85 فنانا يُشاركون في أعمال تستعرض تجارب وأساليب التشكيل المصري

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: في ظِل الصالون السنوي الذي يُقيمه أتيليه القاهرة هذا العام، والذي ضم أعمال حوالي 85 فنانا، إضافة لما يُقارب 100 عمل فني ما بين التصوير الزيتي وأعمال الغرافيك والنحت، وأعمال الخزف، ليبدو استعراضاً لأساليب وتقنيات مدارس التشكيل المصري، سواء من خلال أسماء معروفة وشهيرة، إضافة إلى تجارب فنية لجيل جديد يمتلك رؤية مختلفة للفن، من حيث الأفكار والموضوعات والتعامل مع المادة وكيفية تطويعها لحساب الموضوع. هناك تفاوت وتباين ما بين المدارس الفنية، بداية من التعبيرية وصولاً إلى السيريالية والتجريد، الملمح الآخر يبدو في الهَم الاجتماعي الذي ظهر بقوة خلال بعض الأعمال، وكذلك الموقف الفلسفي والوجودي من قضايا إنسانية لا تقتصر على مجتمع بعينه، وكذلك حالات كثيرة تستلهم التراث المصري، القديم والشعبي منه في صياغة عملها الفني، مع تقنيات حداثية تعبّر عن أسلوب الفنان ورؤيته للعالم. لا يمكن بالطبع استعراض جميع الأعمال المُشاركة في المعرض، وسيكون الاقتصار على بعضها، كمحاولة لرسم صورة لملامح المعرض العامة.

الحِس الفرعوني والشعبي

تأتي أعمال الفنانة عقيلة رياض لتجسد من خلال الأسلوب واللون الأعمال الفنية الفرعونية، بداية من تكوين اللوحة، من حيث أجساد الفتيات، كوضعية الجسد وما يُشكله مع خلفية اللوحة، ذات الألوان التي تتفق إلى حدٍ كبير وألوان الجداريات الفرعونية، إضافة إلى إكسسوارات موروثة كالعُقد والقِرط والملابس. ما تضيفه عقيله رياض هنا لا يقتصر على نقل رسوم الجداريات القديمة، هنا نجد انسيابية في الجسد أكثر، ربما يُذكّر الأمر بالفلاحات على شاطئ النيل، فهن مجرد فتيات عاديات، لسن من أسرة حاكمة أو ما شابه، حتى أن لمساتهن والتفاتاتهن لم تأت في حدة الرسوم القديمة، هناك احتفاء بالجسد الشاب إلى حدٍ كبير، واللوحة تبدو كرقصة مدروسة الحركات، فكل من الفتاتين على سبيل المثال تُكمل ملمح الأخرى، وتظهر تفاصيل الأخرى، من خلال موقعها في اللوحة وكيفية التفاتها وحركاتها، ليصبحا معاً كشكل لجسد أنثوي كامل.
أما الفنان عبد الفتاح البدري فيجسد العالم الشعبي وطقوسه، من خلال إحدى الفلاحات التي تتصدر اللوحة، وتمضي إلى الأمام في ثقة بالغة، وفي حالة اتزان تام، بينما في خلفية اللوحة يبدو الرجال في حركة دائمة وجسد مائل، وأصبحت الجَرّة التي تحملها المرأة ــ بما أنها تمثل مساحة كبيرة من مقدمة اللوحة ــ كأنها المقام الذي يطوف حوله الرجال في الخلفية، أجساد الرجال غير متزنة، يبدو وكأنهم يدورون في فلك الجَرّة وصاحبتها، ذلك وفق تعبير وخطوط في غاية البساطة، حتى الخطوط ما بين جسد المرأة والأجساد الذكورية يبدو التباين الواضح بينهما، الخطوط المنحنية الواثقة، أمام الخطوط الحادة المُضطربة والعصبية بعض الشيء للرجال.
فاللوحة تحمل العديد من الأفكار والموروث الشعبي والصوفي ــ إذا جاز التعبير ــ حول المرأة المصرية ومكانتها، وقرارها بأن يتصدر وجهها وجسدها اللوحة، بينما نجد نساء أخريات ــ يتوسطن المسافة ما بين المرأة والرجال ــ ارتضين أن يقفن متجمعات، ومُهمَلات، فلا تظهر وجوههن، وكأنهن استسلمن لتراث مغلوط يفرض عليهن البقاء في الظِل، فينظرن إلى الرجال، بينما هم لا يشعرون إلا ببطلة اللوحة، التي تعطي ظهرها للجميع، وتواجه المتلقي في ثقة شديدة.
ويتعامل الفنان سيد سعد الدين مع البيئة الشعبية المصرية من خلال المهن الشهيرة، خاصة بائع الفول، ليجعل من الرجل وقدور الفول فوق العربة عالما كاملا وجسدا واحدا، من حيث الخطوط الكبيرة المنحنية، والألوان المتقاربة إلى حدٍ كبير. فالبائع في تناغم تام مع عالمه، والمساحات بين الرجل وأدوات عمله تكاد لا توجد، كل ملتحم بكل، وجه الرجل وتكوينه الجسدي، القدور، الطبق في يده، البخار الخارج من الفوهات. حدة الخطوط نلمحها فقط في يدي الرجل، من الممكن أن تعبّر عن شيء من الآلية بحسب التعوّد، لكنهما خارجان عن عالم الخطوط المنحنية المسيطرة على اللوحة ككل.

التجريد والكولاج

أسلوب آخر يتبعه الفنان المصري للتعبير عن أفكاره، ليصبح التجريد مع الكولاج هو التقنية الأمثل من وجهة نظر الفنان. نلمح ذلك في عمل الفنان محمود مرعي، الذي يستخدم العبارات المكتوبة، وبعض ألواح الحديد، سواء لتشكيل شبه جسد بشري، أو قطعة صمّاء، إضافة إلى خلفية تحاكي جدران الشوارع متباينة اللون، هنا يصبح التجريد صاحب السمة الأعلى، ليأتي من خلال كولاج يساعد على رسم تفاصيل اللوحة. وعلى العكس منه يأتي عمل الفنان ممدوح القصيفي، الذي يستعرض إحدى حفلات أم كلثوم وفرقتها الشهيرة، على رأسها الفنان محمد القصبجي بجلسته وعوده الشهير خلفها، وخلفية اللوحة بالكامل عبارة عن قصاصات من صحف قديمة، تتحدث عن أم كلثوم، أو تلك الفترة الزمنية البعيدة.
هذه الذكرى يؤكدها اللون الباهت من درجة اللون البُني، وهو ما يطبع الصور القديمة، التي يحال لونها إلى هذا اللون. نلحظ أيضاً عدم الحفاظ على النسب المعهودة للوجه وأجساد أم كلثوم وفرقتها، وكأنها صورة من ذاكرة بعيدة، بها بعض التشوّش بفعل الزمن.
من ناحية أخرى نرى الحِس السيريالي في أعمال كل من الفنان علي الروبي وأحمد الجنايني، فالأول يُشكّل الجسد الأنثوي من خلال عالم الفواكه، فيخلط بينهما، ويستخرج تفاصيل الجسد ــ والدقيقه منه ــ بحيث تصعب التفرقة بين تفاصيل جسد المرأة، وتكوين هذه الفاكهة بالأساس. أما سيريالية الجنايني فتأتي من عالم اللوحة بالكامل، وتباينات لا تجتمع في لوحة واحدة، عوالم منفصلة لا تتوحد إلا تحت رحمة المُخــيلة الفنية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية