17 فناناً يجسدون سلوكيات الشركات والبشر في تدمير الحياة

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: بالتزامن مع بيئة تتدهور في لبنان إن لجهة أزمة النفايات ودفنها في البحر، وإن لجهة إعلان وفاة شبه كاملة لأي كائن حي في بحيرة القرعون نتيجة التلوث المفتعل، كان المعرض الفني المحلي والدولي الذي حمل عنوان «النشرة الجوية الآن» في متحف سرسق. العنوان الذي عالجته محتويات المعرض أضاف موضحاً أن «الفن والإيكولوجيا في وقت مأزوم». نعم وبكل تأكيد. ولبنان في طليعة من ينتهكون حقوق الطبيعة على المستويات كافة. وليس لنا السؤال أين هي حقوق البشر لتبرير الإمعان بحقوق الطبيعة. بكل بساطة نحن شعب «ينق» من تغير المناخ. يستنكر تناقص الثلوج، يبكي على الأنهار التي تحولت مجارير آسنة، وعلى الجبال التي اقتلعت أشجارها فوضى البناء، أو أكلتها الكسارات، وفي الوقت عينه يصّر الكثيرون على اقتناء السيارات الرباعية الدفع؟
معرض متحف سرسق الرائد والمستمر إلى 24 تشرين الأول/اكتوبر المقبل يحمل هماً بيئياً قدمه من خلال أشكال متعددة، تحمل أبعاداً جمالية فنية وبيئية في الوقت عينه. هي رسالة الفن والمجتمع بعد امعان الإنسان في انتهاك الطبيعة والأرض التي يعيش عليها، ويعيش منها دون أدنى شعور بالذنب. منذ عقود والمؤتمرات الدولية تنعقد بهدف البحث والعمل للتخفيف من الاحتباس الحراري الذي تقوم به الدول من خلال سياساتها الخاطئة، وكذلك الأفراد، ولم يتحقيق أي تقدم. ومنذ سنوات تتزايد الحركات الدولية الباحثة عن تحقيق الأمان للمحيط الذي تعيش فيه، ولما هو أبعد بكثير. الواقع البيئي المتردي على مستوى العالم ككل بات يصرخ طلباً للنجدة، ومن أجله تشكلت أحزاب بيئية في كافة الدول، وكذلك جمعيات. الواقع يلح طلباً لتغيير سلوكيات بشرية غير محمودة العواقب. ومتحف سرسق في معرضه الراهن يظهر مدى الأثر السلبي للحياة التي نعيشها على مستقبل الأرض. إنما مسؤولية احترام الأرض وما عليها تقع على عاتق الحكومات من خلال القوانين والتشريعات، ومن ثم الشعوب. فاحترام الإيكولوجيا يحتاج لتشريعات، وكذلك للوعي وللالتزام المعنوي والأخلاقي من قبل الإنسان. إذ يقول المعرض في كافة محتوياته وبرسالة واضحة جداً بضرورة لجم الإبادة الإيكولوجية التي نعيش في آتونها والتي تصب في صالح قلة من الأفراد والشركات. فالأرباح التي صارت هدفاً ومهما كانت الوسيلة لتلك الشركات، حاول المعرض الوقوف بمواجهة صامتة معها دفعاً للتفكير بالمستقبل. فهل سيتأمل الإنسان انعكاسات أفعاله الأنانية على محيطه القريب والبعيد ويعتبر؟ هذا ما يأمله الـ 17 فناناً من لبنان والعالم تشاركوا في انجاز معرض «الفن والإيكولوجيا في وقت مأزوم»، حيث كثير منهم وجدوا في لبنان المادة الداعمة للفكرة التي هم بصددها. وفي مقاربة ذات دلالة كبيرة على كوارثنا البيئية المحلية أن نرى صورة فوتوغرافية قديمة لنهر بيروت ممتلئ عن ضفتيه، رقراق وصاف. في حين أن أجيالاً لم تعرف النهر بما قدمته الصورة، بل مجروراً برائحة نتنة.
منشورات توضيحية عدة رافقت المعرض، منها الدستوري والقانوني. ففي دستور الإكوادور المقر سنة 2008 والمتعلق بحقوق الطبيعة أن: النظم الإيكولوجية ـ الغابات الحية والجبال والأنهار والبحار ـ هي أشخاص قانونية لاسيما على ضوء «الحق في الاحترام لوجودها وللحفاظ على دورات حياتها وبنيتها ووظائفها وعملياتها التطورية، وتجديدها». لم تأت تلك القوانين هباء بل نتيجة صراعات تاريخية بين السكان الأصليين على حقوق الملكية الجماعية للأراضي في الإكوادور. كما تشهد الإكوادور حالياً محاكمات تتعلق بالغابات تنسجم مع كتاب ميشال سيريس «العقد الطبيعي» الصادر سنة 1990. في هذا الكتاب الذي تزامن مع اندلاع انتفاضة السكان الأصليين يقول سيريس «بوجوب منح الطبيعة حقوقاً مشابهة لتلك الممنوحة للبشر».
على مساحة شاسعة انتشرت محتويات المعرض. وفي التماس الأول معه يطرح أسئلة مصيرية وجوهرية في حياة سكان هذا الكوكب: ما هي علاقة الإيكولوجيا بالنزاع؟ كيف ترتبط منظومة اقتصادية بمنظومة إيكولوجية؟ ما معنى أن يكون بإمكاننا رؤية مواد بلاستيكية في الفضاء؟ ما هو عدد الكوارث التي تتسبب بها الأحوال الجوية سنوياً؟ هي أسئلة وجدت اجاباتها باللقاء المباشر مع محتويات المعرض، ومن خلال العروض السمعية والبصرية، وكذلك من خلال جولات الحوار والنقاش، والزيارات الميدانية إلى مواقع طبيعية في مناطق متعددة من لبنان، ومنها زيارة نهر بيروت التي اطلق عليها تعريف «زيارة سامة».
في المعرض أعمال تعتمد التجهيز، الذي يتجه أحياناً نحو التعقيد. من تلك الأعمال ما هو مستخرج من البيئة اللبنانية للمزيد من تسليط الضوء على عنوان المعرض واستدعاءاته. كما حضر الفيديو، والعديد من الصور الفوتوغرافية، وتميز التشكيل والتركيب. مفاهيم فنية متعددة تضافرت لتساهم بإيصال الرسالة، وصولا للإعلان بأن الأرض بلغت حدّ الكفر من أنانية الشركات ومنطق الجشع والربح. من المعرض صور من الكونغو الديمقراطية لسامي بلوجي، تبرز مشاهد لمناجم مفتوحة تغمرها المياه، وعمّال بحجم النمل يعملون في تعدين النحاس والكوبالت، وبجانبها مساكن العمّال، بل أكواخهم، وفي المقابل صورة تعرض منزلاً فخماً مع بركة سباحة للبيع. ومن الولايات المتحدة تسأل كلير بينتيكوست عبر تجهيز متنوع وملفت جداً إن كان «ممكناً أن نحب قدرنا فيما نواجه التأثيرات العالمية لتغيّر المناخ؟ توجهت في صورتها إلى سمكة متحجرة كانت تستوطن سابقاً البحر الدافئ في المكان نفسه المسمى حالياً لبنان. هو نقد فلسفي، جغرافي، بيئي وجيولوجي للاستهلاك الكثيف للطاقة وحيث معظم حرياتنا الفردية تعتمد عليه. كلير تشجع لرسم مصير نستطيع أن نحبه. وهكذا تلألأت لوحتها بدموع الحب. عبر ثماني شاشات متحركة قدمت ناتاشا صدر هاغيغيان ثيمة السفر والرحيل عبر حقيبة وقنينة ماء وما ينتج عن ذلك من تلف واستهلاك. وعبر الفيديو والبحث في التقلص السريع للتنوع البيولوجي غير البشري على الكرة الأرضية قدمت صافية المرية تحية مؤثرة إلى الحوت الأحدب العربي الذي يواجه خطر الانقراض. أربع منحوتات متجانسة على شكل مكعبات قدمها مروان رشماوي ليقول أن الإنسان في لبنان محاط بفضلاته خاصة مع وجود المطامر واستحداث الجديد منها. يدعو رشماوي لإعادة النظر بمفهوم ثقافة الاستهلاك المعاصرة، وإعادة النظر في المفاهيم السائدة المتعلقة بالمنفعة والجمال. فأحد مكعبات رشماوي تم تجميعه على سبيل المثال من 328 عبوة ماء بلاستيكية بحجم ليتر ونصف. جيسكا خزريك فنانة عراقية أعادت تذكير اللبنانيين بنفايات شننعير الشهيرة المستوردة من ايطاليا عام 1987، والتي طمرت ليس بعيداً عن مكان نشأتها في لبنان. كانت محقة بأن تعرّف تلك الواقعة بنادي شهود الزور. ومن خلال مجموعة من الصور الفوتوغرافية من موقع غيرسو الأثري في العراق حيث اندلعت حرب للسيطرة على الماء سنة 2600 قبل الميلاد حاول الفنان الفرنسي إيميريك لويسي النظر إلى المستقبل من خلال الماضي. الحرب في سوريا، ومحاولات «الدولة الإسلامية» للسيطرة على السدود في كل من العراق وسوريا، وسيطرة تركيا على تدفق مياه دجلة والفرات عوامل مسببة لعدم الإستقرار في المنطقة. وإلى أعمال العديد من الفنانين المؤثرين في تلك الثيمة الخاصة بالبيئة خصص المعرض غرفة للقراءة جمعت كتباً مختارة من شأنها طرح الأسئلة في السياسة، الاجتماع والاقتصاد ومنها السؤال المحوري المنطلق من تجارب ماضية: هل تقدّم الإيكو ـ نسويات طريقة مغايرة في التفكير تخرجنا من لحظة الأزمة الإيكولوجية الراهنة؟ غرفة القراءة هذه ناشطة حتى اللحظة من ضمن سياق المعرض. والكل كان يوافق على الحاجة إلى اسلوب جديد لفهم بصمتنا على الكرة الأرضية، والتي كانت كارثية وسريعة منذ اكتشاف النفط لأول مرة سنة 1908 في إيران، ومن ثم سنة 1938 في السعودية.
ثيمة المعرض تدعوا للتمرد ورفض سلوكيات البشر الحاليين، وللتبصر بالمستقبل. هي دعوة للوعي والعقل والنظر لحال التصحر في راهننا، والتحذير من تفاقمه بما لا يتصوره عقل مع تواصل السلوكيات الحياتية المعتمدة.

17 فناناً يجسدون سلوكيات الشركات والبشر في تدمير الحياة

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية