خلال الثمانين يوما التي مضت على تسلم ترامب لمنصبه، لاحظنا انفكاكا له من كل وعوده الانتخابية، فبالنسبة للحقوق الفلسطينية، أذكر تصريحا له إبان حملته الانتخابية، في مناظرة له مع ماركو روبيو وتيد كروز اللذين بالغا في تأييدهما للكيان الصهيوني، قال فيه بالنصّ: إن أحد الأهداف التي أصبو إلى تحقيقها حال وصولي للرئاسة هو تحقيق السلام بين إسرائيل وجيرانها، وأنا لا أعتقد أن هذا يمكن أن يتحقق بتصنيف طرف بالخيِر والآخر بالشرير، إن على الوسيط ألا يتبنى موقف طرف ضد آخر.
بعد نجاحه تصرف على عكس ما وعد، فقد اصطف بالكامل إلى جانب الكيان الصهيوني. أما بالنسبة لسورية، فقد أطلقت الولايات المتحدة عشرات الصواريخ على منشآت عسكرية سورية، رداً على هجمات شنت بأسلحة كيميائية على أراضٍ تخضع لسيطرة الإرهابيين، وبالتالي فإن ترامب تخلى عن وعوده الانتخابية، بأنه سيوجه كل اهتمامه للداخل الأمريكي، ولن يرسل جنودا خارج أمريكا، ولن يبتدأ حروبا جديدة.
نعم، نتذكر جيدا أن ترامب هاجم حرب العراق واعتبرها مغامرة خارجية بلا تفكير، وهي التي أسفرت عن تداعيات مريرة، بما في ذلك فوضى عارمة في الشرق الأوسط. وقال من المؤكد أنه لن يقدم على ارتكاب الخطأ نفسه في سورية! وأن الانضمام إلى القتال ضد الرئيس السوري بشار الأسد سيضع الولايات المتحدة إلى جانب «داعش» وغيره من التنظيمات الإرهابية في المنطقة. وقال إنه سيعمل مع روسيا من أجل وضع حد لإراقة الدماء في سورية.
وهنا نتوجه بعدة أسئلة إلى الرئيس الأمريكي.. هل تمتلك الدليل القاطع على أن الأسد كان حقيقة وراء شن الهجوم الكيميائي؟ خاصة أن الولايات المتحدة سوّغت لحربها العدوانية واحتلالها للعراق، بامتلاكه أسلحة دمار شامل، وأن رئيسه. كان يتعامل مع تنظيمات إرهابية، وثبت كذب هذا الادعاء، اعترف بذلك علانية كولن باول وغيره. ثم، هل تكن احتراما للكونغرس، باعتباره المسؤول عن إعلان الحرب؟ لماذا لا تفترض احتمالات أخرى؟ بما في ذلك ضربة وجهت إلى مستودع تابع للمنظمات الإرهابية المتطرفة ويحتوي على أسلحة كيميائية؟ خاصة أن دولة معروفة في المنطقة أمدّتها بها! ولماذا لم تقوموا بتشكيل لجنة تحقيق دولية؟ وبما أن الأسد كسب الحرب، بشكل نسبي مؤخرا، فلماذا يجازف بإثارة ردود فعل عسكرية غربية، واتهامات بارتكاب هجوم كيماوي؟ مؤخرا، أمرت القيادة الامريكية في المحيط الهادئ بتوجيه من ترامب، مجموعة «كارل فنسون»القتالية، بان تكون تحت التصرف ووصفت الأمر بأنه «إجراء احتياطي» وهذا يعني، أن إدارة ترامب ستتوجه أيضا إلى منطقة بحر الصين الجنوبي وإلى كوريا الشمالية تحديدأ، وان الرئيس الأمريكي مستعد لارتكاب عدوان عليها! وهي عضو في الأمم المتحدة وتخضع لحصار وعقوبات شديدة منذ اكثر من عشر سنوات، لكنها ترفض التخلّي عن برنامجها النووي.
لماذا لا تواجه دولة الكيان الصهيوني، التي تمتلك مخزونا هائلا من الرؤوس النووية وكافة الأنواع الأخرى من أسلحة الدمار الشامل.
على صعيد آخر، فإن «داعش» يستهدف كل سكان العالم الأبرياء، وفي بلادنا يقتل ويذبح، ولإثبات «إسلامه» يستهدف الأقليات العربية والمسيحيين، كما حدث مؤخرا في كنيستين في الإسكندرية وطنطا. باختصار، «داعش» يهدف إلى تخريب النسيج الاجتماعي للأمة العربية، من خلال إثارة الصراعات المذهبية والطائفية والإثنية، «داعش» يلبي الطموح الصهيوني الذي ينادي بفصل المسيحيين في منطقتنا عن عروبتهم، ويرحب بهم في دولته، وهو فصل بين المسلمين والمسيحيين في المنطقة المحتلة عام 1948. «داعش» يلبي طموحات الغرب، فالكثيرون من سياسييه ومفكريه، ومنهم بريجنسكي، هنتنغتون، كيسنجر وغيرهم يؤكدون في كتاباتهم على ارتباط المسيحية العربية بالغرب، لذا فمن وجهة نظرهم، المسيحية في المشرق العربي، ظاهرة غريبة على العرب، وينكرون عروبة المسيحية، بادعاء غربيتها، ويحاولون تصويرها وفقاً للكاتب اللبناني جورج حداد، بأنها مستوردة ودخيلة على العرب. بالمقابل، فإن جزءاً لا يستهان به من بعض الكتّاب والمحللين والأيديولوجيين العرب، وكذلك جزء من الاتجاهات الإسلامية، تؤكد التوجه ذاته! هؤلاء قدموا الأساس الفكري الأيديولوجي لجرائم «داعش» ضد المسيحيين.
نشأت المسيحية في فلسطين والمشرق العربي، وهي نبتة وطنية عربية ظهرت ونشأت في التربة الوطنية العربية، وفي ما بعد تم نقل مركز القرار المسيحي إلى روما في عهد الإمبراطورية الرومانية – البيزنطية. في الوطن العربي نشأ أيضا الأقباط (وصفهم مشتق من كلمة إيجيبتيوس – نسبة إلى مصر). لا يستطيع أحد إنكار دور المسيحيين العرب في النهضة العربية، منذ القرن التاسع عشر وحتى اللحظة، ولا دورهم الأساسي في الحركة القومية العربية، ولا في الثقافة العربية، ولا في الحضارة العربية، التي تعتمد على البنية المؤسسة في حياة الشعوب. المسيحيون العرب لعبوا وما يزالون وسيظلون يلعبون دوراً في حركة التحرر الوطني العربية، بمعنى أن المسيحية هي إحدى البوتقات الأولى لظهور حركة القومية العربية. ومثلما يرى المفكر العربي جورج قرم في كتابه القيم «انفجار المشرق العربي»، استحالة كتابة التاريخ العربي من منظور الدولة القُطرية، ذلك في أحد أسبابه (مثلما يرى) لاستحالة كتابة التاريخ العربي بمعزل عن تاريخ المسيحيين العرب. المسيحيون العرب هم جزء رئيسي من مكونات أمتنا العربية وبنيتها التاريخية المجتمعية، جزء من حضارتها وانتمائها وآلامها وآمالها وطموحاتها الوطنية والتقدمية.
بالنسبة للمرأة، من المؤكد أن أسبابا كثيرة للإخفاقات العربية في مختلف المجالات، بدءا بالسياسة وصولا إلى الاجتماع، كان لها التأثير عن أن هيئات قيادية سياسية عربية، لم تصل نسبة النساء فيها إلى الأكثرية، إن على مستوى الأنظمة الرسمية العربية (بالطبع) أو على مستوى الأحزاب السياسية، سواء الوطنية، أو القومية، اليسارية أو الديمقراطية. لقد ظلّ موضوع المرأة للأسف مجالا للتباهي أكثر منه، إيمانا نظريا بدور المرأة، وإن حصل، فبشروط الرجل والحدود التي يضعها للنساء، أتحدى وجود هيئة قيادية عربية وصل فيها النساء إلى نسبة الخمس أو السدس. ثم إن عدم موضوعية الرجل العربي وازدواجية معاييره، فهو يقبل (في البعض من البلدان العربية المسموح فيها نشاطات المرأة) ذهاب زوجته أو ابنته للعمل، ما دامت تجلب له دخلا، ولا يقبل ذهابها للمشاركة في نشاط عام، فكيف إن انتخبوها في هيئة قيادية لمنظمة سياسية، اقتصادية، مهنية أو اجتماعية عربية، تضم الرجال والنساء؟ صحيح أن هناك رائدات عربيات في هذا المجال، ولكن، كم نسبتهن؟ إنهن قليلات جداً، ولا يشكلن إلا ظاهرة بسيطة في دولنا ومجتمعاتنا، ومع ذلك لم يجلب الرجال سوى الإخفاقات المتتالية لدولهم. وشعوبهم، نسأل، لماذا لا تستلم المرأة راية القيادة في العالم العربي؟
كاتب فلسطيني
د. فايز رشيد