لن نحتاج لخبير في لغة الجسد ليدلنا على الفرق بين تعابير وجه الرئيس التونسي وحركاته، وهو يلتقي الأربعاء الماضي في قصر قرطاج، وزير ديوان الرئاسة الإمارتي فارس محمد المزروعي، وتعابير وجهه وحركاته وهو يقابل بعدها بيومين وزير الدولة للشؤون الخارجية القطري سلطان بن سعد المريخي.
فكل من شاهد المقاطع المصورة للمقابلتين على التلفزيون الرسمي، تمكن من أن يخرج على الأقل باستنتاج بسيط، وهو أن الباجي قائد السبسي بدا أكثر ارتياحا وحتى حميمية مع الضيف القطري، فيما لم تفلح ابتساماته البروتوكولية لمبعوث الإمارات في إخفاء حالة القلق والتوجس التي شعر بها المسؤولون التونسيون منذ الساعات الاولى لزلزال الخامس من يونيو الجاري. وربما لخص البيانان اللذان صدرا عن الرئاسة لاحقا تلك الحالة وعبرا، ولو بشكل موارب، عن نجاح تونس في قطع الطريق أمام كل الضغوط الإماراتية والسعودية، التي حاولت جرها للانضمام إلى جوقة المقاطعين لقطر، من خلال اختيارها الحياد في الخلاف الخليجي.
لقد اكد قائد السبسي للوزير الإماراتي، بحسب ما نقلته وكالة الانباء الرسمية، على «اهمية تجاوز الخلافات القائمة عبر الحوار والتفاهم للحفاظ على التضامن الخليجي والعربي»، وهو تعبير دبلوماسي مخفف يعني بالعبارة العامية «يفتح الله» «لا تنتظروا منا أن نبارك حربا أو حصارا آخر في الخليج». وفي المقابل فقد ترك غياب اي رد فعل للوزير الاماراتي على كلام الرئيس التونسي، واكتفاء الوكالة الرسمية بالاشارة فقط إلى أن الوزير القطري عبر عن «تقدير بلاده الكبير لرئيس الجمهورية على رؤيته الحكيمة، ودعوته كل الاطراف إلى الحوار والتفاهم، لما فيه خير المنطقة الخليجية والعربية» انطباعا على أن تونس التي لا تتوقع أن يرضى الجميع عن موقفها، ليست مستعدة لأن تسير على خطى جزر المالديف وترمي كل بيضها في سلة التحالف المضاد لقطر، وانها لن تنحاز لطرف على حساب الاخر. هل قالها الرئيس التونسي صراحة لضيفه الإماراتي أم لا؟ وهل قدم له الاخير عرضا افضل من العروض التي قدمتها بلاده في السابق، حتى يفض شراكته مع الاسلاميين ويتخلص منهم؟ والاهم من ذلك هل بحث الاجتماع قضايا داخلية تونسية، من قبيل ذلك الاعلان المفاجئ في الليلة التي تلت قرار قطع العلاقات بقطر عن «إرساء هيئة دائمة للتنسيق بين حزبي حركة النهضة وكتلتهما البرلمانيتين» وهو ما فهم على انه إعلان لتحالف طويل المدى بين الاسلاميين وورثة النظام القديم؟ ما حصل بالنهاية هو أن المبعوث الاماراتي عاد إلى ابوظبي بيد فارغة وأخرى لا شيء فيها. وما لفت الانتباه اكثر هو انه في الوقت الذي كان فيه الرئيس التونسي يستقبل الوزيرين الخليجيين، كان وزير خارجيته يؤدي زيارة عمل إلى انقرة، لعل أبرز ما ميزها هو لقاؤه بالرئيس التركي رجب طيب اردوغان، الذي اكد عزمه على زيارة تونس في اقرب وقت، تلبية لدعوة الرئيس قائد السبسي، وحديثه في وقت سابق لذلك مع نظيره التركي حول مستجدات الأزمة في الخليج العربي، الذي انتهى إلى التأكيد، بحسب بيان وزارة الخارجية، على حرص البلدين على»ان يتم تجاوز الخلاف القائم بين دول مجلس التعاون الخليجي، والتوصل إلى حل سلمي للازمة، حفاظا على أمن المنطقة».
وإذا جمعنا كل ذلك فان الاستنتاج الذي سنخرج به هو التحالف المضاد لقطر مني في خضم الازمة الخليجية الاخيرة بانتكاسة كبرى في تونس، وربما خرج بخسارة مزدوجة. فخارجيا جاء الموقف الرسمي التونسي رافضا لحصار قطر وقرارات قطع العلاقات معها، وداخليا ظل التصميم على الحفاظ على التحالف والشراكة في الحكم بين الاسلاميين والعلمانيين ثابتا.هل استطاعت تونس أن تستغل انشغال الاماراتيين بالأزمة في الخليج، حتى ترسل لهم بعض الإشارات القوية على انه آن الأوان لأن تصفي معهم بعض حساباتها القديمة؟ وهل اختارت أن تغمز لهم من قناة حاجتهم لها في الحلف المضاد لقطر، وتقول لهم كيف تطلبون منا أن نقف في صفكم ضد بلد خليجي كان الوحيد الذي ساندنا ووقف معنا، بعد أن أوقفتم كل مشاريعكم واستثماراتكم في بلادنا، ورفضتم في أحلك وأصعب ازماتنا المالية أن تمنحونا، ولو على سبيل الإقراض، عشر ما تكرمتم به لمصر من هبات بعد انقلاب السيسي؟
ربما كانت الأفعال هنا أقوى وابلغ من الأقوال. ولكن سيكون من غير المنطقي ولا الواقعي أن نتصور أن الحياد التونسي يمكن أن يحتمل أشياء أخرى أكثر من بعض العتب واللوم للإمارات والسعودية. فلا أحد يستطيع أن يتصور أن تونس مستعدة لان تقطع «شعرة معاوية» مع الحلف المضاد لقطر، أو أنها قد تمضي بعيدا وتدخل في مواجهة أو قطيعة تامة مع الامارات مثلا. يبقى أن قدرتها على الصمود والثبات على خيارها مسك العصا من الوسط سيكون مرتبطا إلى حد كبير بتطورات الازمة في الخليج، ثم بقدرتها على استكمال مسارها الديمقراطي، من دون اي حوادث أو هزات. وقد يجدد الإماراتيون العرض الذي تحدث عنه الصحافي التونسي سفيان بن فرحات قبل سنتين من الآن، في برنامج تلفزيوني، وربما يقولون مرة اخرى لقائد السبسي أن مساعداتهم واستثماراتهم موجودة، وأنها تنظر منه فقط أن يقدم على الخطوة التي رفضها في السابق، وهي تكرار السيناريو المصري في تونس. وقد يرد عليهم التسعيني الذي خبر كواليس السياسة وألاعيبها، بأن عليهم أن يصبروا وينتظروا أكثر، وأن ما نفع في مصر لن ينفع بالضرورة في تونس. ومن الواضح أن ما سيزيد في تمسك تونس بخيار الحياد الرسمي، هو انه فضلا عن انها لن تجد اي مبرر لمجاراة الإمارات والسعودية في حصارهما لقطر، الدولة الخليجية الوحيدة التي وقفت مع تونس وساندتها بالافعال قبل الاقوال، هو أن موقفها لن يختلف هذه المرة عن مواقف جيرانها المغاربيين، باستثناء الشرق الليبي بالطبع، ولن يتعارض حتى مع موقف فرنسا أو أوروبا التي لا تميل حتى الان للتصعيد في الخليج.
والمشكل أن المنطق الذي يحكم الدول التي تفرض الحصار هو، أن من لم يكن معنا ويبارك أعمالنا ويدين خصمنا ويلفق له الاتهامات مثلما نفعل، فهو لن يكون الا في الصف المعادي لنا، أي الداعم والمساند لغريمتنا قطر. وما يدركه التونسيون هو أن المحور الإماراتي لايزال يملك اوراقا مهمة قد يستخدمها في أي وقت. وليس الامر متعلقا هنا بحجم الاموال التي ضختها ابوظبي حتى تؤثر على صناعة القرار المحلي فحسب، بل ايضا بخطر توسع نفوذ حليفها الليبي الجنرال حفتر، وما يمكن أن يسببه ذلك من مشاكل وتعقيدات إضافية للاوضاع الداخلية في تونس. لكن كل ذلك لا يمنع الكثيرين من أن يتفاءلوا بقدرة تونس على أن تمتص تداعيات قولها «يفتح الله»، وان ترددها مرة ثانية، إن لزم الامر في وجه كل من سيدعوها مستقبلا للاشتراك في اي حصار عربي مماثل.
كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية