطنة أسوة بإخيه المسلم.
٭ كاتب من تيار المواطنة
أمير المفرجي