في قصيدتها نشيد قمر.. نشيد امرأة (تختصر الشاعرة آن سكستون سوء الفهم الأبدي مع الرجل، بمقطع يختزن جملة من الدلالات الموضوعية والشعورية «أتقلب في عرض لا نهائي/ من إجلك يا رجلي البارد.. البارد»، وهو المنحى الذي تتحذه وفاء خلفان، من وجهة نظر امرأة شرقية، في مجموعتها «رسائل إلى رجال الثَّلج»، الصادرة حديثاً عن دار كتّاب للنشر والتوزيع، حيث تخاطب جموع الرجال المحتشدين في رجل واحد، تقلّبه بأسلوب رسائلي يستبطن نزعة درامية اعترافية، عندما تتساءل بنبرة اتهامية تقريرية «أم أن الرجل الشرقي مجرد حكومة عربية بدائية أخرى عمادها الاستبداد؟».
نصوصها القائمة على اللعب الحر باللغة لإنتاج المعنى، تبدو غير محسومة، فأحياناً تريد أن تستطرد في حالة استراوحية سردية، ثم ترتد إلى حالة من حالات القص القصير جداً، وبين البينين ترسل خطفات شعرية أشبه ما تكون بالشذرات، وهذا المزاج التلويني المنذور لتوليد نوبات كلامية محتواة في قوالب نصّية تعبيرية يحيل إلى مزيج من الازدحام الشعوري الذي يكتنفها، وهو الأمر الذي يفسر الرخاوة في النصوص الطويلة، التي تفتقر إلى الحركات التنقيحية، سواء على مستوى تقليص الشريط اللغوي الميت أو جوهر المعنى، فهي تعاني من الترهُّل الكلامي، مقارنة بالفلاشات الشعرية، التي تنم عن قدرة على التأني واستخلاص رحيق المعاني وضغطها في عبارات خاطفة.
حتى داخل النصوص الاسترسالية هناك قولات على درجة من الأناقة اللفظية وبلاغة المعنى، إلا أنها تحتاج إلى جهد قرائي لتبديد حواشي الكلام العادي والتماس معها، ففي رسالة «وجوه رجل الثلج» مثلاً، هناك عبارات شعرية على درجة من الخفة، ولكنها مطمورة تحت وابل من الشروحات والمحاججات العاطفية المستهلكة، كقولها «ومن عجائب الحب أن الأحذية التي اقتنيناها للقاء محبوب، مشينا بها في خطوات مغرية نحو آخر»، أو عندما تغلق حكاية الحب المعلقة على الأماني المؤجلة بعبارة مثقلة بالخيبات «بعض الرحيل أشبه بالخروج من الباب»، أو كما تفرغ ذاكرتها ولا تستبقي «سوى نيجاتيف أسود».
هكذا تبدو المجموعة كرثاء للذات المخذولة قبالة رجل موزع في صور بانورامية لمن تسميهم رجالا من ثلج، ففي أحد طوابع بريدها التي تطل كعناوين للنصوص تعلنها بصراحة جارحة «رباطة الجأش في مآتم الحب… لعنة»، وكأنها ترفض السماح للميوعة العاطفية بالتسرُّب إلى نصها، وفي الآن ذاته تريد الإفصاح عن قصة حب ذاتية يُراد لها أن تكون موضوعاً، للتمويه – ربما – أو تضييع فرصة الإحالة إلى الذات، لئلا تكون الكآبة الشخصية هي القيمة المهيمنة على النصوص، وهو الأمر الذي يفسر نثار الأخدوعات الرومانسية التهويمية التي ترمي بها في ممرات المجموعة.
تتضح تلك المراودة من خلال الاستغناء عن صيغة الجمع، وانهيار عنوان المجموعة التمويهي الجمعي على إيقاع التفاصيل المتشظية، والتحدث بخبرة حسّية ذات منزع فردي، تمثل فيها الذات الأنثوية ملتبسة بمشاعرها قبالة رجل فرد «قال لي ذات مرة بأن الكرز يزهر بين يَديّ»، أو كما تقص بشيء من الانتشاء والخذلان «قالت عيناه بأنني ازددت جمالاً، وقال قلبي بأنه ازداد قسوة، ثم انتهى اليوم»، فالشخص المتكلم بوصفه فرداً، وبموجب الخطاب الرسائلي الذي اعتمدته، يؤكد أنها تقول ما تعنيه، وأن الأفكار الحلمية الهاجعة لا تستيقظ ولا تتحرك إلا في مدار لهاث حميمي للذات، وليس بموجب مهماز رؤيوي تجريدي.
إنها نصوص يستولدها الخذلان الذي تصفه بالعلقم والعلة التي «تصيب القلوب الساذجة»، وهذه هي الخلية المفسرة لها، وهي مفتاح المعجم الذي تعتمده وفاء خلفان لسرد حكاية امرأة «عبأت خيباتها في أكياس التسوُّق، لم تدّخر حزنا»، امرأة مستنقعة بأحاسيسها في اليومي، وذلك هو بالتحديد ما يدفعها، من الوجهة التعبيرية، إلى تغليب النبرة الخافتة في مخاطباتها، واعتمادها كجزء من البنية الإيقاعية لنصوصها، وتشبيع عباراتها بالحس الرومانسي الذي يضاعف من ارتدادات الخيبة العاطفية لتستحيل قدراً بشرياً لاستدرار بعض العطف واستشعار المؤانسة من الآخرين «لنستحدث للغرباء قبيلة».
تلك هي المدارات اللغوية الشعورية التي تطوّح بامرأة لا تتردد في الاعتراف بأنها تعيش بذاكرة مذعورة، امرأة تحاول أن تنحت رجلاً في تمثال في الثلج، فهي تسويه على إيقاع الحسرة وانهمارات دموع خُسرانه، حيث لا تتوانى عن التصريح بمآل الذات الأنثوية عندما تستدعي بعض طرائقها في التحاور مع الرجل «لم يصنعوا الكحل إلا ليفضحوا بكاءنا»، بل تتمادى في الانكشاف وتذهب إلى ما هو أبعد في مدار الهشاشة العاطفية «لا أظن أنني سأتمكن من الكذب على نفسي هذه الليلة، أرجوك، اكذب علي».
وكمن يستعيد تفاصيل وقائع معاشة منزوعة الخيال تعيد تركيب ما جرى بحرقة «نتظاهر بأن شيئاً لم يكن، وبأن الماضي لم يدهسنا، نكذب على بعضنا بعضا، نتلحف بغطاء لا يقي من البرد، وننام»، تتأمل حالها في حضرة رجل الثلج الغائب «أُنصت لأحاديث كل عاشقة بلهاء، أتساءلُ إن كنت أبدو مثلهن حين أتحدث عنك!»، وكأنها تريد التأكيد على فعل الحدوث، وإن بدا الأمر داخل سيناريوهات إستيهامية، حيث يمثل رجل الثلج قبالتها بكل حواسه «فاسكت رجاءً! اصمت! لستُ بحاجة لغرور اللفظ في حنجرتك».
رجل الثلج أخرس، لا يتكلم، ولا يرد، أو هكذا أرادته أن يكون، حيث تضغطه في زاوية الخاذل برسائل ذات مغزى، توزعها في مفاصل المجموعة على إيقاع الحسرة والأمل واليأس بعد انقضاء ما تسميه بحكاية الحب الخرافية، حيث تعاتبه «أعرف قيمتي لديك»، ثم تلوح بخيبتها «ما زلت أعرف قيمتي لديك»، وتتمادى في تعميق حسرتها «لأنني أعرف قيمتي لديك»، لتُنهي فصول لعبه على مسرح عواطفها برسالة استسلامية غاضبة «ليتني ما عرفت قيمتي لديك»، وهذا هو قدر الذات التي تعيش الحياة بشكل دوراني «لست أعلم هل ولدتُ من جديد، أم قُتلتُ من جديد».
كل تلك التقلبات تشي بأن المجموعة وإن كانت تتعنون بـ «رسائل إلى رجال الثلج» إلا أنها تأتي في طور يقع ما بين كتابة الرجل ومكاتبته، وأن الإيحاء بأنها محاكمة مجردة للرجل كمعنى عام في إطار سوء الفهم الأبدي ما بين المرأة والرجل، ليس سوى حالة لتقنيع الذات في تماسها برجل له معناه وحضوره الخاص، فعندما تقول «أخبرتني حاستي السادسة عن خريطة عقلك السطحية، وعن نواياك ومبررات أفعالك الشرقية»، لم تكن تبني نصها على التجريدات، بل في صميم المحسوس والمعاش، وأنها تضع الأنوثة الفائقة قبالة العقيدة الذكورية ممثلة في رجل من لحم ودم، فرجل الثلج له مرجعيته الساطية، وهي تعي جيداً أن كتابته أجدى من مكاتبته فـ «القلوب الميتة كالأصنام، لا جدوى من الطواف حولها ولا فائدة من الحديث معها».
كاتب سعودي
محمد العباس