باريس ـ «القدس العربي» من سليم البيك: يمكن القول إنه فيلم ينجزه الكبار، ليس بالفكرة فيه، وهي لافتة، إنما بكيفية تنفيذها، بالشكل الأخير الذي ظهر عليه الفيلم. أما الفكرة فهي تصوير متزامن لأكثر من شخصية تلتقي، أخيراً، في لحظة ما ينتهي عندها الفيلم، أو تلتقي مصائرها في هذه اللحظـــة، الشخصيات جميعها. كي لا نبتعد كثيراً بالأمثلة، المشاهد الأخيرة للفيلم الأخير لثلاثية «الألوان الثلاثة» للمخرج البولندي كذلك، البديع كريستوف كيسلوفسكي، جمعت شخصيات رئيسية من الأفلام الثلاثة.
ليست التقنية جديدة إذن، لكنها أُنجزت، أخيراً، بشكل يجعل الفيلم مرجعاً لهذه التقنية في السرد، في نقل حيوات متعددة متوازية في مكان وزمان وحيدين، لا علاقة لإحداها بالأخرى إلا بالقدر الذي يجمعها فيها مشهد أو مشاهد أخيرة في الفيلم. وأخذاً بعين الاعتبار السيرة الفيلمية لسكوليموفسكي لا يجب توقّع جودة أقل لفيلم ينجزه وهو الآن في ال 77 من عمره.
في الفيلم شخصيات عدة ، هنالك ما يربطها بشكل غير مباشر في مدينة وارسو في الخامسة عصراً: مخرج السينما المتحرّش بممثلة تزوره في غرفته في فندق ليبحثا في عمل لها في فيلمه، ولهذه الممثلة الجميلة زوج غيور يلحقها إلى الفندق ويمضي الوقت في الممر أمام الغرفة. يمر الأخير بجانب بائع هوت دوغ على عربة في حديقة مقابل الفندق، لهذا البائع حكايته، من زبائنه خمس راهبات، له ابن يعمل على دراجة لإيصال الطلبات. في المبنى المقابل عشيقان، أحدهما يعمل كمنظف لزجاج المبنى من خارجه، يوقف المصعد الخارجي أمام نافذة حبيبته ويدخل ليمضي وقتـــاً معها، وهذه الأخيرة ممثلة في فيلم بورنو… وآخرون. في لحظة واحدة وفي مكان واحد يجتمعون لينتهي الفيلم بكارثة.
أما الكارثة فهي غير متوقعة بالمرّة، تبدأ بكسر الزوج الغيور لقفل باب الغرفة بطفّاية حريق وتنتهي بحوادث خارج الفندق وبقتلى، يتداعى كل ذلك كأحجار الدومينوس، في أقل من دقيقة تحصل الكارثة التي لم يكن هناك ما يشير إليها، بحجمها، قبل لحظات.
وهذه نظرة المخرج للحياة التي نعيشها، وقد قالها في مقابلة أجريت معه في صالة السينماتيك في تولوز مقدّماً لعرض الفيلم، قبل أيام، أن العالم الذي نعيش فيه يسير إلى هاوية لا نعرف في أي لحظة يمكن أن نصلها، ولا نعرف اللحظات الأخيرة للحياة العادية التي ستقطع روتينها هذه الكارثة.
لكل ذلك، ليس هنالك حكاية في الفيلم الذي تجري أحداثه أساساً في 11 دقيقة، تبدأ من الخامسة تماماً، فيلم كامل، بساعة وعشرين دقيقة، تجري أحداثه، الموزّعة على الشخصيات، بإحدى عشرة دقيقة، ما لا يسمح بسرد حكاية، بل بنقل مجتزآت من حكايات عدة، لتتقاطع هذه المجتزآت في النهاية. كما أن 11 دقيقة لا تكفي لبناء شخصية، كل الشخصيات لم تُقدّم في أكثر من 11 دقيقة من حياتها، وهي الإحدى عشرة دقيقة الأخيرة في حيواتها. فكان الشغل لا على بناء الحكاية أو الشخصيات بل على بناء الصُّدف، لحظات الصدفة التي تتقاطع عندها هذه الشخصيات.
في فيلم دون شخصيات تُبنى وتتطور درامياً ودون حكاية واحدة يتابعها المُشاهد، كان لا بد من الاعتماد على التقنية لملئ الساعة والعشرين دقيقة من مدة الفيلم، وهذه التقنية هي هنا أولاً إعادة التصوير لبعض اللحظات لدى بعض الشخصيات، إنما من زوايا مختلفة، وبمراحل متفاوتة من الفيلم ما يجعلنا نفهم ما لم نفهمه في التصوير الأول للحظة ذاتها. وثانياً فإن التقنية هذه تعتمد على المونتاج، وللمونتاج دور كبير في صناعة الفيلم، أو تحديداً في أسلوب سرد ما أسميتها المجتزآت من حيوات الشخصيات المتعددة فيه.
هذه الإعادة تسبّب للمشاهد إدراكاً مختلفاً لما يحصل أمامه، للتوتر المتصاعد، للالتقاء بين الشخصيات والذي نشعر باقترابه كلّما اقترب الفيلم من نهايته، والتكرار يصل إلى لقطات قد لا تكون مفهومة حتى يصل الفيلم إلى نهايته، لقطات رمزية لا وظيفة أخرى لها في الفيلم، وهي عديدة، وكانت تُنبّئ، بشكل ما، بكارثة آتية، أساس الكارثة هو تراكم محرّضاتها الكامنة في حيوات الشخصيات، والصدفة التي تشعل هذه المحرّضات كلّها مرة واحدة.
الفيلم (11 Minutes) من كتابة مخرجه، سكوليموفسكي، له بداية ونهاية بديعتان، زوايا تصوير ولقطات تجمع بين القريبة والبعيدة، بديعة كذلك، استخدام لافت للصوت والموسيقى، وهو فيلم لا يتكرر خلال السنة. شارك في 2015 في كل من مهرجاني فينيسيا وتورونتو، ويُعرض حالياً في الصالات الفرنسية.
يأتي الفيلم ليضيف إلى بعض أفلام سكوليموفسكي الممتازة، وهو مختلف عنها جميعها في طبيعته، كـ «قتل أساسي» في 2010 و «أربع ليال مع آنا» في 2008 و «شغل أسود» في 1982 و «المغادرة» في 1967 وغيرها.