في المرة الأخيرة التي تم فيها اجراء اصلاحات في شارع ملتشت في تل ابيب، انقسم الشارع لعدة اسابيع بين مدينتين منفصلتين. سكان «ملتشتوبوليس العليا» ساروا بشكل حُر وتحدثوا بلغتهم ولبسوا ملابس نظيفة وأخذوا اولادهم من رياض عليها حراسة. أما سكان المدينة السفلى فقد ساروا فوق مياه المجاري والطين ونزلوا إلى حفر صغيرة كانت رؤوسهم تطل منها. وكان يمكنهم دغدغة أقدام سكان المدينة العليا. اضافة إلى ذلك، المدينتان عاشتا في انفصال مطلق في نهاية الاسبوع. وفي الوقت الذي كان فيه سكان المدينة العليا يستريحون في منازلهم، اكتفى سكان المدينة السفلى بالاستراحات القصيرة والوجبات السريعة على قارعة الطريق بملابسهم القذرة.
إن حظهم كان افضل من حظ طاهر الشبلي، عامل البناء الثامن الذي مات في إسرائيل منذ بداية العام الحالي. شبلي سقط من الطابق السابع إلى داخل غرفة المصعد في موقع للبناء في كريات موتسكين، ولم ينجُ. نبأ موته انضم إلى مئات الانباء عن سقوط عمال البناء في إسرائيل، الذين تحول موضوع موتهم إلى روتين: «عاملان سقطا وماتا في موقع بناء في تل ابيب». «عامل يبلغ 50 سنة من عمره مات في موقع بناء في الخضيرة»، «عامل بناء من الصين مات في موقع بناء في أسدود»، وهكذا دواليك.
حسب معطيات المركز القومي لبحث الصدمة والعلاج السريع، دخل إلى المستشفيات في سنة 2014، 570 مصاب بسبب السقوط من اماكن مرتفعة. ربعهم أصيبوا باصابات شديدة وخطيرة. وفي السنوات الاخيرة سقط ومات 30 شخص كل عام في مواقع البناء بالمتوسط.
على ضوء هذه المعطيات، كيف يُعقل أن يبقى الجمهور الإسرائيلي غير مبال بظروف تشغيل العمال ومصيرهم؟ إن العمال الذين يستمر سقوطهم الواحد تلو الآخر عن السقالات هم بمثابة الصورة في المرآة للعمال الـ 11 من الصورة الأيقونية لعام 1932. «وجبة غداء فوق ناطحة سحاب»، اولئك العمال الذين خالفوا قوة الجاذبية وهم يجلسون على سقف حديدي فوق مدينة نيويورك في موقع البناء روكفلر بلازا 30.
في فترة الجدران العالية عمل العمال في الولايات المتحدة في ظروف سيئة. مقاولو الابراج أخذوا في الحسبان فرضية أنه سيموت بالمتوسط عامل واحد مقابل كل عشرة طوابق.
ولكن مع مرور الوقت تحول المهاجرون من أوروبا إلى ابطال أمريكيين. وتحولت الصورة المشهورة إلى رمز لنيويورك. الابطال الجدد لم يكونوا مواظبين وشجعان فقط، بل هم ضحوا بحياتهم من اجل بناء المدينة الرائعة. يصعب الآن تخيل وجود صورة مشتركة لمقاولين من تلك الفترة في بوسترات أو على القمصان. لكن الامر الاصعب هو تخيل صورة عمال بناء صينيين أو عرب يبنون برجا في تل ابيب، تدخل إلى صفحات التاريخ الإسرائيلي. في إسرائيل اليوم، أمة «ستارت أب» التي تتم انجازاتها إلى حد كبير في المجال التكنولوجي، لم يبق فيها مكان لاحترام من يعملون في الاعمال اليدوية الصعبة. فالعمل في الحقول وفي البناء يقوم به الغرباء كجزء من التنازل الإسرائيلي عن صورة اليهودي السابق من مواليد البلاد. أحلامنا ما زالت تحلق في الهواء ورأس الآخرين في الارض. الاستخفاف بالبعد الفيزيائي يبرز في المجال الإسرائيلي العام، الوسخ والمهمل.
إن ضائقة عمال البناء هنا مزدوجة: اضافة إلى مكانتهم المتدنية فانهم لن يستفيدوا أبدا من ثمرة اعمالهم ولن يسيروا في الشارع الذي قاموا بتعبيده أو يسكنوا أو يزوروا المباني التي اقاموها. رغم أنهم يبنون إسرائيل بأيديهم فانهم منبوذون في المجتمع الإسرائيلي. وبالتالي تنشأ هنا مجموعة من الساقطين الذين هم ليسوا ابطال ولا توجد لهم مواقع لتخليد ذكراهم وبدون نصب تذكارية. العمال في نيويورك ماتوا من اجل مباني رائعة: خمسة عمال ماتوا اثناء بناء «الامبيرستيت». واقامة روكفلر سنتر تسببت بموت ستة عمال. ما الغريب إذا أن العمال هنا لا يحظون بمكانة الابطال؟ إنهم يضطرون إلى الموت من اجل مشروع سكني آخر.
هآرتس 31/3/2016
افشالوم حلوتس