حوار: كاظم خنجر
يؤكد الباحث المغربي يوسف هريمة أن مصطلح «التثاقف» الإشكالي ظهر مع الدراسات النفسية، ليشمل بعد ذلك مجالات أخرى كعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والأدب، مشيرا إلى أنه حمل لاحقا دلالات عدة أضافها الباحثون، من بينها: الهيمنة والغزو الثقافي وصراع الحضارات وغيرها.
■ يتخذ مصطلح التثاقف معاني وترجمات متشعبة، من بينها «التبادل الثقافي» و»المثاقفة» والإندماج أو التلاقي الثقافي، كيف تعرّف أنت هذا المصطلح؟
□ ظهر هذا المصطلح مع الدراسات النفسية، ليشمل بعد ذلك مجالات أخرى كعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والأدب، ويعتبر حقل الأنثروبولوجيا من الحقول التي استعملت هذا المصطلح بشكل كبير، لما له من ارتباط وثيق بذهنية الإنسان ونمط عيشه وتفكيره وأسلوب ثقافته. وكغيره من المفاهيم، أخذ هذا اللفظ حمولات مصدرها الدلالات التي أضافها له الباحثون، من زوايا عكست رؤى وظّفها كلّ بحسب اختصاصه ومجال اهتمامه. لهذا نجد أن باحثا مثل فريدريك بارتليت، نظر إلى المثاقفة بوصفها شكلا من أشكال الحركات الاستعمارية، كما أشارت إلى ذلك أحلام صبيحات، فالمثاقفة ليست هنا إلا الهيمنة التي تفرزها ثقافة المستعمِر، في مقابل الرضوخ والخنوع الذي تتلبس به ثقافة الشعوب المستعمَرة. هذه السيطرة يمكن أن تتجلى لنا من خلال ما أحدثته الحملات الإمبريالية لدى كل الشعوب، حين تذوب الفوارق بين الخصوصية والكونية.
وما يعيشه العالم اليوم من غزو ثقافي جسدته العولمة، بوصفها أحد تجليات التثاقف، هو خير دليل على أن حركة التثاقف هي حركة جدلية، تهدف إلى إضعاف كل ما هو محلي، لصالح الكوني أو العالمي بمفهوم الثقافة القوية. ولعل عالم الرأسمالية، أو صناعة مجتمع الاستهلاك بتعبير بودريار يزيح الستار عن كل الأقنعة، التي يمكن أن تخفي خطر هذا المصطلح وعدم حياديته. فالتثاقف، حسب وجهة النظر هذه، هو صناعة الإنسان ذي البعد الواحد، كما أشار إلى ذلك هربرت ماركوز، الذي قال إن «التناحر بين الواقع الثقافي والواقع الاجتماعي آخذ اليوم بالتراخي، فالعناصر المعارضة المتغربة المتعالية، التي كانت الثقافة الرفيعة تشكل بفضلها بعدا آخر للواقع، هي في سبيلها إلى الزوال. وتصفية الثقافة الثنائية البعد لا تتم الآن عن طريق نفي القيم، بل تتم عن طريق دمجها بالنظام القائم وعن طريق إعادة إنتاجها وتوزيعها على نطاق واسع».
وهناك من يمنح «التثاقف» مفهوما آخر وهو صراع الحضارات، الذي بشر به صموئيل هنتنغتون، تجسيدا لنظرية البقاء للأصلح، واعتمادا على منطق الصراع الذي يحكم الطبيعة والثقافة جزء لا يتجزأ من بنية هذا الإنسان، ولو أن فكرة الصراع حرّكتها دوافع فلسفة النهايات والتبشير بالنموذج الرأسمالي بوصفه نهاية النهايات، ومنتهى التاريخ على حد تعبير فوكوياما.
فالتثاقف هنا ليس سوى التفكير من داخل بوتقة القوي، وصانع القرار العالمي، كما هو مشاهد في عالمنا المعاصر، وحتى الذين رفعوا حوار الثقافات، أو حوار الأديان من أوساط المثقفين والسياسيين، ورجال الدين في عالمنا العربي والإسلامي، لم يعوا بأن الحوار يقتضي أطرافا متساوية. وكلما كان المحاور ضعيفا، فلن يكون حواره إلا لوكا لمفاهيم لم يع بعد امتداداتها، لهذا لم تنجح كل المؤتمرات الداعية إلى مثل هذه الحوارات، لعدم التكافؤ بين المتحاورين، وانخراط الثقافة الضعيفة بشكل قهري في دواليب الثقافة القوية.
وفي حقلي علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، كان التثاقف دالا على حركة التأثير والتأثر بين الثقافات، ودراسة العوامل المؤثرة في انتقال ملامح حضارة أو ثقافة أو فكر إلى ثقافات أخرى، وكيفية اندماجها بشكل كلي أو جزئي فيها. وهو ما عبر عنه القرآن الكريم بفكرة التعارف في قوله تعإلى «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم». فالتعارف هو لحظة حتمية يقتضيها الاختلاف وطبيعة البشر والكون. ولحظة التثاقف هنا هو أن يبحث الإنسان عن مظاهر كماله ونقصانه في علاقته بالآخر المختلف. والاختلاف هنا هو بحث عن نقاط التلاقي، لا نقاط التصادم كما تبشرنا به نظرية التثاقف.
■ هل البحث في التثاقف أقرب للجوانب الميدانية أم النظرية؟
□ ليس هناك فصل بين النظري والعملي إلا في ذهن الإنسان، فكل سلوك أو فعل، هو نتيجة طبيعية لعمق نظري، يستقي منه الإنسان ما يسدد به طريقه، ويوجه نظره. ولقد أشرنا سابقا إلى أن مفهوم التثاقف ظهر لأول مرة في حقل علم النفس، ليأخذ بعد ذلك مساره إلى باقي الحقول المعرفية كعلمي الاجتماع والأنثروبولوجيا. ولا شك في أن هذين العلمين يجمعان بين النظرية والتطبيق، أو بين الجوانب الميدانية والنظرية، لأن الإنسان هو مزيج بين الفكر والسلوك، وبالتالي بين البناء النظري والتطبيقي، وهو ما يحيلنا إلى ما كان يسميه غرامشي بفلسفة البراكسيس، حيث أنّ المبدأ الأساس في نظرية المعرفة عند غرامشي، تقوم على اللّحمة بين النظرية والعمل، لأنّ موضوعية المعرفة وحقيقتها هي في قلب الكلّية التاريخية لا خارج التّاريخ، ولا خارج الإنسان، ولا هي بأزلية… فالتّاريخ لا ينفصل عن الفلسفة، بل إنّهما يؤلّفان كتلة واحدة، ذلك هو موقف وجوهر فلسفة البراكسيس عند غرامشي.
■ كيف تعاملت في كتابك «ولادة المسيح» مع التثاقف؟ وهل للجانب الديني دور في تكوين الشكل التثاقفي؟
□ الكتاب يرمي إلى بيان جوانب التأثير والتأثر بين الأديان من خلال قصة ولادة المسيح. فمن خلال البحث في هذا الموضوع، يتبين أن غالبية العقائد والأفكار والتصورات التي استقى منها الفكر المسيحي مصادره، كانت يهودية بالأساس، تعتمد على العهد القديم، وكتابات المبشرين المتأثرين بالنبوءات اليهودية التوراتية. والخطير في حركة التثاقف هذه هو انتقالها إلى المجال التداولي الإسلامي، لتصاغ من جديد، في قالب روائي، مررته قواعد وأصول وضوابط، بدل أن تحمي هذا المجال من التأثر بما حذر منه القرآن الكريم، وإعادة تركيبه، قامت بالمحافظة عليه في التفاف واضح على مقررات الدين. إن قصة ولادة المسيح هي نموذج للغزو الفكري أو الثقافي العابر للحدود، وتأثيرها على ذهنية اليهودي والمسيحي والمسلم يفوق المتخيل. فكل الأحداث السياسية والعنف المطلق الذي نراه اليوم، ونعيش أحد أخطر فصوله هو تجلٍّ واضح من تجليات هذا المسلسل التثاقفي، لما لهذه القصة من أثر عميق في توجيه الفكر الديني عموما، والمسيحي منه على وجه الخصوص. وهذا التباين في وجهات النظر المختلفة حول كل مجريات ومستلزمات هذه القصة، كان راجعا بالأساس إلى إشكالية تعدد المصادر التي استقى منها الفكر المسيحي تصوراته وبناءه العقدي والفكري، الشيء الذي يعتبر ضروريا من الناحية المنهجية ونحن نتناول قضية لها وزنها في الفكر الديني عموما. ولها أيضا تبعات خطيرة تتجاوز في مداها البعد الديني إلى آفاق السياسة والاجتماع، وغير ذلك من المجالات.
إن الذين اعتنقوا المسيحية وبشروا بها في كتاباتهم كانوا من أصول وثقافات متعددة. وكل واحد منهم يحمل في طياته أفكارا وتصورات تنبئ عن المرجعيات المتعددة التي ينطلق منها كل واحد، وتبرز التثاقف الحاصل بين الأديان والحضارات والعقائد. فلوقا مثلا وهو من الكتاب الذين سجلوا قصة الطفولة، رأى أن يؤلف كتابا يسجل فيه هذه الأمور مثله مثل غيره، وإن كان يزعم أن تأليفه أكثر مصداقية، لأنه أخذ مادته من الذين كانوا معاينين وخداما للدعوة ، أي أنه استقى معلوماته من أتباع وتلاميذ المسيح.
كانت سيرة المسيح سيرة شفهية يتناقلها المسيحيون جيلا بعد جيل، ولم تكن هناك سيرة مدونة ومتفق عليها. وكانت فكرة الانتظار هاجسا يؤرق الفكر المسيحي كما أرقت اليهودي من قبله. فصارت أفكار العودة والخلاص وإقامة المملكة الداودية على الأرض، تخيم على عقلية المسيحي وتغنيه عن أي نص مكتوب. وبمرور الزمان ابتدأ الستار ينزاح من وراء هذا الاعتقاد، فاضطر الكثير من الناس إلى تدوين أناجيل وسيرة المسيح كما تعلموها من المسيحيين الأوائل، وقام كل واحد بوضع تصوره الخاص لسيرة المسيح طبقا لثقافته، ووفقا للمناخ الفكري والديني الذي نشأ فيه وتأثر به.
كان هذا التباين واضحا في كتابات المبشرين، فمنهم من كان يهوديا يعتز بالعهد القديم وتعاليمه وعقائده وطقوسه وشرائعه، فجاء تأليفه طافحا بالجانب الطقوسي العبادي المميز للديانة اليهودية، ومهموما بالفكر المؤسس لها. ومنهم من كان متأثرا بالفكر الغنوصي أو الدوسيتي الذي كان يرى أن المادة شر، وأن هناك صراعا بين النور والظلمة، فجاءت صورة المسيح في أناجيلهم تتطابق والعقائد والخلفيات التي ينطلق منها كل كاتب.
وقبل أن تكون قصة الولادة موضوعا مرتبطا بالمسيح فهي أشد ارتباطا بأمه مريم، هذه الشخصية التي أهمل المسيحيون جوانب مهمة من حياتها، وغضوا الطرف عن كثير من الحقائق التاريخية المرتبطة بها، متوجهين إلى الجانب الطقوسي والعقائدي نحوها، لتصبح أم الإله، وسيدة الكنيسة، وعذراء الرب. بينما الأناجيل تكشف عن حقائق خطيرة، تجاه هذه المرأة سيكشف عنها البحث بالمقارنة والتحليل.
إن أهمية الموضوع تنبع من أهمية الكتب المقدسة نفسها. فلقد شكلت هذه الكتب والوثائق التاريخية على مر العصور أحد المحددات الأساسية، والموجهات المركزية للعقل المتدين بشكل عام في كل زمان أو مكان. كما تنبع أهميته أيضا من الواقع المعاصر بكل تشكيلاته وتعقيداته. فلا بد أن العقائد والأفكار والتصورات التي تحتويها هذه الكتب، تتجاوز في امتداداتها صفحات هذه الكتب والوثائق. فالأفكار لا يمكن حصرها في دلالات الألفاظ، أو مشاهد وفصول كل أحداث التاريخ المروي داخل الكتب المقدسة، وإنما يتجاوز الأمر كل هذا في اتجاه التأثير والتأثر بشكل أو بآخر بالواقع الاجتماعي أو الفكري أو الثقافي.
وقصة ولادة المسيح بكل تشعباتها وامتداداتها الفكرية والعقدية، لا تخرج عن هذا الإطار المتحدث عنه سابقا. فقد ظل تأثيرها يوحي إلى كل باحث أو مؤمن أو راغب في الاطلاع على مجريات هذه القصة، بأفكار لازمت الفكر الديني عموما، وارتبطت به ارتباطا وثيقا لأنها وجدت فيه التربة الخصبة والمنبت الملائم لمثل هذه التصورات. وانطلاقا من الأهمية القصوى التي تحتلها مثل هذه البحوث، وخطورة تجليات هذه المواضيع على الواقع الإنساني، كان العزم على اقتحام هذا المجال المليء بالمجازفات المعرفية، والممتلئ بالصعوبات والعراقيل النابعة من طبيعة البحث في الكتب المقدسة نفسها.
يلفت انتباه الباحث وهو يقرأ التضمينات والشواهد التوراتية التي تمتلئ بها نصوص العهد الجديد، فيتساءل كل مرة عن دلالة تلك التضمينات وخلفياتها، ومدى ضرورتها للعقيدة المسيحية، بعد أن انتشرت بين الأمم التي لم تعرف التوراة. تحوَّل هذا الاهتمام إلى تساؤل ودافع إلى خوض غمار هذا البحث بكل تجاذباته وتقاطعاته، فبدأت بمدارسة هذه القصة من خلال الكتب المقدسة القانونية وغير القانونية. أطالعها مطالعة الدارس الرامي إلى فهم أمورها بعيدا عن النظرة المتحيزة في الدين، سالكا بذلك مسلكا يفهم الأمور بمنطق الكتاب نفسه، متسائلا عن الروايات التي تثير التساؤل، ومحاولاً العثور على إجابة من خلال الاستقراء والمقارنة التي اعتمدناها أسلوبا خلال هذا البحث. كما كان لزاما ونحن نتناول موضوعا في حجم ما نحن بصدد مدارسته، أن أرجع إلى الكتب التي أعرضت عنها الكنيسة، وتشكل ثروة معرفية وعقائدية ووثائقية كبيرة، لها تأثيراتها سلبا أو إيجابا على مجريات الأحداث. وكل ذلك من أجل الوصول إلى معرفة الجدلية القائمة بين اليهودية والمسيحية من خلال هذه القصة.