الأزمة الاقتصادية الخطيرة وشروط المعيشة المتردية في قطاع غزة، بما في ذلك التقلص الكبير في توريد الكهرباء في أثناء السنة الأخيرة، شجعت قيادة حماس على التوجه إلى عدة دول في المنطقة، وعلى رأسها مصر، قطر وتركيا، في محاولة لتحقيق حلول محتملة للضائقة. إن اعتماد حماس على الاتصالات الدبلوماسية مع هذه الدول يتم إلى جانب تجلد عسكري طويل. بمعنى، الامتناع عن فتح النار نحو إسرائيل من جانب حماس نفسها وفرض الهدوء الأمني على باقي المنظمات التي تخضع لإمرتها في القطاع. وكما يبدو، فإن قيادة حماس توصلت إلى الاستنتاج بأن المواجهة العسكرية، في الظروف الحالية، لن تخدم مصالحها، بل العكس، ستفاقم شروط المعيشة. وعليه، فإن مسؤولي حماس يفضلون العمل في قنوات دبلوماسية لمواجهة المشاكل المدنية. وقد أفادت هذه الدبلوماسية الإقليمية إسرائيل أيضا، إذ أنها تشكل بديلا لاحتمال التصعيد العسكري الواسع في جبهة غزة.
حماس والبطالة في القطاع
في العقد الماضي، منذ سيطرت حماس على قطاع غزة، نجحت المنظمة في تعظيم وتطوير قوتها العسكرية وإعادة بناء القدرات التي تضررت نتيجة لجولات القتال مع إسرائيل. ومع ذلك، على المستوى المدني ـ كمن يسيطر على نحو مليوني نسمة ـ تواجه حماس أزمة متفاقمة. فالضائقة المدنية في غزة، التي تجد تعبيرها في شروط معيشة متردية وفي معدل بطالة عال ـ أكثر من 40 من مئة، تفاقمت في أعقاب حملة الجرف الصامد، بسبب مصاعب إصلاح الأضرار التي أوقعها القتال واستمرار النزاع بين حماس والسلطة الفلسطينية، ما يعوق إمكانية إطلاق مشروع إعمار واسع في القطاع.
وتجد الأزمة تعبيرها، ضمن أمور أخر، في تقليص كبير في توريد الكهرباء، التي تتواصل في مدة لا تزيد على ست ساعات في اليوم في السنة الأخيرة، وكذا في تأخيرات مستمرة في دفع الرواتب للموظفين. حلول مثل «التسوية» السياسية بمشاركة إسرائيلية، تسمح بتسريع سياقات الإعمار والتنمية تبعا للرقابة الأمنية الدُّولية، ليست خلف الزاوية. ولمسيرة المصالحة بين حماس والسلطة الفلسطينية ـ التي تعمل عليها مصر ـ إمكانية كامنة لتحسين حقيقي بطيء، ولكن لا يزال نجاحها موضع شك، إذا أخذنا في الحسبان محاولات المصالحة السابقة التي علقت في طريق مسدود.
وعليه، فقد وجهت قيادة حماس مساعي تجنيد المساعدات الاقتصادية إلى آفاق دبلوماسية إقليمية: تبديد التوترات مع مصر، التي تتحكم بالبوابة الجنوبية للقطاع («معبر رفح»)، وتوثيق العلاقات مع دول أخرى في المنطقة، بما فيها تركيا وقطر، من أجل زيادة المساعدة المدنية للقطاع بوساطة علاقاتها مع إسرائيل أيضا. في إطار الدبلوماسية الإقليمية، تتطلع حماس أيضا إلى إزالة صورتها كمنظمة إرهابية إسلامية والدفع إلى الأمام بمكانتها كبديل سياسي للسلطة الفلسطينية.
وبالتالي، في 1 أيار/مايو 2017، نشرت المنظمة «الوثيقة السياسية» ـ ورقة مبادئ نضجت بعد حوار داخلي استمر نحو أربع سنوات وتسويق إعلامي من خلال رئيس المكتب السياسي المنصرف خالد مشعل، أساسا. تعرب الوثيقة عن تأييدها لصيغة «دولة في حدود 1967»، وإن كان من دون التخلي عن مبدأ «عدم الاعتراف بإسرائيل»، الذي يشدد عليه ميثاق حماس الأصلي ويميز بين البرنامج السياسي للمنظمة وبرنامج فتح/ م.ت.ف والسلطة الفلسطينية. وحتى لو لم يكن في الوثيقة السياسية التي نشرت مؤخرا تعبير عن تغيير جوهري في موقف حماس تجاه إسرائيل، فإن مجرد نشرها وتسويقها في العالم العربي والعالم الغربي يشهد على دافع عال لدى قيادة حماس لتحسين مكانتها الدولية، بل ونيل شرعية أعلى بالنسبة لمنافسيها: قيادة فتح وأبو مازن على رأسها.
دبلوماسية حماس
وفي الوقت عينه، تبقي حماس على ضبط للنّفس عسكريا ـ إذ تمتنع عن «اللعب بالنار» الذي من شأنه أن يجرها إلى جولة قتالية طويلة ومضنية مع إسرائيل وتحرمها من إمكانية قطف ثمار الجهد الدبلوماسي. وللتجلد الذي يميز في الوقت الحالي سياسة حماس عدة تعابير، على المستوى العسكري والمستوى الإعلامي:
1- الامتناع عن النار الصاروخية إلى أعماق الأراضي الإسرائيلية، حتى ردا على هجمات إسرائيلية ضربت بنى تحتية ومنشآت عسكرية للمنظمة في أعقاب إطلاق صواريخ على أراضي إسرائيل من منظمات سلفية.
2- نقل رسائل التهديد ـ التي تدل على النية للامتناع عن تصعيد واسع، إذا ما وعندما تختار المنظمة الرد على الهجمات الإسرائيلية (في مقالات تحليلية في مواقع حماس عرضت مثلا صيغة «صاروخ ضد صاروخ»). في أعقاب تصفية نشيط المنظمة مازن فقها، التي ادعت حماس بأنه نفذها عملاء تعاونوا مع إسرائيل، نشرت المنظمة تهديدات على مسؤولين كبار في إسرائيل وشجعت تنفيذ عمليات في الضفة الغربية، ولكنها امتنعت عن التهديد بالرد من أراضي القطاع نفسها.
3 ـ نقل رسائل تهدئة ـ على خلفية التدهور في العلاقات بين حماس والسلطة الفلسطينية وتصعيد مساعي التقارب بين حماس ومصر، نشر الناطقون بلسان المنظمة رسائل موجهة للجمهور الفلسطيني في القطاع ولآذان إسرائيلية، تقول إن فتح جبهة قتال طويلة مع إسرائيل، ردا على الوضع في غزة وبهدف تغيير الظروف فيها وقواعد اللعب، ليس على جدول الأعمال. صحيح أن حماس تنكب على الاعداد لمواجهة عسكرية، تجري تجارب وتحسينات على الوسائل القتالية وبين الحين والآخر تعود وتهدد (مثلما هددت قبل الجرف الصامد) بأن استمرار الإغلاق الإسرائيلي ورفض رئيس السلطة محمود عباس العمل على حل المشاكل المالية التي علق فيها القطاع، ستؤدي إلى «الانفجار»، ولكن إلى جانب استخدام تعابير «برميل البارود القابل للانفجار»، لا يعتقد الناطقون بلسان حماس صراحة بأن للمنظمة مصلحة في الحرب. يبدو أنها معنية بالتحذير من الانفجار وليس تسريع حدوثه.
أما إسرائيل من جهتها فيمكنها أن تستمد منفعة أمنية من الإشارات التي تأتي من غزة، إذا ما سمحت بزيادة المساعدة المدنية من دول المنطقة للقطاع. كلما اتسع مجال المناورة الدبلوماسية لحماس وأدى إلى خطوات تساعد في تخفيف حدة التوتر في القطاع وإبعاد خطر التصعيد، هكذا يقل حافز حماس للتوجه إلى الخيار العسكري ضد إسرائيل. ولكن كي يبقى التجلد ينبغي الاحتساب الجيد أيضا لقوة الرد على الاستفزازات العسكرية التي تأتي من غزة بين الحين والآخر ـ إطلاق الفصائل العاقة للصواريخ. فرد فعل يشذ عن إطلاق رسالة عسكرية محدودة لحماس كي تلجم هذه المنظمات، مثلا، اغتيال قادة المنظمة أو حملة واسعة النطاق لتدمير بناها التحتية العسكرية، من شأنه أن يدفع حماس لأن تضع حدا للتجلد وتنفذ تهديدات الرد من غزة.
إضافة إلى ذلك، اجتازت حماس في الأشهر الأخيرة تغييرات داخلية لا بأس بها، مع تعيين زعيم جديد في غزة، يحيى السنوار، وتغيير رئيس المكتب السياسي خالد مشعل واستبداله بإسماعيل هنية. فحاجة هذين الزعيمين لتحقيق مصالح حماس، ولا سيما من خلال الجهود لفتح صفحة جديدة في العلاقات مع الدول التي علقت الاتصالات معها في أزمة في السنوات الأخيرة ـ مصر من جهة وإيران من جهة أخرى ـ تدخل القيادة الجديدة لحماس في فترة اختبار عملي، في مركزها مهام تجنيد الدعم المالي وبناء العلاقات الإقليمية.
مصر في يدها الحل
تضطر قيادة حماس إلى اختيار وجهتها. فمصر قادرة على أن توفر حلا حقيقيا للمشاكل الإقليمية في قطاع غزة، بينما يمكن لإيران أن تساعد في بناء القوة العسكرية للمنظمة. فبعد فترة أطلق فيها مسؤولو حماس في غزة إشارات عن النية لتحسين العلاقات مع طهران، فإنهم يركزون الآن جهودهم الدبلوماسية بالذات على تحسين العلاقات مع القاهرة.
صفحة جديدة في العلاقات مع القاهرة كفيلة بأن تخفف جدا وبشكل فوري من الأزمة في القطاع، إذا ما فتح معبر رفح أمام دخول البضائع بشكل منتظم كما كان في الماضي. وبالفعل، تفتح مصر في الأسابيع الأخيرة البوابات لأوقات محددة، استنادا إلى البلاغات التي تنقل للمواطنين في غزة. أما استمرار المساعدة المصرية لحماس وتوسيعها فتشترطهما القاهرة بالتعاون الأمني الوثيق من جانب المنظمة، ولا سيما الحرب ضد التسلل والتهريب للسلفيين من غزة إلى شبه جزيرة سيناء. وفي الوقت ذاته فإن القاهرة منصتة لمطالب إسرائيل في الأمن الجاري ـ وهي شريكتها الاستراتيجية في مثلث الحدود الغزي. وستكون الأشهر القريبة المقبلة بالتالي فترة اختبار لعلاقات مصر ـ حماس. هذا الاختبار، بحد ذاته، يضعف الاحتمالات لتصعيد تبادر إليه حماس من غزة ضد إسرائيل. لاعب تعزيز آخر سعت حماس لأن تستعين به في الآونة الأخيرة هو مسؤول فتح في السابق وخصم أبي مازن في الحاضر، محمد دحلان، الموجود خارج المناطق. يوجد بين حماس ودحلان تطابق جزئي في المصالح ـ كلاهما خصمان لعباس، وهذه الخصومة تزداد عقب خطواته المضادة، لا سيما وقف تحويل الأموال إلى حكم حماس. وتحدث نائب وزير الخارجية في حكومة حماس، غازي حمد، مؤخرا على نحو علني في مصلحة العلاقة مع دحلان. وعلى حد قوله، فعلى خلفية التطورات الإقليمية ـ ولا سيما تفاقم التوتر بين السعودية وحلفائها وبين إيران وقطر ـ هناك من هم معنيون بإغلاق بوابات غزة ومعاقبة حماس بسبب علاقاتها مع قطر وإيران. ويفهم من أقوال حمد بأن توجه حماس للاتصال مع دحلان هو محاولة للمناورة في متاهة المصالح الإقليمية أو لإرضاء معسكر خصوم إيران وقطر. وعلى حد فهم حمد، فإن دحلان هو جزء من الصراع الإقليمي على النفوذ في الساحة الفلسطينية. يتطلع دحلان للاستعانة بحماس كي يعود ليكون جزءا من اللعبة السياسية الفلسطينية، وبالتالي، فإنه يعد بالمساعدة في حل الأزمة في غزة. من ناحية إسرائيل، ينبغي التساؤل هل يمكن للاتصالات بين حماس وخصم أبي مازن أن يكون تأثير ساسي وأمني في الضفة. بمعنى، هل الشراكة بين دحلان وحماس كفيلة بأن تخلق دافعا لمحاولات ضعضعة حكم عباس من خلال إعمال الإخلال بالنظام والإرهاب ـ مثلما سبق أن حاولت حماس في الماضي بلا نجاح. حاليا، يبدو أن حافز حماس لتعزيز العلاقة مع دحلان هو مالي وليس أكثر من ذلك، مثلما ارتبطت حماس، بالتوازي، مع الجهد المصري لتحقيق المصالحة مع السلطة الفلسطينية. هذا هو الآخر، كما يبدو، في التفكير في المنفعة الاقتصادية التي ستنشأ إذا ما عادت السلطة الفلسطينية لتتحمل العبء الاقتصادي لإدارة القطاع.
نظرة عليا – 2/11/2017