«هيرمينوطيقا المحكي» للناقد المغربي محمد بوعزة: لماذا آثر النقد الابتعاد عن روايات سليم بركات؟

الرباط ـ «القدس العربي»: ما هي الكيفية التي يدلّ بها النص الروائي؟ وعلامَ يدلّ؟ كيف يمكن البحث في دلالة النص الروائي؟ وكيف يساهم القارئ في إنتاج هذه الدلالة؟ ما هي طبيعة الدلالة الروائية؟ وما هي علاقتها بالأنساق الدلالية الأخرى المعرفية والثقافية؟
تلك أهم الأسئلة التي يسعى الكاتب والناقد المغربي محمد بوعزة الإجابة عنها من خلال كتابه «هيرمينوطيقا المحكي: النسق والكاوس في العالم الروائي لسليم بركات» الصادر حديثا عن دار النايا للدراسات والنشر في بيروت.
فعلى امتداد 368 صفحة، يقارب الناقد محمد بوعزة النص الروائي العربي، باعتباره بنية دلالية، من خلال ملامسة الأنساق الدلالية والتخييلية والمعرفية للرواية العربية، وتحديد أهمية وقيمة موقعها كنسق إبستيمي (معرفي) وسط الأنساق الثقافية المحددة لتمثلات وصور المجتمع عن ذاته وهويته ومستقبله ومشروعه.
ويوضح المؤلف أنه لا يمكن الزعم بدلالة ثابتة للنص، أو معنى حقيقي تنحصر مهمة الباحث في العثور عليه. إن النص ـ كما يقول ـ يرشح بدلالات متعددة، تخضع لشبكة معقّدة من العلاقات الظاهرة والمضمرة، وهذا ما يجعلنا ننظر إلى الدلالة بوصفها سيرورة نصية تداولية، يتحكم فيها محفل الإنتاج ومحفل التلقي.
وفي ضوء رصده لمظاهر النص الأدبي، كما يحددها عدد من الدارسين الغربيين (لفظيا، تركيبيا، دلاليا، ماديا، تداوليا، رمزيا)، يشير المؤلف إلى أن هذه المستويات بتعدد مرجعياتها وتباين علاماتها، المنتمية إلى مقولات مختلفة في الكيف وليس في الكم (شكلانية، جمالية، رمزية، إيديولوجية) هي ما يشيد دينامية النص التي تفعّلها دينامية القراءة. وبالتالي فإن هذا الكتاب ـ مثلما يوضح مؤلفه ـ لا يتوخى إثبات معنى للنص أو العثور عليه وتفسيره وفق حقيقة برانية، وإنما ينصبّ أساسا على رصد كيفية تشكل هذه الأنساق، بتحديد جمالية وشعرية كل نسق وترهين تضميناته المحتملة، ثم الارتقاء بالتحليل في خطوة ثانية لكشف تفاعلاتها، وما ينتج عنها من تشاكلات وأطياف دلالية، رمزية ومعرفية.
ومن ثم، يقارب محمد بوعزة الدلالة بوصفها سيرورة بناء مستمرة، تخضع لشبكة من العلاقات النصية الدينامية، تَسِمُها بطابع التحول والتعدد، غير أن إشكال الدلالة والمعنى يسلم الباحث إلى إشكال آخر، يرتبط بعلاقة الرواية بالعالم، سواء سمّي هذا العالم واقعا أم إيديولوجية.
إن الروائي المعاصر – وكما بينت إحدى الباحثات الغربيات- يشتغل على الكلمات لا على الأشياء، ذلك أن الرواية وإن كانت تبطن رؤية للعالم والإنسان، وتتقاطع مع التاريخ والإيديولوجيا، فإن الروائي لا يمكن أن يعبّر عن هذا العالم إلا بالانسحاب منه، وإعادة تشكيله وفق قوانين اللغة والجنس الأدبي. تبعا لهذا الوعي الجديد لا تطمح الرواية إلى عكس واقع خارجي، أو نقل تجربة معاشة، بل تطمح إلى الكشف عن إمكانات الكتابة الروائية بوصفها اشتغالا على اللغة والتخييل. ولكن هل يفضي هذا الوعي الجديد إلى «اغتيال» الواقع؟ يتساءل صاحب الكتاب، مضيفا أنه إذا كان الروائي الجديد يدرك أنه يشتغل على الكلمات لا على «الأشياء» و»الوقائع»، فإنه يدرك أنه يعيش وسط عالم إشكالي ومتحول، يشكل له مصدر قلق محفز للكتابة.
لذلك، على الرغم من حرص المؤلف على المقاربة المحايثة لدلالة النص الروائي، فإن هذا لا يمنعه من رصد امتدادات هذه الدلالة في السياقات الثقافية المتنوعة التي تندمج فيها، وتتفاعل معها؛ من منطلق أن الواقع يرتبط بسياقات متنوعة وأنساق متعددة، مما يدحض أيّ تصور جاهز له.
على مستوى النموذج النظري يشكل المنظور المعرفي – بالنسبة للمؤلف- المرتكز الأساس في قراءة متن سليم بركات: «فقهاء الظلام»، «الريش»، «معسكرات الأبد». وهو نموذج ينهض على اعتبار السردية «أنموذجا للصياغة الذاتية وصياغة العالم»، ومن ثم تتحدد مهمته في كشف الدور التشييدي للسردية في صياغة أنساق الفهم وإنتاج المعرفة بالذات والمحيط، للتفاعل مع العالم من أجل تحقيق سبل مشروع الذات.
يرصد محمد بوعزة منطق اشتغال الدلالة في الروايات موضوع التحليل، وكذلك أنساقها التخييلية والمعرفية، ملاحظا أن هذا النموذج الروائي غني من حيث الإمكانيات التخييلية والسردية. وبقدر ما يشكل هذا الثراء التخييلي تحديا واختبارا لأدوات ومسارات التحليل، لأنه يتوسل استراتيجيات نصية معقدة تحتفي بجمالية الإشكال واللغز والعماء، فإنه يغري بالمغامرة لاستكشاف أطيافه الدلالية المحتجبة وراء الظلال والعتمات، ولكن العزاء هو لذة القراءة.
كما يلاحظ أن روايات سليم بركات تشكّل (إلى جانب هذا المعطى النصي) بؤرة تحوّل وتمفصل بارزة في متوالية الرواية العربية، بفضل اعتنائها الدقيق بالتخييل السردي. وتمثل هذه الخاصية ملمحا إستيتيقيا مميزا للروائي سليم بركات. فمنذ نصه الروائي الأول «فقهاء الظلام» – وفي ظل هيمنة النموذج الواقعي بكافة تجلياته – دشن هذا المسار الروائي الجديد الذي يولي الأهمية المركزية لمكون التخييل.
ويحدد جمالية الشعرية الروائية عند سليم بركات في العناصر التالية:
□ المزج بين ما هو واقعي وما هو تخييلي.
□ توظيف الخارق والعجيب: النبات يحاور النبات والطيور تحاور نفسها والإنسان، يتحول إلى حيوان.
□ شخصيات مأزقية وغامضة تقع في المتاهة وتعيش وجودا إشكاليا.
□ استقطاب الميثولوجي والماورائي، بإثارة أسئلة الوجود حول النشأة والمصير والقدر، وتوظيف متخيل الموت والملائكة والعوالم الأخروية.
□ النزعة التأملية في مصائر الكائنات مما يجعل رواياته تنضح بالمعرفة والفكر، خاصة المعرفة المتصلة بعلوم الباطن والإلهيات والفلكيات.
□ استقطاب عناصر الجنون والهذيان والشك والحلم، مما يضفي على عالمه الروائي طابع التشظي والتفكك والغموض.
كما يتضح من هذه العناصر الإستيتيقية والموضوعاتية، يستلهم النص الروائي عند سليم بركات شعرية الغرابة، مما يحطم تقاليد السرد المعتادة لدى القارئ. إن هذا النموذج الروائي يتعمد التفرد عبر استلهام عناصر الخيال والإشكال والترميز، حيث يصهرها في كثافة شعرية مرهفة يتحول معها النص إلى «أرموزة مجازية»، تقذف بالقارئ في متاهات الملغز وفخاخ المعنى.
ويوضح المؤلف أن هذا المتن الروائي المغاير يستدعي تجاوز القراءة العادية، وتدشين قراءة مختلفة قادرة على استكشاف عوالمه الدلالية وأنساقها المعرفية. ومن يتساءل صاحب الكتاب: هل آثر النقد الابتعاد عن سليم بركات لعماء متنه الروائي وتمنعه؟ إذ يفرض على الناقد إعادة النظر في أطره وخطاطاته الجاهزة، والتسلح باستراتيجيات جديدة ذات كفاية استكشافية، لأنه يجد نفسه أمام عالم روائي مخالف لما هو سائد ومألوف.
وفي خاتمة الكتاب، يخلص المؤلف إلى اعتبار السردية نسقا تشييدياً، يتضمن مهمة معرفية، هي حاجتنا إلى بناء المعرفة وتشييد الوعي ونقده من خلال المتون السردية، وهو ما يفرض توسيع مفهوم السردية وحقل البحث السردي لإنجاز دراسات مقارنة بين أنساق الفهم والتأويل في السرد العربي، وبين ما يُناظرها في الخطاب الفكري والإيديولوجي والفلسفي.

الطاهر الطويل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية