40% من مدينة حرستا القريبة من دمشق مدمّر

حجم الخط
0

حرستا – أ ف ب: عند مدخل مدينة حرستا، ينتظر خالد عشرات العائلات التي تتوافد يوميًا لتفقد منازلها للمرة الأولى بعدما أجبرتها سنوات الحرب وجولة الاقتتال الأخيرة في الغوطة الشرقية على النزوح، ليعرض خدماته في رفع الركام وهدم الجدران المتصدعة والتنظيف.
في شوارع المدينة، القريبة من دمشق والتي تحول بعضها إلى جبال من الركام وبدا خاليًا من أي حركة للمدنيين، تعمل آليات ضخمة منذ أسابيع على فتح الطرق الرئيسية ورفع الأنقاض وهدم أبنية منهارة في إطار مخطط رسمي لإخراج كميات ضخمة من الأنقاض من المدينة.
وقال خالد نعمان (35 عامًا) الذي نزح عام 2012م من المدينة إلى منطقة التل القريبة: «قبل خروجي كنت أعمل حلاقًا، واليوم أصبحت عاملاً، أنتظر دخول العائلات الوافدة وأعرض عليها خدماتي في التنظيف والترميم».
وأوضح الشاب الأسمر البنية ذو الدقن الخفيفة، وهو أب لثلاثة أطفال: «أعمل مع ثلاثة أشخاص، عدتنا المطرقة والمقشات وصهريج المياه.. العمل متقطع، ونترك للزبون أن يدفع لنا ما يقدر عليه».
وشهدت حرستا الواقعة شرق دمشق، غارات عنيفة خلال سنوات من الحصار، وقصفًا ومعارك إثر هجوم لقوات النظام بدأ في 18 شباط/فبراير وانتهى بسيطرتها على المنطقة في آذار/مارس بعد إخراج آلاف المقاتلين والعائلات على مراحل إلى الشمال السوري بموجب اتفاقات منفصلة أبرمتها روسيا مع الفصائل المقاتلة.
على غرار خالد، بين حسن (45 عامًا)، ومعالم التعب على وجهه: «أعمل في نقل الحجارة والتنظيف ونقل مواد البناء».
وتابع وقد أرتدى قميصًا صوفيًا أسود متسخًا بالغبار، أثناء وقوفه قرب واجهة محل يتم ترميمها: «هذا العمل الوحيد المتاح الآن في حرستا لنسترزق منه».
ويعمل حسن الذي لم يغادر حرستا منذ اندلاع النزاع سائق شاحنة متوسطة الحجم ويساعد خالد في أعمال التنظيف والترميم.
في المدينة التي يسد الركام العديد من شوارعها، تبدو أحياء بكاملها مدمرة، بينما تصدعت طوابق وواجهات أبنية وتهدمت أخرى بشكل شبه كامل. وتسير نساء مع أطفال على عجل أو شبان على دراجات هوائية بين الركام، فيما تنعدم أي حركة لسيارات المدنيين الخاصة أو سيارات الأجرة، وتخترق الشاحنات والجرافات الشوارع الهادئة.
وبموجب اتفاق التسوية الذي أنهى المعارك، تم إخراج (4386) شخصًا من سكان المدينة، بينهم (1413) مقاتلاً من حركة «أحرار الشام» الإسلامية إلى الشمال السوري.
وبقي في المدينة، وفق تقديرات مجلس المدينة الذي تولى إدارة شؤونها بعد سيطرة قوات النظام عليها، قرابة (15) ألف شخص. ولا يسمح لهؤلاء بالتحرك خارج المدينة بانتظار انتهاء مرحلة «تسوية الأوضاع» التي نص عليها الاتفاق.
ومنذ وقف المعارك، يدخل الآلاف من النازحين لتفقد ممتلكاتهم، بعد التدقيق في أسمائهم عند حاجز أمني على مدخل المدينة. وكان عدد سكان حرستا يقدر بـ(250) ألفًا قبل اندلاع النزاع.
ولا يخفي محمد نعمان، بعد يوم عمل طويل، فرحته بأن منزله لا يزال قائمًا رغم الأضرار التي لحقت به.
وقال الرجل الخمسيني، الذي يملك معملاً لصناعة حجارة البناء والمقيم في منطقة التل مع عائلته منذ نزوحه من حرستا في العام 2012م: «تفاجآت بأن أكثرية الأبنية مهدمة. صحيح أن منزلي منكوب مقارنة مع ما كان عليه، لكنني سعيد بأنه ما زال موجودًا». وأضاف: «مهما كان، يبقى بيتي، وبيتي غال عليّ».
وتصدعت واجهة غرفة الجلوس بشكل شبه كامل، فيما كسا الغبار آنيات الزهور التي لا تزال فيها ورود بلاستيكية، وطاولة عليها غطاء ذهبي اللون، بينما سقطت لوحة على الأرض. وخسرت الغرف الأخرى نوافذها وأبوابها.
وبدأ محمد المرحلة الأولى من إعادة تأهيل منزله عبر نقل الركام والتراب إلى الشارع الرئيسي المجاور. وطلبت البلدية من السكان نقل الركام إلى الشوارع الرئيسية حيث تعمل آليات وشاحنات تابعة للشركة العامة للطرق والجسور ومرتبطة في وزارة الأشغال العامة والإسكان، على نقلها إلى مكان آخر في المدينة، حيث يتم فرز الحديد منها ثم طحنها تمهيدًا لإعادة استخدامها في عمليات البناء المرتقبة، وفق ما يشرح أحد المشرفين على المشروع.
وأشار رئيس مجلس المدينة عدنان الوزة، أثناء عمل آلية ضخمة على إزالة أنقاض الطابقين العلويين المدمرين من مبنى مؤلف من خمس طبقات في حي البستان، إلى «ترحيل (110) آلاف متر مكعب من الأنقاض الموجودة في الشوارع، ويبقى ما لا يقل عن (600) ألف متر مكعب يجب إخراجه»، ويقدر نسبة الدمار الوسطية التي لحقت بالمدينة بنحو (40%).
وتشكل إعادة إعمار المناطق المدمرة إحدى أبرز التحديات المقبلة أمام النظام في دمشق، ووصفها الرئيس بشار الأسد، الأسبوع الماضي، بأنها «أولى الأولويات».
وفي حرستا، تشمل عمليات رفع الأنقاض أيضًا هدم الأبنية «الآيلة للسقوط والتي تشكل خطرًا على السلامة العامة»، وفق الوزة.
وأثار قانون صدر في نيسان/أبريل ويتيح للنظام إقامة مشاريع عمرانية جديدة ومصادرة أملاك المواطنين في حال لم يتقدموا بأوراق تثبت ملكياتهم خلال مهلة محددة- جدلاً وانتقادات.
وحسب الوزة إن «أعمال الهدم تحصل بعد أخذ موافقة المالكين». وفي حال عدم وجودهم في المدينة، «فحقوق الناس محفوظة وطلبنا تقديم إثباتات الملكية إلى حين إحداث منطقة تنظيمية جديدة».
وواصل: «لن يضيع حقّ أحد من أهالي حرستا، سواء أكانوا موجودين في الداخل أم في الخارج».

40% من مدينة حرستا القريبة من دمشق مدمّر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية