هل تمنى محمود عباس انهيار «البيت الأبيض»؟

حجم الخط
0

هذا الأسبوع بعد أن أحيينا هنا يوم اللغة العبرية، احتفلنا كلنا، بالمساعدة الأديبة للسيد محمود عباس ـ ألا هو أبو مازن ـ بأسبوع اللغة العربية في إسرائيل. محللون، خبراء في اللغة العربية ومستشرقون يتجادلون هذه الأيام بجدية كاملة في ما قصده فخامة الرئيس بقوله للرئيس الأمريكي: «يخرب بيتك». في دولة تعشق الخطاب السوقي، من الطبيعي أن تحتل شتيمة كتلك التي خرجت من فم أبي مازن، في خطاب مليء بنحو ساعتين أساس النقاش الإعلامي في اليوم التالي.
فتمنِّي خراب البيت لم يكن أساس خطاب أبي مازن، لكنه يمثل بتفانٍ علاقاته مع ترامب. جذور الأزمة الحالية قبل نحو شهر. فقد سمع الزعيم الفلسطيني من السعوديين أن الرئيس الأمريكي يوجد في مراحل متقدمة لبلورة خطة لتسوية دائمة مع إسرائيل. وعندما تعرف على تفاصيلها، أظلمت عيناه.
دولة فلسطينية عاصمتها أبو ديس، من دون إخلاء المستوطنات، وغور الأردن تحت سيطرة إسرائيل. ليس ترامب هو الذي يقف خلف الصيغة بل نتنياهو، قال أبو مازن لرجاله، وقرر إحباطها. مرت بضعة أيام، وصب زيتا إضافيا إلى الشعلة، حين أطلق ترامب تصريح القدس.
عشق ترامب خطة السلام بل وصفها بـ «صفقة القرن». فكيف تحل مشكلة كهذه في حارتنا؟ يتم استباق الهجوم بضربة. او بطريقة أبي مازن، يتم إعلان ترامب كجزء من المشكلة، وليس كجزء من الحل، وبعدها تقلب الطاولة عليه. إذا كان هذا هو سلام أمريكا، فقد قال عباس إننا سنتدبر أمرنا من دونه. وبالفعل، منذ مساء الأحد، وبدلا من الانشغال باستئناف المحادثات، يتحدث الجميع عن المدفعية الفلسطينية التي وقعت على البيت الأبيض.
عن علاقاته السليمة مع ترامب تخلّى أبو مازن منذ زمن بعيد. فالرئيس الأمريكي جمد منذ بداية ولايته الدعم المالي للسلطة، وألمح أن في نيته خفض المساعدة للوكالة أيضا. وعلى أي حال فإن الاتحاد الأوروبي وليس أمريكا هي الداعم الأساس لميزانية السلطة. وفي اللقاءات مع مبعوثي ترامب إلى الشرق الأوسط، غرينبلت وكوشنير كثرت الصراخات وقلت الثقة. وشعر أبو مازن أن واشنطن والقدس ارتبطتا معا لفرض دولة جزئية وبائسة عليه. فقرر العمل في ثلاث قنوات. أن يخلق أزمة حادة، استعراضية، تجعل من الصعب على ترامب التقدم في خطته؛ استغلال الاهتمام الدُّولي لتسويق رؤيا السلام خاصته. وجباية ثمن استعراضي لقاء الإهانة. وهكذا فعل.
نائب ترامب، مايكل بينيت، الذي سيصل الأسبوع المقبل إلى القاهرة، عمّان والقدس، لن يقترب من رام الله. فقد أعلنت عنه السلطة شخصية غير مرغوب فيها. وقال عباس أمام الكاميرات: «هذه ليست صفقة القرن، بل صفعة القرن، وسنردّها».

الذراع الطويلة لأمريكا

الشرخ بين المقاطعة والبيت الأبيض حقيقي، ولكنه ليس مطلقًا، صحيح أن أبا مازن قلب الطاولة على ترامب، ولكنه لم يحرق النادي، وهو يبقي لنفسه بوليصتي تأمين، لا يجري الحديث عنهما بشكل عام، ولا سيما حين تكون الأجواء مليئة بالمجادلات اللفظية حول الشتائم اللذيذة.
إحدى البوليصتين تسمى السي.اي.ايه، والثانية الشاباك. فالعلاقات بين محافل الاستخبارات الأمريكية وأجهزة أمن السلطة الفلسطينية متينة، وجذورها تعود إلى بداية عهد السلطة. فالأمريكيون هم الذين علموا، وجهوا وسلحوا جهاز الأمن الوطني الفلسطيني، الذي تأسس ليشكل نواة جيش مستقبلي، ولكن مهامه تشبه أكثر مهام حرس الحدود. كما أقاموا الحرس الرئاسي، الذي ينتشر رجاله في وزارات الحكم الفلسطينية ومهامهم الأساس حراسة أبي مازن وكبار رجالاته.
بالرعاية الحميمة التي بسطوها على السلطة، كسب الأمريكيون النفوذ ويسيرون في ساحة نشطة كالمقاطعة. ولكن الربح الحقيقي يجنونه في قناة موازية. فأجهزة الأمن الفلسطينية تعمل منذ سنين في خدمة وكالة الاستخبارات الأمريكية في القتال ضد الأرهاب الدُّولي. في زوايا عديدة في العالم توجد تجمعات فلسطينية، وأحيانا ينمو في أوساطهم التطرف. جماعات فلسطينية في الغرب، خلايا طلاب في الجامعات، او منظمات مثل القاعدة، داعش وأمثالهما يخدمون في صفوفهما. الأمريكيون، الذين يدعون بأنهم يخوضون حربا حول العالم ضد الإرهاب، بحاجة لذراع طويلة، لجهاز استخبارات صديق وذي فروع خلف البحر، لجمع المعلومات او العمل ضد هؤلاء الشبان. فهذه هي الصورة أيضا في علاقات السي.اي.ايه مع محافل استخبارات في عمان. ومثل الجماعات الفلسطينية، يوجد أردنيون أيضا في كل مكان. في الذروة، قاتل في صفوف داعش 3 آلاف مواطن أردني، والتعاون بين واشنطن وأجهزة الاستخبارات في رام الله وفي عمان ينتج منذ سنين معلومات كثيرة، إحباطات ونجاحات. لدرجة أنه أحيانا كانت الاستخبارات الأردنية ونظيرتها الفلسطينية في منافسة على القلب الأمريكي.
مع الشاباك (والجيش الإسرائيلي) القصة مشابهة. فقد أقام الطرفان منذ بداية أيام أبي مازن جهازا مشتركا لمطاردة نشطاء حماس والجهاد الإسلامي او كل من يتآمر على سفك الدماء.
أحد الطرفين يأتي بالمعلومات، والثاني ينفذ الاعتقال او العكس. هكذا أحبطت مئات عمليات القتل في عقد من التعاون، او كما تسمي السلطة هذا باللغة النقية ـ «التسيق الأمني».
أبو مازن ليس متعاونا، بل شريك. هكذا يزيح خصوم ويكسب هدوءا داخليا، في ظله يحفظ حكمه ويواصل وضع الأساسات للدولة المرجوة. أما إسرائيل من جهتها فتوفر فقدان الحياة.
إن الاتصال الوثيق مع السلطة وَلَّد تعلقًا إسرائيليا بالمخابرات العامة الفلسطينية وبالأمن الوقائي، جهازي الأمن المتصدرين لدى أبي مازن. لا يوجد اليوم ضابط في الجيش الإسرائيلي يعنى بالمجال الفلسطيني أو رجال «شاباك» (المخابرات الأسرائيلية)، يستخف بدورهم المركزي في حفظ الاستقرار في الضفة وفي القدس. صحيح أن إسرائيل تعرف كيف تتصدى وحدها للعنف إذا ما اضطرت، ولكن الثمن سيكون عاليا. في المرة الأخيرة التي وقفت فيها وحدها أمام هجمة إرهاب واسعة في الضفة وفي القدس، تفجرت الباصات في مدنها. ان التعلق الإسرائيلي بالتعاون من رام الله هو شهادة الأمان الثانية لعباس، بوليصتان، الإسرائيلية والأمريكية هما بالنسبة له كـ «القبة الحديدية». فهما تسمحان له بأن يبدي زعامة في الأزمة الحالية وعدم الانبطاح أمام الرئيس الأمريكي.
إذا؛ ماذا قصد أبو مازن عندما تمنى للرئيس الأمريكي خراب بيته؟ هل حقًا تمنى انهيار البيت الأبيض، الهيكل المقدس للعلمانية والديمقراطية الأمريكية؟ الجواب هو أن ليس مهما ما قصد. أهم من ذلك بكثير الكلمات والحقائق التي لم يعبر عنها. هذه الكلمات هي التي صاغها لنفسه على النحو التالي تقريبا: أنا أضحك عليك وعلى أمثالك، يا مستر ترامب. فأنت والإسرائيليين أيضا بحاجة جدا لنيتي الطيبة. ولما كنت حيويا لكما الاثنين، فلن تتمكن من أن تفرض علي خطتك للسلام ولهذا فاسمح لي أن أهنئك بأمنيات يخرب بيتك.

معاريف 19/1/2018

 هل تمنى محمود عباس انهيار «البيت الأبيض»؟
ترامب تخلّى عن أبي مازن منذ زمن بعيد… الاتحاد الأوروبي هو الداعم الأساس لميزانية السلطة
جاكي خوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية