كم مرة منذ هروب الرئيس المخلوع بن علي سمعتم أصواتا تتعالى وتقول بغضب وحدة «لا بد أن يعود لتونس عاجلا أم آجلا ليحاكم على ما اقترف من جرائم وانتهاكات. ولابد أن يلاحق المتورطون في قمع الناس ونهب خيراتهم وثرواتهم وينزل القصاص العادل بكل من أجرم في حق الشعب ونهب قوته وأثرى من عرقه»؟
ثم كم مرة سمعتم بعدها أصواتا أخرى ترتفع لتردد بنبرة هادئة وموزونة «ليست المسألة بالبساطة التي تتصورون ولا بد من الصبر، فالامور على قدر من التعقيد ومسالك القضاء ليست هينة وبسيطة، ونحن في دولة قانون ولدينا التزامات ومواثيق دولية، ولا يمكننا أن نتهم أحدا، أو نزج به في السجن من دون أدلة وقرائن وإثباتات، وإلا صرنا دولة استبداد لا دولة ديمقرطية»؟
لقد طار كل شيء وتبخر في الهواء. ويبدو أن الساعة التي ستتحقق فيها العدالة في تونس ويحاسب فيها القتلة والمجرمون واللصوص ويقفون صفا واحدا في قفص الاتهام مقرين بذنوبهم وجرائمهم، طالبين الصفح والغفران من ضحاياهم مازالت بعيدة، رغم كل المديح العالمي «للاستثناء التونسي».
ومن الواضح ايضا أن ما شعر به التونسيون قبل اكثر من ست سنوات من الآن، من أن ما كان يجري في بلادهم هو ثورة شبيهة بثورات فرنسا وروسيا وايران التي قرأوا عنها في كتب التاريخ، كان مجرد تهيؤات وخيالات عابرة، وان جيرانهم الشماليين في فرنسا كانوا محقين وقتها، حين سارعوا إلى تسمية الاشياء بمسمياتها، واختاروا عن قصد أن يطلقوا على الجنين الثوري الذي ظهر في المحمية الصغيرة السابقة «ثورة الياسمين». لقد كانوا يعرفون تونس معرفة دقيقة ويدركون انه لن يكون من السهل أن يتفكك بنيان دولة صنعت قبل ستين عاما بالمعاول والعقول الفرنسية، ويندثر في رمشة عين لمجرد أن رئيسها الذي لم يعد يملك القدرة على الدفاع بشكل جيد عن مصالح القوى الكبرى، أجبر على ترك البلد في ظروف مجهولة. وكانوا شبه متيقنين من انه لن يكون هناك سبيل لان يحاسب أحد أو يفتح ملف أو تكشف حقيقة، إلا في حدود ضيقة وبسيطة لا تمس جوهر ما كانوا يرونها مصالح استراتيجية حساسة، أو تغير اسس المعادلات القديمة أو تنسفها بالكامل. لقد توقعوا أن يشم التونسيون بعضا من زهر الياسمين الخادع وينساقوا وراء سحر الاحلام العظيمة، ثم طوفان المطالب والشعارات حتى تتكسر طموحاتهم في الاخير على صخرة الواقع الصعب والمر.
وقد تكون الاحداث اثبتت حتى الان صدق رؤيتهم وصواب توقعاتهم، ولكن هل كان ذلك هو الفصل الاخير والختامي للرواية؟ وهل غاب كل أمل في أن يمسك التونسيون يوما ما بزمام الامور ويسترجعوا بعضا من الآمال العريضة التي راودتهم قبل سنوات في الحرية والعدالة؟
إن الأخاديد والآثار التي تركها الزمن الثوري القصير الذي عاشته تونس بدأت تختفي وتذوب في زحمة الاهتمامات الطارئة. ولم تعد تلك التقاطعات العنيفة بين تطلع الناس للإنصاف ومصالح المتنفذين ومكاسبهم سوى سجالات عقيمة أشبه بصراع ديكة يحتد حينا ليخفت أحيانا اخرى. وبقدر ما بقي طريق العدل معقدا ومليئا بالثغرات والمطبات ومسدودا في بعض المرات، كان طريق طمس الجرائم ومواراتها، بل حتى تجميلها وتصويرها على أنها كانت أعمالا وطنية وبطولية معبدا ومفروشا بالوعود والأمنيات الجذابة. وفيما وجد حالمون ومتحمسون للخلاص من تركة الماضي، ظهر على الطرف المقابل مدافعون شرسون عنه وحربائيون أجادوا التلون وتغيير الجلود بسرعة بحسب اتجاه الريح، وسارعوا في وقت لرفع شعارات الثورة وتمجيدها، ثم هبوا دفعة واحدة في وقت آخر لقراءة الفاتحة عليها واعتبارها مؤامرة خارجية على الأمن والاستقرار في الدولة.
كان الحدث المفصلي هو الانتخابات البرلمانية والرئاسية الأخيرة التي جرت قبل اقل من ثلاث سنوات من الآن، وشكّلت طعنة قصمت ظهر الحالمين ونزلت بهم من عليائهم لتطلق للمرتزقة والافاقين أجنحة جديدة. فلم يصوت الناس مثلما انتظر الحالمون وتوقعوا للثوري المرزوقي، واختاروا بدلا عنه وبفارق محدود المخضرم الباجي قائد السبسي، الذي خدم في عهدي بورقيبة وبن علي ليكون رئيسهم، وكان الاخير واضحا وحذرا في الوقت نفسه وهو يقول في خطابه الاول في مجلس النواب بعد أدائه القسم أن «تونس محتاجة لكل ابنائها وبناتها بدون اي تمييز. كما انه لا مستقبل لها بدون مصالحة وطنية». لم يفهم الكثيرون ساعتها معنى المصالحة التي تحدث عنها الرئيس وما الذي قصده بحاجة تونس لكل ابنائها، ولكنهم عرفوا فيما بعد انها لم تكن تعني شيئا اخر غير أن يعيد كبار اللصوص بعضا من الاموال التي نهبوها وهرّبوا قسما واسعا منها إلى بنوك الشرق والغرب لتمحى بعدها بجرة قلم كل جرائمهم وخطاياهم ويسمح لهم بالاستمرار في النهب مرات مقبلة، بطرق اكثر مكرا واحترافية، مادامت تونس بحاجة لهم في الحاضر والمستقبل.
لقد قال المنظرون للفكرة إن ياسمين الحرية لن يتمكن من الصمود طويلا والوقوف بوجه النوائب والأزمات، ما لم يسق بجرعة من ذلك المال، وانه لا فائدة ترجى من سجن اللصوص، مادام بالإمكان أن يستفيد البلد من جزء من الثروة المسروقة. ولم يجد المنظرون والمدافعون عن الفكرة حرجا في أن يضعوا مقياس العدل والانصاف جانبا. وزاد فقدان الأمل في عدالة الارض من أعداد المحبطين واليائسين ومن طمأنينة الاثرياء والمرفهين، وتساؤلهم عما اذا كان الأفضل لبلد يقف على حافة الافلاس أن يكسب بعض المال بدل الانشغال بمحاسبتهم.
وجاءت صفعة قضائية صغيرة بداية الشهر الجاري لتعمق تلك الحالة وتنقل الامور إلى طور جديد، فقد كان الحكم بسجن وزراء في نظام بن علي ست سنوات على خلفية حفل أقامته المغنية الامريكية ماريا كيري قبل اكثر من عشر سنوات في تونس، فرصة لهم ليظهروا كمضطهدين سياسيين حوكموا وعوقبوا فقط لانهم كانوا جزءا من ذلك النظام. وارتفعت بذلك المطالب بارساء عدالة ناعمة لمن خدموا الاستبداد، واخرى غليظة وشديدة لعموم الناس. ولئن كانت السلطات تعرف جيدا أن لعبة التوازنات تجعلها تستبعد أي محاسبة فعلية الآن فإن ما لا يستطيع التونسيون الحسم فيه بسهولة هو ما إذا كانوا مستعدين للصلح مع المجرمين واللصوص؟ أم انهم سيتمسكون بمحاسبتهم ولو بعد حين وسيقدرون على تحمل تبعات قرارهم؟ ولكن التساؤل الأكبر هو ما إذا كانت لديهم قناعة حقيقية وحاجة فعلية وضرورية للمحاسبة أم لا؟ وهل إذا فتحوا ذلك الباب على مصراعيه فإن نتيجته الحتمية ستكون نصب المشانق والمقاصل وإغراق البلاد في حمامات دم نجت منها حتى الان بذلك الياسمين الفاسد؟
الشيء المؤكد أن الأصوات التي ستسمعونها في المرات المقبلة لن تكون شبيهة بسابقاتها. وقد تثبت للكثيرين أن التونسيين فهموا الدرس جيدا ولن يسمحوا لانفسهم بان يخدعوا بالياسمين المغشوش مرتين.
كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية