«نحن» ومؤتمر الرياض: المهمة المستحيلة!

حجم الخط
0

 نجح مؤتمر الرياض، ونجحت الدبلوماسية السعودية، وخرجت «ثوابت» و»رؤية سياسية» و»بيان ختامي» و»هيئة عليا للمفاوضات».. تلبي الحد الأدنى المقبول للشعب السوري وإرادته. هذا أول الكلام، وغايته الأولى!
وكنت قد قلت سابقاً، أنني «لم أتوجه إلى الرياض، ولم أتلق دعوة ولم أرفضها، وأتمنى بالطبع نجاح المؤتمر في تذليل إحدى العقبات التي تفصل بيننا وبين حرية وسلام سوريا، برغم الجهود الحثيثة من بعض «اللاعبين»- داخلنا وخارجنا- لإفشال المؤتمر…».
أكرر هذا في البداية توضيحاً. ثم أدخل في بعض جوانب الموضوع.
يعتري المعارضة والثورة السورية ميلان متناقضان، من الصعب، والمطلوب، الجمع الجدلي بينهما:
أولها يريد انتصار الثورة بشكل نهائي وحاسم، وإنهاء الاستبداد والسلطة الأسدية وصولاً إلى» إسقاط النظام» بكل رموزه وركائزه، مروراً على كلّ شيء، وتركاً لكل شيء للمستقبل و» قرار الشعب» لاحقاً. يذهب بعض أهل هذا الرأي إلى أن السلطة من حق المنتصر، ولا يعنون»الشعب» غالباً، ويستعين بعضهم بالاجتهادات والإيديولوجيا الإسلاموية من أواخرها. وثانيهما، ينطلق من الدمار والحاجة إلى الأمان، يريد مستقبلاً حديثاً ديمقراطياً مدنياً يحفظ للجميع حقوقهم ويؤمن لهم ضماناتهم وهواجسهم، ويرأف بالنظام الذي لا بدّ أن يكون جزءاً من المستقبل، فيصل إلى حيث طروحات دعاة أهل السلطة من غير قتلتهم المباشرين.
الموقف الصاحي هو الذي يؤلف بين المسألتين: تحقيق أهداف الثورة وضمان المستقبل الأفضل. وأهل هذا الرأي أغلبية قوية، لكنها قد تضيع أحياناً بين الصقور الكاسرة والحمائم الوديعة، اللذين يسودان المشهد عند المنعطفات القاسية.
الموقف السعودي ضمانة مهمة نسبياً وحالياً لهذا الجمع، لذلك كان مؤتمر الرياض فرصة ذهبية. ولكن في الساحة أطرافاً أخرى أقل وضوحاً، وأكثر سعياً وراء مصالحها المباشرة، بل الطارئة أحياناً. والمؤتمر من نتاجات اجتماعات فيينا، وتحت وصاية أهلها. ما جعله أضعف تمثيلاً لما يريده السعوديون، وما يريده شعبنا بعمومه، من قبل ومن بعد. مَن يتابع قائمة المسموح لهم بالحضور من وراء الجدران، يفهم جهات الشد والجذب. وهم أنفسهم من كانت لهم أدوار متفاوتة في تحديد هوية الحضور وصوغ التوازنات – أو غيابها – بين الأطراف والتوجهات!
هذا لا ينفي أن قائمة الحضور في النتيجة كانت الأكثر تعبيراً في هذه الظروف عن ميول شعبنا واتجاهاته، وبرأيي المتواضع. نحن نتحمل المسؤولية عن نواحي الضعف في هذه القائمة. حين اختطف شخص ما، يحمل مشروعاً ما، ويرتبط بشبكة علاقات ما، تمثيل الائتلاف، وهو قلب المؤتمر وضامنه، كما ينبغي أن يكون. إضافة أيضاً لخضوع التمثيلات الأخرى لضغوط شتى، ولميوعة موقف قوى دولية مسؤوليتها أكبر من غيرها، واندماجها بالمتطلبات أقل من غيرها.
هو من جوهر مشكلتنا اليوم ان تنافس القوى الاقليمية في جسد المعارضة السورية الضعيف بطبيعة الحال، ينعكس عبر بعض معارضين يتمثلون احدى تلك القوى أو سواها، فيمثلونها مبتعدين عن الإرادة والمصلحة السوريين الجامعين بحكم الضرورة أو بخيار الفساد. بذلك تمّ تحجيم ما كنا نعمل من أجله لفترة طويلة في الائتلاف الوطني، بقيادة هيئته السياسية، من تحضير للأوراق، واتصال سياسي مع كيانات المعارضة الأخرى والجسم الميداني من عسكريين ومجتمع مدني. وبالطبع، لم يذهب هذا كله هباءً، بل انعكس على عمل المؤتمر وساعد على تأمين طريقه للنجاح، بشكل متناسب أيضاً، تعارضاً واتفاقاً، مع تحضيرات أصدقائنا، والدولة المضيفة خصوصاً.
وبرغم ذلك، لقد نجح المؤتمر بتحديد ثوابت مقبولة، ستكون بذاتها مرجعية بعد الآن، كما نجح بتحديد معالم الرؤية السياسية للعملية التفاوضية. وما فشل فيه، هو الانتباه إلى أهمية إدراج بعض ما جاء في»الرؤية» ضمن «الثوابت»، ومنها مصير الأسد أو عملية الانتقال من الاستبداد إلى الدولة المدنية الديمقراطية، مثلاً. كانت هذه «شطارة» من المصمم!
ونجح المؤتمر أيضاً في اعتماد تصميمنا على ألا يختار وفداً، ينبغي أن يتم اختياره على أساس الكفاءة والاختصاص، بل هيئة تقود عملية التفاوض سياسياً، سمّاها هيئة عليا للتفاوض، ينبغي ألا تكون بذاتها مرجعية لأي انعطاف حاد في الموقف التفاوضي. ويبقى أن تكون هذه الهيئة أكثر قدرة على اتخاذ القرار الوطني: الذي أصبح هشيماً أو يكاد!
هنا نعود قليلاً إلى الائتلاف، الذي كنا نعتمد على صيانة خطه السياسي، وعلى وحدته، وعلى عمله بطريقة منتظمة من خلال فريق أو مؤسسة هي هيئته السياسية، بالتعاون مع شخصياته الوطنية البارزة. كانت عيننا على هذه اللحظة، التي ستحاول أطراف كثيرة أن تجعلها أساساً لإنهاء الائتلاف أو تحجيمه حتى يبقى مجرد دكان يمتلك رخصة واسماً تجارياً جاهزاً للبيع. في حين أردنا إبقاءه قوياً مع خطه، ضمانة للمسار وتغيراته اللاحقة، قوة ودعماً للعملية التفاوضية التي ما زالت حتى الآن في المساحة الغامضة المفتوحة، وقوة قادرة على وقف انحدارها إلى الجحيم حين تهمّ بذلك. هذا يبدو محاولة جديدةً لاجتراح المستحيل، مع أطراف ينصب اهتمامها على مشاريعها الخاصة، «حريرية» كانت أم» إقليمية» أم «شخصية» طامحة من دون حدود، وما زلنا – برغم كل شيء – نتكئ على احتمال نهوض قوى شعبية ومدنية وسياسية ما زالت بعيدة أو مُبعدة عن الفعل السياسي.
منذ زمن يقول رئيس الائتلاف الحالي، إن الائتلاف انتهى، ونقول غير هذا. في أحد الاجتماعات الأخيرة للهيئة السياسية، كان هنالك رأي موحد لـ22 عضواً منها، من أصل23. وكان وحده بعيداً، قوياً ومدعوماً بما لا نفهمه تماماً! وقد قاوم كل قرارات الهيئة السياسية التي تخص المؤتمر وغيره، وحلق بعيداً. نقطة ضعفنا الأخيرة هي اعتماد أصدقاء سوريا على أهمية توقيع «الشيخ» وحده، ربما استناداً إلى تراث الاستبداد بالأمر، أو توفيقاً لرأي أهل الحل والربط، الذين لم يعتبروا الممثل الشرعي شرعياً بما فيه الكفاية والكفاءة، ولم يتعاملوا معه من خلال مؤسساته!
حوصر الائتلاف بكل الأشكال منذ مدة، منذ ظهرت إلى العلن محاولات تعزيز استقلالية قراره، إثر الانتخابات التي نجح فيها هادي البحرة رئيساً، وكرد فعل مباشر. حوصر من داخله أيضاً، بطريقة خارجة عن كلّ قواعد اللعب والعمل السياسي، حتى وصلنا إلى مؤتمر الرياض ونحن أضعف من طاقاتنا الكامنة، ولهثنا بكل الوسائل لإنجاحه، إدراكاً لكون تلك الأفعال تهدف فيما تهدف إلى تحجيم نتائجه بعد أن فشلت في إفشاله.. وفتشْ دائماً عن الصراعات الإقليمية التي لا ينهيها التوافق بطبيعتها وطبيعة أطرافها!
فما هي المخاطر وما العمل الآن؟
سوف تذهب عملية التفاوض من جديد، وبشكل جديد، إلى أحضان المبعوث الأممي وخطته الأصلية المعتمدة على الانطلاق من التفاصيل إلى الكل، في تضييع للجوهر وحجب له. وسوف ننتظر التوافق الدولي الذي لا يلوح بعد في الأفق ولا نعلم مداه الزمني المحتمل. وسوف يستمر استعراض القوة الروسية، واستنكاف القوة الأعظم. كما سوف يتقدم وقف إطلاق النار إلى المقدمة، ما دامت العملية السياسية (الصغيرة أو الزائفة) ستبدأ مع مطلع العام القادم.. فتستنقع الحالة طويلاً، أو نستسلم، فنضمن تسريعها!
هذا ما يمكن أن يحدث، لو لم نعمل جيداً… خارج الائتلاف أولاً، ثم في داخله، لقلب هذه الطاولة التي تهتز أساساً بأرجلها الثلاث. بوحدة ميدانية سياسية مدنية، وبرنامج وطني فعال، ولكل معالمه التي أصبحت واضحة جلية كعين الشمس!
هنالك كل الأسباب الشخصية – بل الاستراتيجية – التي تدفع بالمرء إلى خارج الائتلاف. لكنه، استناداً إلى خطه السياسي، وخبراته، وتواصله الأكبر مع الأرض نسبياً، وتعدديته، ومشروعيته، كلها ما زالت تدفعنا للتمسك به، بل للتركيز على رسم الخطوط بينه وبين الهيئة العليا للتفاوض.. حتى لا نفقد بعض ما حققناه ونغدو أكثر فقراً وإملاقاً!

عضو الهيئة السياسية للائتلاف

موفق نيربية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية