كم هي المسافة بعيدة بين شوكن 21 (مبنى «هآرتس») وقلندية، نابلس أو جيوس، لكنها ذكرتني بعدد من المقالات التي نشرت في «هآرتس» قبل عيد العُرش. وقد ذكرتني مرة تلو الأخرى بمقدار فشلي في محاولة وصف وتوضيح السياسة الإسرائيلية حول تقييد الحركة. ولأنني سجلت عددا كبيرا من الكيلومترات من الكلمات عن سياسة الإغلاق منذ تم وضعها في كانون الثاني 1991، فأنا أعترف بمسؤوليتي الشخصية.
لقد انتقد وبحق عدد من زملائي في الصحيفة، بما في ذلك المقال الافتتاحي، تعليمات المستوى السياسي والعسكري لمنع خروج الفلسطينيين من الضفة الغربية طوال أيام العيد وبين الأعياد. وقد تطرق الكتاب إلى القسوة التي تم المس من خلالها بحياة عشرات آلاف العمال، وكذلك العقاب الجماعي المتمثل بالحصار.
ولكن هذه المقالات تولد الانطباع بأنه في الأيام العادية الحواجز مفتوحة أمام الجميع. وإذا كان الأمر كذلك فإنها جديرة بالكلمة التي يستخدمها الجهاز العسكري «المعابر»، وكأن الأمر يتعلق بمعابر حدودية بين دولتين سياديتين متساويتين. من النقد الذي كتب في هذه المقالات كان يمكن أخذ الانطباع أنه مثل الإسرائيلي العادي الذي يستطيع الصعود إلى الحافلة أو إلى سيارته ويسافر نحو الشرق بصورة حرة، وحسب رغبته، في كل أيام الأسبوع وفي أي وقت في اليوم، هكذا يستطيع أيضا الفلسطيني العادي أن يصعد إلى تلك الشوارع الفاخرة نفسها وأن يسافر نحو الغرب، إلى البحر والقدس وإلى العائلة في الجليل كما يشاء، تقريبا في كل يوم وفي كل ساعة، باستثناء أيام السبت والأعياد.
تعالوا إذا نعيد قول ذلك ثانية: الإغلاق لم يرفع منذ فرضه على سكان القطاع والضفة الغربية (لا يشمل شرقي القدس) في 15 كانون الثاني 1991. ولكننا الآن نعرفه بعد 26 سنة؟ الإغلاق هو إعادة الخط الأخضر، لكن باتجاه واحد ولشعب واحد. هو غير موجود بالنسبة لليهود، لكنه موجود بالنسبة للفلسطينيين (مع البديل الجديد ـ جدار الفصل).
أحيانا يكون الإغلاق شاملا بصورة أقل وأحيانا أكثر. أي أنه أحيانا يحصل عدد أكبر من الفلسطينيين على تصاريح الدخول إلى إسرائيل، وأحيانا يحصل عدد أقل أو لا يحصل أحد على التصاريح إطلاقا، «غزة». ولكن دائما يدور الحديث عن عدد قليل من الفلسطينيين الذين تمنحهم إسرائيل التصاريح.
وفي الأساس لأن قطاعات من اقتصاد إسرائيل (البناء والزراعة، والمخابرات أيضا) بحاجة إليه. على مدى عقدين تقريبا احترمت إسرائيل حق حرية الحركة لجميع الفلسطينيين، باستثناء بعض الحالات، وقد دخلوا إليها وتنقلوا بين الضفة والقطاع من دون الحاجة إلى تصاريح محددة بفترة زمنية. ومنذ كانون الثاني 1991 فصاعدا تسلب إسرائيل حق حرية الحركة من جميع الفلسطينيين في هذه المناطق باستثناء بعض الحالات الاستثنائية حسب معايير وحصص تحددها حسب ما تراه مناسبا.
كانون الثاني 1991 هو تاريخ بعيد بالنسبة لكثير من القراء ومن يهتمون، الذين ولد عدد منهم بعد هذا التاريخ. ولكن بالنسبة لكل فلسطيني فوق عمر 42 سنة، فإن كانون الثاني 1991 هو أحد التواريخ الكثيرة التي تحدد تراجعا سلبيا في حياتهم.
في تاريخ الجغرافيا في سيطرتنا على الفلسطينيين، يجدر بهذا التاريخ أن يتم التحقيق فيه كحجر أساس (ليس الأول أو الوحيد) في الابرتهايد الإسرائيلي: بلاد واحدة من البحر إلى النهر، شعبان، حكومة واحدة سياستها تقرر حياة الشعبين. هذا معروف. نظامي قانون منفصلين، بنيتان أساسيتان منفصلتان وغير متساويتين، متطورة لأحد الشعبين ومتخلفة أو متدهورة للشعب الآخر. ولا يقل أهمية عن ذلك: حرية الحركة لأحد الشعبين ودرجات مختلفة من التقليص تصل إلى مستوى غياب حرية الحركة للشعب الآخر. بحر؟ قدس؟ الأصدقاء الذين يعيشون في الجليل؟ كلهم بعيدون عن قلقيلية مثل البعد عن القمر، ليس فقط في فترة الأعياد.
التكنيك في فرض الأعياد مهم أيضا. لا يقومون إطلاقا بإجراء تغييرات جذرية مرة واحدة، لا يعلنون إطلاقا عنها علنا. دائما يعرضونها كرد وليس كبادرة (الإسرائيليون يرون بالإغلاق أداة مضادة للعمليات الانتحارية من خلال التجاهل السهل لتاريخ بداية فرضه، قبل وقت طويل من العمليات).
منذ 1991 تطور سلب حرية الحركة تكنولوجيا: شوارع منفصلة، حواجز وأساليب تفتيش أكثر إهانة واستغراقا للوقت، تشخيص بيومتري حيوي في العادة، وبنية تحتية تمكن من إعادة الحواجز والإغلاق لكل جيب فلسطيني في الضفة الغربية يحيط بمنطقة ج، التدرج المحسوب وعدم الإعلان مسبقا عن السياسة والمرامي، كل ذلك يجعل هذا الأمر طبيعيا. الإغلاق (مستنقع ابرتهايد) اعتبر وضعا طبيعيا وثابتا، ووضع معياري يتوقفون عن الانتباه إليه. لهذا فإن تشديده المؤقت والإعلان عنه يحظى بالانتباه والاعتراف.
من جهة أخرى، أنا لست من النوع الذي لديه جنون العظمة، لهذا أنا لا أضع على كتفي كل هذه المسؤولية. إن عدم قدرة الكلمات على وصف وتوضيح جميع ظواهر السيطرة الإسرائيلية على الفلسطينيين بشكل كامل، هي ظاهرة فسيولوجية ونفسانية لا ترتبط بقلة حيلة الكاتب/ الكاتبة الوحيد/ الوحيدة.
هذه الكلمات لا تصل، أيضا لمعارضي الإغلاق، بكامل المعنى. لأنه يصعب العيش كل الوقت مع المعرفة والفهم بأننا انشأنا نظاما يمثل الظلام للآخرين، وأن تخطيطنا المتعمد لإساءة أوضاع الآخرين يعتبر خيانة. وبالإجمال، نحن نعيش بصورة لا بأس بها مع المسخ الذي صنعناه.
هآرتس ـ 15/10/2017