هل يتحول بن علي إلى بطل قومي؟

خيبة أخرى لأنصار الجنرال الهارب واحبائه. لم يظهر كما توقعوا وانتظروا لا صوتا ولا صورة.
وسقطت في الماء كل التسريبات والتأكيدات التي ملأت على مدى الشهور الاخيرة صفحات معظم الجرائد المحلية، معدة سيناريوهات هتشكوكية للطريقة التي سيكسر بها صمت القصور والقبور المضروب حوله منذ خمس سنوات بالتمام والكمال. السبب ببساطة وكما يقول محاميه اللبناني أكرم عازوزي لوكالة فرانس برس هو انه لا يرغب بـ»تقديم أي تفاصيل عن حياته في المملكة السعودية»، أي أن الطبخة لم تستو بعد ولا يزال هناك قدر غير معلوم من التشويق والاثارة والغموض، قبل أن يكشف الستار نهائيا عن بطل الرواية ليعلن من كرسي الاعتراف الذي اختاره بنفسه ما يراه حقيقة وحيدة ينبغي على شعبه تصديقها والقبول بها قبول العجائز.
لقد فوت التونسيون اذن فرصة نادرة كانت تكون تاريخية للاستماع إلى رئيسهم الاسبق المخلوع زين العابدين بن علي في الرابع عشر من يناير بالذات، اي في التاريخ الذي صادف يوم هروبه من بلد حكمه بقبضة من حديد لاكثر من عقدين كاملين من الزمن، حتى يخاطبهم مباشرة وبلا حواجز او وساطات ويحكي لهم روايته الشخصية عما جرى في ذلك اليوم، وتفسيره لما قيل إنها مؤامرة داخلية أو دولية جرى التخطيط لها وتنفيذها بمهارة من اجل طرده والاطاحة به. والمبرر التقليدي الذي قد يفسر الموقف بحسب اكثر من مصدر هو ما يتردد دائما حول وجوب التزام الضيف بشروط وقواعد المضيف، واحترامه لاتفاق مسبق مع السلطات السعودية التي وفرت له الحماية واللجوء الآمن يقضي بامتناعه طوال مدة الاقامة في اراضيها عن الادلاء بأي تصريحات أو مقابلات مع وسائل الإعلام. وسواء كان ذلك الامتناع صادرا عن رجل مضطر او مختار فالنتيجة في كلتا الحالتين واحدة، وهي أن ذلك الحاكم الذي كان اسمه يكفي لادخال الرعب في النفوس، وغطى ظهوره الإعلامي خلال وجوده على رأس السلطة على كل شيء في تونس، إلى درجة لم يعد فيها وجود او ذكر للبلد بمعزل عنه تحت مبرر الحرص والحفاظ على مصالح الدولة، توارى بعد ذلك عن الاضواء وانكفأ داخل مساحة ضيقة ومحدودة بعيدة آلاف الكيلومترات، حفاظا على سلامته ومصلحته الشخصية. لقد ظل التونسيون يشاهدون صوره العملاقة في الشوارع والإدارات ويسمعون خطبه وأخبار مقابلاته الرسمية بشكل مستمر على شاشات التلفزيون، وصار ذلك الاحتلال الإعلامي اليومي يصيبهم بنوع من التكلس الفكري والذهني والارهاق، ويجعلهم يشعرون بأنهم مجبرون على متابعة مسرحية رديئة ومملة نزولا فقط عند رغبة مخرجها الذي لم يكن يعنيه كثيرا إن كان المتفرجون مرتاحين ومسرورين لعمله أم لا. لكن الاختفاء المفاجئ للممثلين والمخرج وغياب المسرحية وتحرر المشاهدين من شروط عرضها القسري جعلهم محتارين امام فراغ الركح، ثم امتلائه دفعة واحدة بخليط متعدد الألوان والوجوه لم يكن معهودا او مألوفا زمن الاستبداد. ما كشفته حدة وتنوع الإبهار البصري الذي تعرضوا له هو ظهور حالات مرضية غريبة داخلهم جعلت البعض منهم يطالب علنا وبشراسة بالانفصال العضوي عن النظام القديم والاجهاز على ما تبقى من رجالاته ورموزه بدون أن يتمكن من فك الارتباط الذهني والمعرفي به، وهذا ما دفع الكثيرين للتساؤل احيانا عن الغاية اصلا من وراء متابعة المسرحية أو الاشتراك فيها، وما الذي ستدره عليهم من عوائد ومكاسب عاجلة وفورية. خلف ذلك السؤال الملح كانت هناك اسئلة اخرى تطرح همسا ثم علنا وبشكل قوي ومسموع وهي، هل فعلنا خيرا حين أجبرنا الرئيس المخلوع على الهروب، وهل كان حالنا سيكون افضل لو استمر بالبقاء على رأس الدولة؟.
قد يكون الامر نوعا من الهلوسة أو رغبة في الهروب من مشاكل الحاضر ومحاولة مغشوشة وغير طبيعية للانغماس في الماضي، لكنه يعكس أيضا حالة من العجز والاخفاق في رسم وتحسس الطريق إلى المستقبل. ومن الطبيعي أن يشعر قسم واسع من المتسائلين بقدر من الخيبة والقلق وحتى الاحباط، لكن التوجيه الاعلامي المقصود لا يقدم لهم اصل العلة قبل البحث عن دوائها، بل يقودهم على طريق الخداع والتزييف إلى لعن اللحظة التي خرجوا فيها إلى الشوارع للمطالبة بإسقاط النظام، من خلال الربط بشكل جزافي ومتعسف مخالف للمنطق بين حصولهم على حرياتهم وبعض حقوقهم وافتقادهم للاحساس بالامن والرفاه المادي والاجتماعي. ما حصل هنا بالتحديد هو ان التونسيين الذين اعطتهم مرحلة ما بعد بن علي فرصة نادرة وثمينة لإعادة الاكتشاف، لم تعد لديهم مسلمات أو ثوابت او حتى ارض ثابتة ومعروفة يقفون فوقها، وصاروا بالمقابل ينظرون بشك وارتياب لكل ما يقابلهم ويفهمون التقلبات السياسية السريعة التي صادفتهم في الاعوام الاخيرة على انها الدليل القطعي على انه لم يعد هناك اخيار واشرار في المطلق، وان لعبة السلطة كما خبروها لم تعد تحتمل ملائكة وشياطين او ضحايا وجلادين. اما المستفيد الاكبر من ذلك بالتاكيد فهو بن علي نفسه وما تبقى من منظومة حكمه. لقد كان يرقب من منفاه كل الاحداث، بل يوجه ويرسم احيانا حتى التفاصيل الصغيرة، ولم ينس احد غير الحمقى والمخدوعين بالطبع أن خروجه أو هروبه لم يكن يعني غيابا وتبخرا تاما وفوريا وتفككا لدوائر نظامه التي بقيت تعمل بوجوده أو باختفائه. وحصل نوع من تقاسم الادوار التكتيكي بين الرئيس المخلوع ونظامه قدم فيها الاول على انه المسؤول الاول والمباشر عما لحق تونس من مآس وكوارث وعلى انه هو وحده من اعطى التعليمات والاوامر لقتل المتظاهرين وهو ايضا من نهب ثروات البلد وهربها إلى الخارج ومن منح عائلته واصهاره كل الامتيازات وسمح لهم بالسطو والنهب واستخدام النفوذ لتكديس الاموال بلا حسيب ولا رقيب. تلك الصورة كانت ضرورية ومطلوبة لانقاذ النظام والحفاظ على وجوده واستمراره، وصار كل الوزراء والمسؤولين السابقين حين يقدمون للمحاكمات بتهم الفساد او الرشوة او الكسب غير المشروع يكتفون بتقديم بن علي قربانا لجرائمهم، ويلصقون به وحده كل التهم والجرائم معتبرين انهم كانوا فقط ينفذون اوامره التي لا ترد.
لقد تحدثوا عن المليارات التي خبأها في القصر والمبالغ الخيالية التي هربها خارج البلد والقصور والممتلكات الفخمة وقالوا مرات إن حجم ثروته الشخصية في حدود الخمسة مليارات دولار او حتى الخمسين مليار دولار، وانه خامس اغنى زعيم عربي، ولكن النتيجة هي أن التونسيين لم يطالهم شيء من تلك الثروة لتظل المجادلات والمساعي القضائية تراوح مكانها بسبب تعقيدات البيرقراطية الادارية وتواطؤ عدة اطراف بالداخل والخارج. الخطوة التالية كانت خروج رموز النظام من سجون الخمسة نجوم التي دخلوها في الشهور الاولى لهروب بن علي ربما حفاظا على حياتهم وحتى لا يطالهم غضب المحتجين، لثبوت براءتهم مما نسب لهم من تهم وجرائم. وهو ما شجع اخرين مثل صهر الرئيس المخلوع رجل الاعمال النافذ شيبوب على العودة من الامارات للمطالبة بمحاكمة عادلة انتهت بخروجه من السجن في الايام الاولى من هذا الشهر بعد تقديمه كفالة مالية. ما الذي بقي بعد ذلك؟ اعادة تنظيف بن علي نفسه وتقديمه كمضطهد ومظلوم وكشخص كان له «من الطيبة والانسانية الشيء الكثير» مثلما قال مدير ديوانه السابق خلال ظهوره الأحد الماضي في برنامج تلفزيوني على إحدى المحطات الفضائية الخاصة، وأنه لم يكن لا مستبدا ولا سارقا بل شريفا وعادلا وانه ايضا وكما صرح بذلك احد سفرائه السابقين لصحيفة» لوفيغارو» الفرنسية « لا يغضب من الاتهامات الباطلة والاشاعات والانتقادات التي روجت ظلما ضده بقدر ما يحز في نفسه أن يقال إنه هرب لان الجميع يدرك انه لم يهرب بل تعرض لمؤامرة». وليس مستبعدا بعد كل ذلك أن يتحول بن علي إلى بطل قومي تعرض لخيانة داخلية ومؤامرة كونية شيطانية بعد أن بدأ البعض بالحديث عن أن «ما حصل يوم الرابع عشر من يناير كان قرارا اجنبيا يقضي بطرد بن علي من السلطة تم تنفيذه باياد تونسية». هل كان صمته اذن كل تلك السنوات مخططا ذكيا ومدروسا لتحقيق تلك الغاية؟ حتى لو حصل ذلك يوما ما فلا يبدو ان معظم التونسيين سيرفعون رئيسهم الاسبق المخلوع فوق اكتافهم او يبقونه طويلا بذاكرتهم، والسبب انهم شعب سريع النسيان للموتى والغائبين، سواء كانوا اخيارا ام اشرارا وتلك خيبة اخرى اكبر بالتأكيد من خيبة انصار المخلوع على امتناعه عن الحديث في ذكرى هروبه الغامض والمثير.

٭ كاتب وصحافي من تونس

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية