…وإن كنت الأخير زمانه

حجم الخط
1

ولدنا على هذه الأرض، وتنفسنا أنفاسنا الأولى مخالطاً لها شهقات بكاء لازمتنا منذ بادئ عهدنا في البشرية. تلك الشهقات كانت ملهمة للأديب الانكليزي «وليم شكسبير»، ووصفها بأنها لحظات عويل وصرخات احتجاج على القادم من أيامنا. كان باعتقاده أننا اكتسبنا الدور الأول في مسرح الدنيا، ولعله كان يرمي إلى الصراعات اللاحقة التي سنعاصرها، والاختبارات الجمة التي سنعبئ إجاباتنا في أوراقها.
فهذه الاختبارات تقييم كفاءة وجدارة للانتقال من دور المتفرج الدنيوي إلى دور اللاعب الرئيسي في الميدان عبر العصور.
ما الدنيا إلا صراع تكسير قوالب، ومحاولة تهشيم للنماذج التي من حولنا. معظمنا يقع فريسة لها، وقليل منا من يفلح في التحول من طور إلى طور آخر، وهؤلاء القلة هم الذين فطنوا العبرة وراء وجودها وكينونتها وصيرورتها. قد نظن واهمين أن الوجه الذي نرتديه هو الوجهة الأولى والأخيرة في رحلتنا، وقد نستمر في حمايته وتجميله ظاهرياً حتى تزول معه نهاية الملامح الأساسية فيه؛ فنمسي حينها بلا هوية حقيقية، وما نحمله ليس سوى تكرار للوجوه الأخرى التي تحيطنا. ننظر من حولنا، فلا نرى إلا كوناً من لون واحد، وطيف واحد، وطبيعة واحدة. وهو حتماً ليس كذلك،
لكننا ننظر إليه من حال العيون التي ارتضيناها، فغطتها غشاوة من سراب. وهذا ينسحب إلى منتوجاتنا وإضافاتنا إلى الحياة، فأضحى عدد لا بأس به من الأعمال الأدبية والفنية والفكرية متشابها وعلى نسق (ما يطلبه الجمهور). فقد ظهرت في تسعينيات القرن الماضي برامج إعلامية عدة وظيفتها تلبية مطالب الناس، وإذاعة ما ترغب به أذواقهم فقط حيث أن الغاية هو تسليتهم والترفيه عنهم.
لعل هذه البرامج كانت ترجمة للواقع بطريقة فيها شيء من الطرافة القاسية والكوميديا السوداء. وهذه الحالة وجدت أيضاً في الإتحاد السوفييتي، حيث انتشر فيه استخدام كلمة «سوكزاكز».
تعبيراً عن المنتجات الأدبية والفنية وحتى المعمارية في كونها تقليداً لأعمال سابقة وفاقدة لروح الإبداع والجديد، والمحصلة كانت نسيانها بعد عدد من السنين. أسعدت الناس فترات وجيزة، وذهبت أدراج الرياح؛ لأن أثرها ما كان عميقاً.
وإذا تذكرنا تلك اللعبة القديمة المتمثلة في إلقاء حجر على سطح الماء، بغية جعله يقفز عدة قفزات قبل أن يستقر في قاعها، لقاربنا الواقع من جهة أخرى. كنا وما زلنا نتنافس في إتقان تلك اللعبة، ونفوز مرة ونخسر مرات. فهي تتطلب مهارة في اختيار الحجر وخفة اليد والانحناءة المناسبة وسرعة القذف الملائمة؛ ليصبح الحجر خفيفاُ رغم ثقله، وحراً طليقاً لثوان معدودة أو حتى أجزاء من الثانية. النتيجة ستكون حلقات عديدة واهتزازات للماء، تكبر وتتسع بقدر أحلام الشخص الذي ألقى الحجر. فخسارة اللعبة قوامها سقوط الحجر مباشرة من غير وثب، والمعظم كان يسير هذا
الدرب ويخفق مع محاولاته الشتى وزخمها. كسب الرهان فيها يكون في تركيب جناحين وهميين للحجر، وفي قدرته على تحريك المياه الراكدة في عدة مناطق، وكلما زادت مهارة الرامي كانت الحلقات أكثر اتساعاً وانتشاراً، بل أكثر أملاً. والواحد منا يماثل قاذف الحجر بطريقة أو بأخرى، والماء هي معترك الحياة، ورمي الحجر ما هو إلا دقات أيدينا المتواترة على جدرانها. المياه الراكدة حالها وطن لكل ما خبث وما كرهه بنو البشر من قذارة وجراثيم وأشياء في جلها غير مرغوبة، وإذا ارتضيناها سنجدنا غريقين في مستنقعات ما لنا طاقة بها بعد أمد من الزمن. سنعتاد رائحتها،
ونعيش مع مكوناتها حتى نغدو جزءاً لا يتجزأ منها، مخلوقات ريحها ليس طيباً في أحسن الأحوال.
رحلة كسر القوالب ما كانت يوماً يسيرة، وربما تكون هي الرحلة الأهم في حياة ابن آدم، وسيحاربه من حوله بكل جد لأنه أقلق راحتهم وأفسد الرخاء الزائف الذي يرفلون بنعيمه كذباً وزوراً وبهتاناً. فغاليليو عندما أيد فكرة مركزية الشمس، أحرقوه وما رحموه وما قدروه حق قدره. تألم في رحلته نحو إيجاد الحقيقة، وتألم أيضاً قبيل موته حتى أنه نطق بكلمات مؤثرة: «يا ليتني أحرقت كل ما كتبت بيدي حتى لا أشهد يوم محاكمتي هذا»! فالرحلة مؤلمة، لكنها متجهة بسرعة فائقة نحو الخلود غير آبهة بكل إشارات الوقوف الحمراء وإن كثرت. هي لحظات ولادة للنفس، وللمجتمع، وللكون.
على كبره. هي لحظات بزوغ الفجر الجديد من فم الظلام الحالك، وافتراس الشمس له بلا هوادة. والفكرة الأكثر ضرورة أن نعتنقها هذه الأيام هو قول أبي العلاء المعري: «وإن كنت الأخير زمانه، لآت بما لم تستطعه الأوائل». فترتيب الحضور ليس مهماً بقدر ماذا يعني هذا الحضور! الأول أم الأخير، فهو سيبقى مجرد رقم في صفحات التاريخ إذا لم يُدَق الجرس احتفالاً بإجادة الحضور، ولو مرة!

حسام خطاب – الأردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية