حتى اللحظة الأخيرة ستتواصل الضغوط على مسعود برزاني، الرئيس غير المتوج لإقليم كردستان، لإلغاء الاستفتاء الشعبي. وأمس خرج الأمين العام للجامعة العربية، أحمد أبو الغيط، في حملة مكوكية بين بغداد وأربيل، عاصمة كردستان، لسماع شكاوى حيدر العبادي رئيس وزراء العراق وخيبات أمل البرزاني وعصبته. الأول يحذر من أن «العراق سيتفتت» والثاني يصر على أن الاستفتاء الشعبي سيجري برغم التهديدات.
بعد أكثر بقليل من أسبوعين، في 25 أيلول، حين تكون الحملة في ذروتها، سيصوت الأكراد بـ «نعم» أم «لا» على سؤال: هل تؤيد الإعلان عن دولة مستقلة للأكراد في شمال العراق. من كل الدول المجاورة، لا تعرف أي منها حتى ولا ذرة عطف على خطة فك الارتباط.
هذه الطائفة العرقية الأكبر في الشرق الأوسط: 30 مليون كردي موزعون على «العراق الموسع»، في سورية، في تركيا وفي إيران. وملايين المنفيين يسكنون في أرجاء العالم. في نهاية الأسبوع جلس البرزاني أمام كاميرات القناة التلفزيونية «العربية» السعودية ليشرح لِمَ لا يعتزم التراجع أمام الضغوط.
وكشف وهو يلبس البزة العسكرية عن خططه إلى المذيع: بعد الاستفتاء ستتواصل المفاوضات (التي لم تؤد حتى اليوم إلى أي مكان) مع الحكومة العراقية، سيعلنون الاستقلال «وعندها سأنسحب من الحياة السياسية وأعود لأكون جنديا في جيش البشمرغا». طوبى للمؤمنين.
أحد ليس ساذجا وليس بريئا من المصالح في هذه القصة. يمكن التخمين بأنه بعد التاريخ طويل السنين من التدخل العسكري والالتزام الإسرائيلي في الشؤون الكردية، منذ عهد حياة المُلا مصطفى البرزاني، والد الزعيم الحالي، فإن مسعود البرزاني هو الآخر قام بجولة سرية قصيرة إلى دار الحكومة في تل أبيب، لجس النبض. ولعله حتى وصل إلى مكتب رئيس الوزراء في القدس ليسمع ما لدى إسرائيل تقترحه، وكيف يرون إقامة الدولة الكردية المستقلة. كما يسمح أيضا التخمين بأن البرزاني سمع عندنا صوتين: الصوت الأول حذره من المخاطر الكبرى التي يأخذها على نفسه؛ والصوت الثاني بالذات أوصى « سِرْ في هذا»، واعلم أن إسرائيل ستواصل الوقوف خلفك.
في لحظة معينة من المقابلة طُلب من البرزاني أن يجري مقارنة مع نية السلطة الفلسطينية الإعلان من طرف واحد عن دولة مستقلة، وسارع إلى الادعاء بأنه «بخلاف حالتنا، فإن إسرائيل لم تتعهد أبدا بمشاركة الفلسطينيين في مؤسسات الحكم في القدس». وبالمقابل، واصل يقول: مل الأكراد سماع وعود لا تتحقق: من جهة تدعي بغداد، منذ عهد صدام حسين، بأن الأكراد هم شركاء متساوو الحقوق. من جهة أخرى، لا مساواة ولا حقوق. لا تقسيم أدوار ومناصب حول طاولة الحكومة العراقية، ولا تحويل ميزانيات.
لدى البرزاني وعصبته جواب دائم لكل من يحاول منع الاستفتاء الشعبي. «اذا ماذا ستعطوننا؟» وبكلمات أبسط، ماذا بالضبط سيخرج لكردستان إذا ما أجلوا الاستفتاء الشعبي مرة أخرى.
ملايين بطاقات التصويت جاهزة، والصناديق معدة، وفي الخارج أيضا، وأحد لا يعرف. ولا حتى البرزاني، إذا كان الاستفتاء المصيري سينطلق على الدرب. القلقون في أنقرة، طهران وبغداد يعملون على رزمة امتيازات اقتصادية ومناصب أساسية لتهدئة البرزاني، أما هو فلا يزال على حاله. إذ كل شيء قابل «للاتجار».
صخرة الخلاف المركزية تتركز في محافظة كركوك في شمال العراق، بسبب آبار النفط. من هناك يضخ النفط زهيد الثمن والنوعي ضمن اماكن اخرى إلى إسرائيل.
وحكومة بغداد ترفض ترسيم الحدود مع كردستان، وفي الأيام الأخيرة جندت حكومة بغداد الإدارة في واشنطن لتحذير البرزاني من مغبة الدخول في مغامرة دموية خطيرة.
اما أنا فأثارني على نحو خاص سؤال المذيع السعودي: هل كردستان المستقلة ستصبح الوطن القومي للأكراد في أرجاء العالم، حسب النموذج الإسرائيلي. أما البرزاني فيصر على أنه تعلّم درسا معينا جدا. هم سيبقون في أماكنهم، إذ ليس لديه خطط لأن يستوعب عنده ملايين «المهاجرين».
يديعوت 10/9/2017
سمدار بيري