إسطنبول – «القدس العربي» : منذ إطلاق الجيشين التركي والسوري الحر عملية «غصن الزيتون» ضد وحدات حماية الشعب الكردية في عفرين، عوّل التنظيم الذي تعتبره أنقرة منظمة إرهابية على مجموعة من الخيارات السياسية والعسكرية التي توقع أن تساعده في إنهاء هذه العملية مبكراً ومساعدتهم في الحفاظ على استمرار سيطرة الوحدات الكردية على المدينة.
ولكن، عقب أسابيع من المقاومة العنيفة لتي أبداها مسلحي الوحدات الكردية في المناطق الحدودية الجبلية والمكشوفة رغم صعوبتها ووعورتها، بدأت هذه المقاومة تتراجع بشكل ملحوظ في الأيام الأخيرة خاصة في مراكز البلدات الإستراتيجية والهامة التي كان من المتوقع أن تشهد مقاومة أكبر بكثير من التي خاضها مسلحو التنظيم على الشريط الحدودي.
فعقب السيطرة على بلدة راجو الهامة خلال ساعات فقط، تمكن الجيشان التركي والسوري الحر من السيطرة على بلدة جنديرس الإستراتيجية خلال أقل من 24 ساعة، لكن التطور الأبرز كان الاختراق الكبير الذي حققته قوات «غصن الزيتون» من جبهة أعزاز وشران ووصولها إلى مسافة أقل من كيلومتر واحد عن مدخل مركز مدينة عفرين ما يؤشر لإمكانية سقوط مركز وسط المدينة في أي وقت.
فشل التعويل على النظام
وعولت الوحدات الكردية في عفرين على التوصل لاتفاق مع النظام السوري يسمح بدخول النظام السوري إلى مدينة عفرين من أجل تشكيل ضغط سياسي وعسكري أمام الجيش التركي على اعتبار أنه لن يلجأ إلى الصدام العسكري مع النظام وبالتالي وقف العملية.
لكن النظام الذي سعى لابتزاز الوحدات الكردية وإجبارها على تسليم كامل السلطات المدنية والعسكرية في المدينة له لم يدخل عفرين لأسباب عدة ربما تكون تتعلق بعدم حصوله على موافقة روسيا على هذه الخطوة أو عدم رغبته في مساعدة الوحدات الكردية في عفرين على حساب سحب قوات لها من جبهات أخرى مع المعارضة السورية يراها أكثر أهمية بالنسبة له. ولاحقاً، حاولت الوحدات الكردية التوصل لحل وسط مع النظام سمح لاحقاً بدخول ما أطلق عليها «القوات الشعبية» المولية للنظام إلى عفرين، لكنها لم تستطع إجبار تركيا على وقف هجومها وانتهى أثرها من عفرين عقب تلقيها ضربات جوية تركية قوية أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 60 منها.
… وعلى الروس
كما عولت الوحدات الكردية في عفرين على تغير ما في الموقف الروسي، انطلاقاً من أن العملية بدأت بموجب توافقات بين تركيا وروسيا عقب منح موسكو لأنقرة الضوء الأخضر لاستخدام المجال الجوي للمدينة، وبقيت حتى وقت قريب تأمل في سحب الغطاء الروسي غير المباشر للعملية.
وانصبت توقعات الوحدات الكردية على احتمال أن تحصل خلافات روسية تركية، أو أن تلجأ موسكو عقب التوصل لاتفاق بين الوحدات الكردية ودمشق على دخول النظام السوري للمدينة إلى الضغط على أنقرة لوقف العملية، لكن كل هذه التوقعات لم تحصل في ظل توقعات أن روسيا فضلت ترك أنقرة تُكمل عملية غصن الزيتون لتحقيق رغبتها في توجيه ضربة لحلفاء أمريكا في سوريا في ظل تصاعد الخلافات الروسية الأمريكية حول النفوذ في سوريا.
… وعلى دعم أمريكي
وعولت الوحدات الكردية بالدرجة الأولى على أن حليفها الأساسي المتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية سيقف إلى جانبها ولن يسمح لأنقرة بالقيام ومواصلة عملية عسكرية واسعة تصل إلى وسط عفرين وتنهي وجود هذه الوحدات في المدينة باعتبار أن ذلك سيكون ضربة لواشنطن كما هي ضربة للوحدات الكردية. وعلى الرغم من المحاولات المتعددة لتحريك الموقف الأمريكي عبر التهديد بسحب قوات سوريا الديمقراطية من جبهات القتال مع تنظيم الدولة في دير الزور، ووقف التعاون مع واشنطن في الحرب على التنظيم، ولاحقاً سحب آلاف المقاتلين فعلياً من هذه الجبهات، إلا أن قوات سوريا الديمقراطية وعمودها الفقري وحدات حماية الشعب فشلا في الحصول على دعم أمريكي أقوى يتيح منع سقوط عفرين في يد الجيش التركي. وعلى العكس، حاولت واشنطن خلال الأسابيع الأخيرة وخلال زيارة وزير الخارجية ريكس تيلرسون تهدئة غضب أنقرة والإبقاء على «شعرة معاوية» التي ما زالت تحكم العلاقات بين البلدين، وعقب مباحثات جرت قبل أيام في واشنطن، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إنه جرى التوافق مع واشنطن على إرساء الاستقرار في منبج وشرق الفرات، ما يشير إلى احتمال تقديم تنازلات أمريكية وإن كانت محدودة خلال الفترة المقبلة لأنقرة فيما يتعلق بتحجيم نفوذ «وحدات حماية الشعب».
الفشل في تحريك المجتمع الدولي
ومنذ الساعات الأولى لإطلاق عملية عفرين، كرست الوحدات الكردية وأنصارها حول العالم على محاولة تحريك المجتمع الدولي من خلال الدول الداعمة لهم ومن خلال لوبياتهم المنتشرة في الولايات المتحدة والدول الأوروبية لكن هذه الجهود لم تنجح أيضاً.
ففي البداية فشلت محاولة إدراج ملف عفرين على طاولة بحث مجلس الأمن الدولي بشكل مباشر، ومن ثم فشلت محاولات الضغط على أنقرة بإيقاف عملية عفرين على اعتبار أنها مشمولة ضمن قرار مجلس الأمن الدولي الأخير المتعلق بهدنة شاملة في سوريا لوقف الهجمات الأخيرة للنظام السوري على الغوطة الشرقية.
من جانب آخر، جرى التركيز على اتهام الجيش التركي بقصف الأحياء السكنية وقتل عشرات المدنيين وهو ما لم تؤكده جهات مستقلة حتى الآن، ولم ينجح في تشكيل ضغط دولي حقيقي على تركيا لوقف العملية حيث تؤكد أنها أنقرة تتوخى أقصى درجات الحذر لعدم إلحاق أي ضرر بالمدنيين، وعلى العكس اتهمت الأمم المتحدة قبل أيام الوحدات الكردية بمنع خروج المدنيين من مناطق الاشتباكات.
… والمقاومة المسلحة
وأبدى مسلحو الوحدات الكردية مقاومة كبيرة في الأسابيع الأولى للعملية، وأوقعوا خسائر كبيرة في صفوف قوات «غصن الزيتون» تمثلت حتى اليوم في مقتل 42 جندياً تركياً وقرابة 160 من الجيش السوري الحر، وجرح العشرات منهم. لكن هذه الخسائر التي تضاءلت كثيراً في الأيام الأخيرة، لم تستطع إجبار القوات المهاجمة على وقف العملية على العكس دفعتها لتكثيف وتوسيع الهجوم، وفي المقابل تقول تركيا إنها «حيدت» ما لا يقل عن 3300 مسلحاً منذ بدء العملية في عفرين، كما أن الوحدات الكردية تعترف فعلياً بمقتل المئات من عناصرها في العملية.
ويبدو أن التوصل إلى قناعة بأن استمرار المقاومة التي تعيق تقدم القوات المهاجمة لن يمنع سقوط المدينة إلى جانب الأسباب السياسية والعسكرية السابقة جميعها بث حالة من الإحباط غير المسبوقة في صفوف الوحدات الكردية التي تراجعت حدة مقاومتها بشكل كبير في الأيام الأخيرة إلى أن بات الجيش التركي على بعد مئات الأمتار من مدخل وسط عفرين الذي يتوقع أن يسقط بيد الجيش التركي خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة على أبعد تقدير.
إسماعيل جمال