إسطنبول ـ «القدس العربي»: قبل أيام فقط من الانتخابات البرلمانية التركية التي توصف بـ»المصيرية» لجميع الأحزاب، ما زال من غير المعرف إن كان أكراد البلاد سيتمكنون من تخطي حاجز الـ10% من أصوات الناخبين لدخول البرلمان أم لا، وهي النسبة التي قد تضع الأكراد بين خياري الانغماس بالعمل السياسي أو أن تعيش البلاد هاجس عودتهم لحمل السلاح، بحسب مراقبين. وينص قانون الانتخابات التركي على أن أي حزب سياسي يخوض الانتخابات البرلمانية عليه الحصول على أكثر من 10٪ من أصوات الناخبين لكي يتمكن من دخول البرلمان، ودون ذلك لا تحسب له الأصوات التي حصل عليها طالما لم يتمكن من تجاوز هذا الحاجز.
الأكراد وطوال العقود الماضية كانوا يخوضون الانتخابات البرلمانية كمستقلين، كونهم على علم بأنهم لن يتمكنوا من الحصول على نسبة الـ10٪ من أصوات الناخبين، لكنهم ولأول مرة في تاريخهم قرروا خوض الانتخابات من خلال حزب سياسي وهو حزب «الشعوب الديمقراطي».
وكان الأكراد المستقلون يحصلون غالباً على نسبة تتراوح بين 6-7٪ من الأصوات، لكن خوض زعيم الحزب الكردي صلاح الدين ديمرطاش الانتخابات الرئاسية الأخيرة في آب/أغسطس الماضي، وحصوله على نسبة 9.76٪ أنعش آمال الأكراد بتجاوز حاجز الـ10٪ ودفعهم لخوض هذه المغامرة.
وما زالت استطلاعات الرأي تعطي نتائج متباينة حول النسبة المتوقع أن يحصل عليها الأكراد «حزب الشعوب الديمقراطي»، في الانتخابات المقررة في السابع من يونيو/حزيران الجاري، ففي الوقت الذي توصلت استطلاعات إلى أن الحزب لن يتمكن من تخطي حاجز الـ10% وبالتالي لن يدخل البرلمان، قالت استطلاعات أخرى إن الحزب سيتمكن من ذلك وسيدخل البرلمان لأول مرة في تاريخه. شركة «ORC» التي تعتبر من أكبر وأوثق معدي استطلاعات الرأي في البلاد، اصدرت الأربعاء، نتائج آخر استطلاعاتها قبل الانتخابات، والتي تفيد بأن حزب العدالة والتنمية الحاكم سيحصل على نسبة 46%، ويليه حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة بنسبة 25.3%، ثم حزب الحركة القومية بنسبة 15.5%، ثم حزب الشعوب الديمقراطية بنسبة 9%.
إن صدقت نتائج هذا الاستطلاع فإن الأكراد لن يتمكنوا من دخول البرلمان وسيخرجوا من الانتخابات بدون أي مقعد، وبالتالي الابتعاد عن ممارسة العمل السياسي المباشر وهو الأمر الذي يثير الكثير من القلق لدى الحكومة التركية والشارع بشكل عام. وفي خضم هذه الأزمة، يبدو حزب العدالة والتنمية في موقف لا يحسد عليه، بحسب العديد من المراقبين، فهو الحزب الحاكم صاحب برنامج السلام مع أكراد البلاد والذي تم بموجبه إعلان القاء السلاح وخروج المسلحين إلى خارج حدود البلاد.
ويكمن التحدي الحقيقي للحزب الحاكم، كونه يريد دخول الأكراد إلى البرلمان للانغماس أكتر في العمل السياسي وإكمال «مسيرة السلام» مع الحكومة، لكن ذلك لن يأتي إلا على حساب عدد المقاعد التي سيفوز بها العدالة والتنمية بالبرلمان المقبل، وهو البرلمان الذي يسعى الحزب أن يحصل فيه على أكبر عدد من المقاعد لكي يتمكن من تحقيق رؤية الرئيس رجب طيب أردوغان بكتابة دستور جديد للبلاد، وتحويل نظام الحكم إلى رئاسي.
ففي حال تمكن الحزب الكردي من كسر حاجز الـ10٪ فإنه سيكون قوة فاعلة بالبرلمان، وبالتالي سيتمكن من تقليص عدد المقاعد التي سيحصل عليها حزب العدالة والتنمية الذي يعتمد جزء من أصواته على الأكراد المحافظين. ولكن في حال لم يتمكن الحزب من كسر هذا الحاجز، ستنقلب الأمور لصالح حزب العدالة والتنمية بشكل أكبر حيث سيتم وبموجب القانون توزيع الأصوات التي حصل عليها مرشحو الحزب على المرشح الذي حصل على أعلى نسبة من الأصوات في نفس الدائرة الانتخابية، وبالتالي سيحصل حزب العدالة والتنمية على حصة الأسد من هذه الأصوات كونه المنافس الأقرب في المناطق الكردية، ويعني ذلك رفع «العدالة والتنمية» حصته بالبرلمان من 20-30 نائب إضافي.
لكن وفي ذات الوقت، لا يرغب حزب العدالة والتنمية، أن يكون الأكراد خارج البرلمان المقبل، كون العديد من المراقبين يخشون من دخول الأكراد في حالة يأس وبعد عن النشاط السياسي المباشر، وبالتالي العودة إلى العمل المسلح وهدم كل ما تم التوصل إليه في «مسيرة السلام الداخلي».
خياران «أحلاهما مر» لحزب العدالة والتنمية، فما بين التفكير بكسب أكبر عدد من المقاعد بالبرلمان، وبين محاولة حماية «مسيرة السلام» لتحقيق نجاح تاريخي في فترة حكمه المقبلة ينهي عقوداً من الصراع المسلح مع أكراد البلاد، تستمر حيرة الحزب حتى الأحد المقبل موعد الانتخابات وإعلان النتائج، التي سترسم شكل جديد لنظام الحكم بالبلاد.
إسماعيل جمال