إسطنبول ـ «القدس العربي»: منذ 5 سنوات كاملة، يطلق كبار المسؤولين الأتراك تهديدات بين الحين والآخر بالقيام بتدخل عسكري في شمال سوريا لحماية المصالح التركية ووقف توسع الوحدات الكردية والمنظمات الإرهابية التي تعتبرها أنقرة تهديداً مباشراً على أمنها القومي، لكن دون القيام بأي خطوات فعلية على أرض الواقع حتى اليوم.
التأخر التركي في القيام بأي عملية عسكرية داخل الأراضي السورية كان سببه الرئيسي والمباشر هو الرفض الأمريكي المتجدد بتوفير أي دعم سياسي أو عسكري لخطط أنقرة بالتدخل العسكري وإقامة منطقة آمنة في شمال سوريا لإيواء اللاجئين الفارين من مناطق الاشتباكات والقصف.
ومنذ أيام دخلت العلاقات الأمريكية التركية في أزمة جديدة على خلفية توسيع واشنطن لدعمها لوحدات حماية الشعب الكردية في سوريا (تعتبرها أنقرة امتداداً لحزب العمال الكردستاني المصنف إرهابياً)، وهاجم كبار المسؤولين الأتراك واشنطن على خلفية صور تظهر جنوداً أمريكيين في سوريا يرتدون شارات الوحدات الكردية.
وفي حين ترى واشنطن أن المقاتلين الأكراد يمثلون حاجزا أمام تقدم مسلحي تنظيم «الدولة» ورأس الحربة في الحرب على التنظيم، فان تركيا تعتبرهم «إرهابيين».
المحلل السياسي المختص بالشأن التركي علي باكير اعتبر أن الإدارة الأمريكية ومنذ بداية الأزمة السورية تتجاهل المصالح التركية، قائلاً: «خط إدارة اوباما واضح منذ البداية في الأزمة السورية، لا يتعلق الأمر فقط بتجاهل هذه الإدارة لمصالح تركيا ولأمنها القومي بل العمل على ما يناقض هذه المصالح ويهدد الأمن القومي من خلال التحالف مع مكونات أقلية طائفية أو قوميّة».
ورأى أن «هدف الإدارة الأمريكية من مثل هذه السياسة الحفاظ على التوازن السلبي بين المكونات بشكل يتيح لها التحكم بجميع الأطراف حاضراً ومستقبلاً»، لافتاً إلى أن «تركيا في موقع لا يحسد عليه طبعاً، وليس هناك خيار جيد لكن من الأفضل لتركيا أن لا تعول على إدارة اوباما وإذا كان لديها خطة ما للتدخل في الشمال السوري فهذا هو التوقيت الأمثل مثالية على الإطلاق لفعل ذلك».
وعن الخيارات التركية في مواجهة الموقف الأمريكي والتهديدات الاتية من سوريا، قال باكير «الخيارات الأقل تكلفة فهي تقليدية ولم تثبت نجاعتها حتى الآن بسبب غياب الدعم النوعي لفصائل المعارضة وبسبب تعطيل التعاون بين أمريكا وحلفاء الأسد لمثل هذا الخيار.. على تركيا أن لا تخشى من طرح خيار عسكري بدعم إقليمي ودولي وان كان باستخدام المبرر الذي يستخدمه الجميع اليوم وهو محاربة داعش»، معتبراً أن «هناك فرصة لتغيير المعادلة من الشمال السوري لاسيما إذا ما انغمست قوات صالح مسلم وحلفاؤها الأمريكيون مع داعش في الرقة».
وعن الموقف الأمريكي في حال دخلت أنقرة في عملية عسكرية بمفردها في سوريا، قال المتحدث الإقليمي باسم وزارة الخارجية الأمريكية جارد كابلان في تصريحات خاصة لـ «القدس العربي»: «لا نرغب في الإجابة على أسئلة افتراضية، لكن الرئيس أوباما تحدث هذا الأسبوع مع نظيره التركي أردوغان وشدد على التزام الولايات المتحدة بأمن تركيا كحليف لمنظمة حلف شمال الأطلسي، وأشار إلى أهمية التعاون الدولي المشترك لإدامة اتفاقية وقف الأعمال العدائية ولتحقيق التقدم في عملية الانتقال السياسي التفاوضي في سوريا، ونحن في حوار مستمر مع أنقرة، ونعمل مع الحكومة التركية لتنسيق جهودنا لتحجيم وهزيمة تنظيم داعش وتعطيل قدراته على القيام بعمليات إرهابية في تركيا وأوروبا وغيرها من مناطق العالم».
وخلال الأسابيع الأخيرة تزايدت الهجمات الصاروخية التي يشنها تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» على المدن التركية الحدودية، الأمر الذي أدى إلى مقتل وإصابة عشرات المدنيين، والسبت سقطت إحدى القذائف بجانب مطار غازي عنتاب على الحدود السورية التركية.
كما وسع الجيش التركي من عملياته ضد التنظيم على الجانب السوري للحدودي، وبحسب إعلانات هيئة الأركان التركية قتل وأصيب المئات من عناصر «الدولة» في ضربات تركية بالمدفعية والصواريخ المواجهة، وأُعلن الأحد عن مقتل 40 من عناصر التنظيم بضربات مدفعية وجوية بالتنسيق مع التحالف، بينما أُعلن السبت مقتل 104 من عناصر التنظيم بحسب هيئة الأركان.
ونشرت الصحافة التركية بداية الشهر الجاري تسريبات حول وجود استعدادات تركية كبيرة من أجل القيام بعملية برية واسعة ضد تنظيم «الدولة» على الشريط الحدودي داخل الأراضي السورية، وترافق ذلك مع إرسال الجيش التركي تعزيزات عسكرية كبيرة للشريط الحدودي، وتنفيذ الكوماندوز التركي عملية خاطفة داخل الأراضي السورية، ولاحقاً قال أردوغان إن بلاده تستعد لتطهير الحدود من تنظيم «الدولة».
من جهته، اعتبر المحلل السياسي التركي مصطفى أوزجان أن «تركيا باتت في موقف ضعيف جداً بسبب التغيرات المتسارعة في سوريا، وقال: «أردوغان يتحدث كثيراً ولا ينفذ، فهو يتحدث منذ سنوات عن القيام باجتياح عسكري لشمال سوريا، وفي الحقيقة لم نشهد شيئاً من هذا القبيل».
وعن الخيارات التركية للمرحلة المقبلة، قال أوزجان: «لا أراهن على أردوغان فهو لم يتحل بالجرأة الكافية طوال الفترة الماضية للقيام بتحرك جريء في سوريا.. أضاعت تركيا فرصاً كبيرة ومتعددة منذ بداية الثورة السورية، وجميع هذه الفرص والمساحات ملأها الآخرين الآن وبات الأمر صعب جداً في الوقت الحالي».
واعتبر أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تريد لتركيا أن تكون «قوة خشنة» وتريدها فقط قوة محدودة تخدم أهدافها فقط، لافتاً إلى أن «الأجندة الأمريكية في الشرق الأوسط تأتي على النقيض تماماً من الأجندة التركية»، مضيفاً: «تركيا تسعى لشرق أوسط قوي ديمقراطي والحفاظ على الحدود القائمة، وأمريكا تريد لهذه الدول التفتت والتشرذم من أجل إعادة ترسيم حدود المنطقة».
وتزايد القلق السياسي والعسكري التركي من التسليح الروسي والأمريكي للوحدات الكردية في سوريا عقب تمكن المقاتلين الأكراد من إسقاط مروحية عسكرية تابعة للجيش التركي خلال الاشتباكات المتواصلة جنوب شرق البلاد، وذلك باستخدام صاروخ روسي (أرض-جو) متطور، لم يكن يمتلكه المتمردون في السابق.
والسبت، استنكر الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، دعم واشنطن لتنظيم «ب ي د»، في تعليقه على صور تظهر جنود أمريكيين في سوريا يرتدون شارات التنظيم. وقال أردوغان في خطاب في ديار بكر شرق البلاد: «ليس هذا ما وعدنا به أصدقاؤنا ومن يقفون معنا في الناتو، يجب أن لا يرسلوا جنودهم إلى سوريا وهم يحملون شارات (ي ب ك)».
وقال وزير الخارجية التركي مولود جاوش اوغلو، الجمعة: «هذا كيل بمكيالين، هذا نفاق»، مضيفاً: «نوصيهم بأن يضعوا شارات داعش وجبهة النصرة في مناطق أخرى من سوريا وبوكو حرام في إفريقيا». لافتاً إلى أن بلاده احتجت لدى الخارجية الأمريكية والسفارة الأمريكية في تركيا.
وإذا كان حزب العمال الكردستاني مدرجاً على قائمة المنظمات الإرهابية للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فإنهما رفضا حتى الآن إدراج وحدات حماية الشعب الكردية عليها رغم طلبات أنقرة المتكررة. ويكرر الرئيس التركي رجب طيب اردوغان أن المجموعات «الإرهابية» تنقلب في كل مرة على الجهات الداعمة لها.
إسماعيل جمال