هنا بث العجل الذهبي

حجم الخط
0

قضية هيئة البث تتجذر أكثر فأكثر كقضية مفصلية في تاريخ الصهيونية. لاول مرة مطلوب من الدولة اليهودية الديمقراطية أن تسأل نفسها إذا كانت تريد بالفعل العودة إلى عهد المملكة، أم أنها تريد أن تبقى جمهورية. لأن الخلاف ليس حول طابع البث الجماهيري أو كمية الاموال التي ستسقط عليه أو تُمنع عنه إذا كان سيتم اغلاقه، وايضا الاتهامات المتبادلة بين اليسار واليمين حول الهوية الايديولوجية للهيئة البث توقفت. الحديث يدور عن معركة ضارية على طابع النظام وصورة رئيس الحكومة. وفي معركة كهذه تكون مصلحة الجمهور هامشية. ومستقبل موظفي سلطة البث هامشي، ومضامين هيئة البث غير هامة، لكن الأمر الوحيد الهام هو من الذي يقوم بوضع اطار بطولات إسرائيل.
يمكن، بل ويجب، العيش بشكل جيد بدون بث حكومي. فالتعددية الإعلامية والشبكات الاجتماعية تحولت فعليا إلى نبع مملوء بالنقاش الجماهيري. ويظهر استطلاع أجريته مع تلاميذي في قسم الصحافة أن الاغلبية لا يستمعون إلى «صوت إسرائيل» ولا يشاهدون القناة الاولى، وأن أهم معلوماتهم حول ما يحدث في الدولة يحصلون عليها عن طريق الانترنت، وخاصة تويتر، وعن طريق الشائعات. ويتم النظر إلى الصحف على أنها مادة اكاديمية، أي يمكن الاكتفاء بتلخيص في أفضل الحالات، أو عدم القراءة أبدا في الحالات السائدة.
هذه النتائج ليست استثنائية أو صدفية. فالامور الاساسية مثل عملية السلام والخط الاخضر ودور محكمة العدل العليا أو حتى مصطلح «سعر السكن» هي قضايا خفية مثل قوة الجاذبية في الثقب الاسود أو قياس المسافة بين مجرتين. لذلك ليس من الواضح من أين تستمد قوتها الفرضية بأن البث الحكومي أو الاتحاد قد يؤثران على مواقف جيل الـ «واي»، الذي سيحدد مستقبل دولة إسرائيل.
إن هذه ليست ظاهرة إسرائيلية خاصة. فحسب المعطيات التي نشرها معهد غلوبال سكان الذي بحث في مستوى ثقة الجمهور بوسائل الإعلام في الولايات المتحدة والمانيا وبريطانيا ودول اخرى كثيرة، تبين أن البث الحكومي ليس المصدر الاساسي للمعلومات، ولا حتى الثانوي. صحيح أن الجمهور يثق بمحطات البث مثل «بي.بي.سي» البريطانية و»إي.آر.دي» الالمانية و «بي.بي.اس» الأمريكية، إلا أن هذه المحطات ليست العنوان الرئيس الذي يتوجه اليه لمعرفة الواقع.
لقد تعرف الجمهور على فساد بنيامين نتنياهو وأبناء عائلته، وعلى قضية الغواصات والسيجار ولون الشمبانيا، من خلال الشبكات الاجتماعية التي لا يسيطر عليها السياسيون. ومشكوك فيه أن يحدث تغيير على الامور بعد اعادة اصلاح هيئة البث الذي سيحتاج إلى منافسة وسائل إعلام اخرى.
إن الصراع حول هيئة البث هو صراع على الرمز، وليس صراع على فكرة أو سيطرة في مجتمع يحتاج إلى استخلاص مضمون. واقامته تعني تحطيم الوصايا التي على اسم نتنياهو، واقامة عجل ذهبي بديل. هي ترك الايمان بالاله الواحد والعودة إلى عبادة الاصنام. لقد تحولت اقامة الاتحاد إلى دين جديد يضمن حرية التعبير والتعددية والمعلومات الحقيقية والتحرر من اللجام السياسي.
واذا تبين أن هيئة البث هي المسيح الكاذب فهي على الأقل ستكون نوعا من التطهير، ثأر من يخافون على حرية التعبير من التنين الذي يبث النار. أي إذا تم اغلاق هيئة البث أو تم خصيها حتى الجذور، فسيسيطر نظام ظلامي إلى يوم الدين. فما الذي حدث بالفعل قبل وجود هيئة البث؟.
عندما تكون هذه هي الخيارات، فمطلوب الأمل بأن يتم اغلاق هيئة البث التي ستغطي على المشكلات الحقيقية في إسرائيل. إذا لينتصر نتنياهو في هيئة البث وليخسر في حربه مع المحطات الاخرى، مع الشبكات الاجتماعية وضد الجمهور. لأن الجمهور لا يحتاج على هيئة بث من اجل الانتصار على نتنياهو، بل هو يحتاج إلى تحطيم العجل الذهبي الذي يجلس على كرسي رئيس الحكومة.

هآرتس 29/3/2017

 هنا بث العجل الذهبي
لا بأس ان ينتصر نتنياهو في المعركة على هيئة البث ويخسر في القضايا الهامة
تسفي برئيل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية