من سينجو ومن سيغرق في تونس؟

ليس مهما إن كان لمح للجوء لها صباح السادس والعشرين من اغسطس الماضي في جلسة منح الثقة بالبرلمان، ثم انكر لاحقا مساء اليوم نفسه نيته اعتمادها. فالعبرة دوما في الخواتيم.
وما يلوح حتى الان في تونس هو أن الخواتيم والنتائج تبدو شبه محسومة على الاقل في اذهان المسؤولين واصحاب القرار، بعد أن صارت سياسة التقشف التي قال رئيس الحكومة التونسية الجديدة انه سيضطر لتطبيقها العام المقبل ما لم تتخذ اجراءات لم يحددها خلال الشهور الباقية من العام الجاري جزءا من سلة شحيحة من الحلول والخيارات المرة والمحدودة التي اقتضتها الضرورة. المؤشر الاكبر على ذلك كشفت عنه فصول مشروع ميزانية الدولة الجديدة التي نشرها الاعلام المحلي قبل ايام ونصت بشكل واضح، بل ومبالغ بعض الشيء على خفض النفقات ورفع الضرائب وغلق المنافذ امام الراغبين في العمل في المصالح الحكومية، والاعلان عن انه لم يعد ممكنا سد الشغور التي ستحصل العام المقبل فيها، إما بسبب الوفاة أو الاستقالة أو الالحاق بمؤسسات اخرى، وهو ما يعني بالنهاية أن التونسيين سيقبلون على ايام وشهور اخرى اكثر قسوة وصعوبة من سابقاتها، وانهم باتوا مطالبين بالفعل بربط الأحزمة للآخر في انتظار فرج ليس بمقدور أحد أن يتوقع أو يحدد ساعة قدومه. إن البيضة التي كانت لعقود طويلة تبيض ذهبا في طريقها للاختفاء وربما للانقراض تماما بعد أن سدت مداخل الوظيفة العمومية الواحدة تلو الاخرى بشكل شبه كامل، وقال اكثر من مسؤول حكومي اخرهم وزير التشغيل إنه صار من الصعب أن يعاد فتحها مجددا قبل أقل من اربع أو خمس سنوات من الان إن قدر لها أن تفتح اصلا.
وبذلك يسدل الستار ولو رمزيا على زمن «المسمار في حيط» كما يصفه الناس في تونس، في اشارة إلى مزايا العمل في الدوائر التابعة للحكومة، التي تتلخص بنظرهم في حصول جيش من المحظوظين تفوق اعداده الثمانمئة الف عامل وموظف في دولة لا يتعدى عدد سكانها بحسب الاحصائيات الرسمية الاحد عشر مليون نسمة على مرتبات ثابتة وقارة لا تتأثر لا سلبا ولا ايجابا بقوة أو ضعف الجهد أو هبوط وصعود معدلات الانتاج، ولا حتى بالازمات والتقلبات المالية الظرفية. فالجهاز الرسمي الثقيل والمترهل لم يعد قادرا على التحمل ولم تعد له القدرة على استيعاب اعداد تزداد كل عام من الشباب العاطل الذي ما يزال يحن لأيام «المسمار في حيط». أما الفرص في الخارج فهي محدودة وشحيحة امام الصعوبات والمخاوف التي تمنع حتى الان رجال الاعمال المحليين من المغامرة بتوسيع استثماراتهم. والمحصلة بعد كل ذلك هو انه لم يعد بإمكان الديمقراطية الرخوة أن تصمد وتستمر في البقاء فقط بعمليات انعاش وقتية أو بالتنفس الاصطناعي، بقدرما صارت تتطلب ضخ دماء جديدة في شرايينها المسدودة. المعضلة الاساسية هي أن الكل يتفق على التشخيص والوصف، لكن الاختلاف يكمن في التفاصيل وفي سبل الخروج من الازمة. والكلمة السحرية التي تتردد باستمرار هنا هي الوقوف لتونس والتضحية لاجلها. اما المفارقة فهي أن تلك العبارة التي يفترض أن تقوي الجبهة الداخلية وتوحد الموالين والمعارضين صارت الان وقودا لخلافات وصراعات جديدة بين من يرون أن التضحية ينبغي أن تقوم على مبدأ تقاسم الاعباء بين الجميع وان الاجراء والموظفين «يؤدون واجبهم تجاه الدولة مباشرة وقد تحملوا اعباء كثيرة على امتداد عقود ولا يمكن إثقال كاهلهم بمزيد من الضرائب» وفقا لما جاء في بيان رسمي أصدره اتحاد نقابات العمال في الخامس من الشهر الجاري وبين من يعتقدون انه «من الضروري توسيع قاعدة المطالبين بالضريبة وعدم الاقتصار على مزيد الضغط على القطاع المنظم وانهاكه» والمطالبة بحد أدنى من الاستقرار والكف عن المطلبية النقابية المشطة وهو موقف اتحاد رجال الاعمال.
وبين التيارين القويين والمؤثرين تحاول السلطات السير على اكثر من حبل وتجنب الوقوع في فخ الحسم في صراع بيزنطي حول اسبقية البيضة على الدجاجة، وتحديد الجهة أو الطرف الذي سيتحمل القسط الاكبر من تلك التضحيات وكيف ستقسم الادوار والاعباء بين الفقراء والاغنياء والكادحين والمترفين ووفق اي منطق وخطة. وتكتفي بشيء من الدهاء بتمرير الكرة إلى ملعب برلمان تعلم مسبقا أن للنهضويين وما تبقى من الندائيين الكلمة الفصل فيه، ولا يبدو انها تنزعج كثيرا هذه المرة لغضب النقابات ورفضها ما وصفته تنصل السلطات من تعهدات سابقة بالزيادة في الاجور ولا حتى تهديدها بدعوة العمال الى التجند للدفاع عن حقوقهم الى التعبئة والاستعداد للنضال من اجل حقوق العمال بكل الطرق المشروعة. هل تفعل ذلك لانها تدرك أن معادلة «الشعب يريد» التي ظلت حاضرة بقوة طوال السنوات الخمس الاخيرة وكانت المنطلق المعنوي للمرحلة الجديدة اخذت في الانقلاب تدريجيا بفعل اكراهات الواقع المحلي والدولي إلى الجهة المقابلة أي «الدولة تريد»؟ أم انها تخوض مغامرة الفرصة الاخيرة للانقاذ من غرق وشيك ولا تهتم مع شدة العواصف والانواء والمخاطر لتذمر جزء من الركاب وسخطهم على الربان مادامت تدرك أن صيحاتهم لن تغير في الاخير من مسار الرحلة ومصيرها؟
إن المأزق المضاعف الذي تواجهه فضلا عن ضيق الخيارات وصعوبة الحسم فيها هو تعمق الحاجز السيكولوجي بينها وبين التونسيين وعدم قدرتها على اقناعهم بانه لن تكون هناك شلة محظوظة من الناجين في مركب الديمقراطية الجانح وبأن ذلك الجنوح في حال حصوله سوف يعني كارثة جماعية تشمل كل الركاب بلا استثناء، وبأن نجاحه في المقابل في الوصول إلى وجهته الختامية سوف يعني سلامتهم جميعا وبقاءهم على قيد الحياة. وما تواجهه السلطات هنا هو انها لم تعد تعرف بالضبط على اي رجل ترقص؟ وهل انه من الضروري أن تبادر لتخويف الناس من مصير مظلم ومجهول ينتظرهم في حال الفشل؟ أم لتحفيزهم ووعدهم بالخير العميم والرفاه في صورة الفوز بعد أن جربت كلا الخيارين واخفقت في الحصول على النتيجة المطلوبة؟ إنها لا تدري بالضبط ما الذي يريدونه فهم يطالبونها بالاصلاحات والمقرضون الغربيون الذين يقدمون لاقتصادها بين الحين والاخر جرعات موزونة ومحدودة من الاموال يطالبون بدورهم بالاصلاحات، ولكن لا احد منهم يبذل جهدا حقيقيا لدفعها نحو خيارات قد تلحق ضررا فادحا بمصالح المفسدين المحليين والاجانب. من أين تبدأ وكيف تكسب انصارا يحمون الديمقراطية ويذودون عنها في وجه المخاطر المحدقة بها، حين يترسخ الاعتقاد يوما بعد اخر و على مدى واسع بأنه لن يكون هناك من معنى لتضحية البسطاء والمعدمين مادام الافاقون والسماسرة والمضاربون الكبار سيحزمون امتعتهم كما يتوقع الكثيرون ويفرون في اللحظات الاولى لبدء الطوفان إلى جناتهم الضريبية تاركين الجمل بما حمل والبلد بمن بقي فيه من» الغلابة» الذين لا حول لهم ولا قوة.
مع تلك الصورة لا يبدو أن الرسائل التي تبعثها حكومة يفترض أن تكون حكومة وحدة وطنية كما يدل عليه اسمها تصل حتى الان إلى وجهتها النهائية المطلوبة. وربما عكس تصريح رئيسها في اول حديث أدلى به في التاسع والعشرين من الشهر الماضي إلى التلفزيون الرسمي جزءا من حالة السريالية والغموض التي لا تجد تفسيرا بعد. فقد قال جوابا على سؤال صحافي حول الطريقة التي ستتصرف بها حكومته مع الفساد والمفسدين «إن الفاسدين مكانهم السجن» وإن الحكومة لن «تدخر جهدا في محاصرة الفساد والفاسدين»، وإنه اعطى تعليمات لوزيري العدل والداخلية لاخذ اجراءات في الغرض. والمفاجأة التي حصلت بعد ايام من ذلك التصريح هي خروج وزير الوظيفة العمومية والحوكمة بتصريح مناقض قال فيه بانه «يجب عدم فهم تصريح رئيس الحكومة خارج سياقه. فنحن لا نزج بالاشخاص في السجون ونحن نحترم القضاء والاجراءات». هل بتلك التناقضات سيشعر التونسيون بأنهم يخوضون معا وبالفعل معركة وجودية من اجل الحفاظ على ديمقراطية تجلب العدل والانصاف لهم؟ أم انهم سيزدادون نفورا وهروبا من مواجهة واقع معقد ومستقبل مجهول؟ العبرة تبقى هنا ايضا ودائما بالخواتيم.
كاتب وصحافي من تونس

 من سينجو ومن سيغرق في تونس؟

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية