إسطنبول ـ «القدس العربي»: مع بدء العد التنازلي للانتخابات البرلمانية المبكرة المثيرة للجدل في تركيا تتصاعد حدة التوتر والتجاذبات السياسية في البلاد وتأخذ أشكالاً متعددة، حيث دخلت المساجد في دائرة الجدل القائم بين حزب العدالة والتنمية الحاكم وأحزاب المعارضة العلمانية.
ويتهم معارضون لا سيما أنصار حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة حزب «العدالة والتنمية» والرئيس رجب طيب أردوغان بالاهتمام ببناء المساجد والمدارس الدينية على حساب دعم التعليم وبناء المدارس وتطوير الجامعات والبحث العلمي.
وبحسب الأرقام الرسمية التي استقتها «القدس العربي» من الموقع الرسمي لرئاسة هيئة الشؤون الدينية في البلاد، فإن عدد المساجد حتى عام 2014 بلغ 86 ألف و101 مسجد في كافة أنحاء البلاد، مقارنة بـ77 ألف و151 في عام 2004، أي أن قرابة 10 آلاف مسجد تم بنائهم في عهد حزب العدالة والتنمية الذي تسلم الحكم عام 2003.
وفي مدينة إسطنبول لوحدها يوجد 3269، بينما يوجد في مدينة كونيا وسط البلاد مسقط رأس رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو 3115 مسجداً وفي العاصمة أنقرة بلغ عدد المساجد 2955، ولا تزال أعمال البناء مستمرة في العشرات من المساجد بجميع المحافظات التركية.
كما ارتفع خلال هذه الفترة بشكل كبير عدد العاملين في رئاسة الشؤون الدينية ليصل إلى 120 ألف موظف في عام 2014 بعد أن كانوا 71 ألف في عام 2004، بينما ارتفع عدد الطلاب في المدارس الدينية «إمام خطيب» التي تخرج منها الرئيس رجب طيب أردوغان من 71 ألف طالب عام 2004، إلى 474 ألف طالب في عام 2014، بواقع زيادة 7 أضعاف خلال 10 سنوات، بحسب ما أطلعت عليه «القدس العربي» من موقع وزارة التعليم التركية.
ويقول المعارضون إن أردوغان أولى اهتماماً «مبالغاً فيه» ببناء المساجد، على حساب تطوير وبناء المدارس والجامعات، حيث بلغ عدد المساجد في البلاد أكثر من عدد المدارس الحكومية التي لم يتجاوز عددها 67 ألف مدرسة، وهو الرقم الذي لم تتمكن «القدس العربي» من التأكد من دقته.
ويقول «العدالة والتنمية» إنه تمكن من مضاعفة عدد الجامعات في البلاد منذ وصوله إلى الحكم، لتبلغ 193 جامعة، لكنه ما زال يواجه اتهامات متواصلة من المعارضة بالعمل على «أسلمة» المجتمع، الذي يعتنق 99٪ من سكانه البالغ عددهم 78 مليون نسمة الإسلام.
وعلى مدار العام تقوم رئاسة الشؤون الدينية بالعمل على تطوير وترميم عشرات المساجد التاريخية الضخمة في إسطنبول والمحافظات الأخرى، كما تعمل على بناء مساجد جديدة بطراز معماري تاريخي مستلهم من الطراز العثماني، ويتركز البناء على المرتفعات ليبدو المظهر العام للمحافظات مليء بالقباب والمآذن، ويحضر أردوغان وداود أوغلو وكبار مسؤولي الدولة مراسم افتتاح مساجد جديدة أيام الجمعة.
كما عملت الحكومة التركية على بناء مساجد في العديد من الدول بالخارج، كان آخرها المسجد الكبير في وسط العاصمة الروسية موسكو والذي افتتحه أردوغان بحضور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وعدد من قادة الدول.
وحرص أردوغان على بناء مسجد ضخم أسماه «مسجد الأمة» في قصر الرئاسة الجديد «القصر الأبيض» الذي أثير حوله الكثير من الجدل بسبب ضخامته ورقيه واتهمت المعارضة الرئيس بتبذير المال العام في بناء القصر الذي يضم أكثر من 1000 غرفة ومرفق.
وفي الانتخابات البرلمانية السابقة التي جرت في السابع من يونيو/حزيران الماضي، اتهمت وسائل إعلام وصحف معارضة مرشحي حزب العدالة والتنمية باستخدام المساجد لبث الدعاية الانتخابية وكررت هذه الاتهامات مع اقتراب انتخابات الإعادة، لكن رئاسة الشؤون الدينية أكدت منعها ممارسة أي أنشطة سياسية داخل المساجد، أو استخدامها لأي أهداف حزبية.
وكان نشطاء من الذراع الشبابي لحزب العدالة والتنمية نظموا عدة وقفات أمام متحف آيا صوفيا (كان كنيسة وحول إلى مسجد ومن ثم إلى متحف) في إسطنبول للمطالبة بفتحه مجدداً كمسجد للصلاة أمام المسلمين، لكن الحكومة رفضت ذلك خوفاً من الدخول في خلافات مع الكنيسة والاتحاد الأوروبي.
ومن غير المعروف إلى أي مدى يمكن أن تؤثر هذه الانتقادات على حظوظ العدالة والتنمية في الانتخابات المقبلة، فالحزب يعتمد على شريحة «الأتراك المحافظين» الذين يدعمون الحزب من منطلقات فكرية وخدمية، ويؤيدون الإجراءات التي قام بها لا سيما السماح للمحجبات بالدراسة في الجامعات والعمل بجميع دوائر الدولة وتوسيع قاعدة الحريات الدينية، بينما يرى آخرون عكس ذلك.
إسماعيل جمال