هذه طبعة جديدة من مقالة كلاسيكية بعنوان «القصيدة الغنائية، نشرها الشاعر والمسرحي البريطاني جون درينكوتر سنة 1922، وتناول فيها تعريف الشعر ودرجاته وتصنيفاته، وتعمق أكثر في مفهوم الغنائية واشكالها، واقترح عدداً من النماذج للتمثيل على أفكاره. والنوع الكتابي الذي نسمّيه «القصيدة الغنائية» صمد على مرّ الدهور، في جميع الثقافات الشفاهية والمكتوبة؛ وفي المقابل، انقرض أو يكاد النوعان الوعظي والدرامي بحيث بدا وكأنّ القصيدة الغنائية هي اختصار الشعر بأسره، أو تسميته الثانية. فهل يكمن بعض السرّ في العلاقة بين القصيدة الغنائية والموسيقى؟ وما هي خصوصية موقع القارئ الواحد ذاته، بين قصيدة غنائية وأخرى غير غنائية؟ لماذا يبدو الوجدان العاطفي للشاعر الفرد وكأنّه، في القصيدة الغنائية، أكثر قدرة على «تكييف» استجابات القارئ، وربما تحويله إلى صوت ثانٍ للشاعر، أو صدى لذلك الصوت كما أشار الفيلسوف الألماني هيغل؟ لماذا يكون الصوت دالّةَ الموضوع الغنائي ومشكلته، في آن معاً؟ وكيف يتوجب أن نفسّر شيوع أولى القصائد الغنائية في الأشعار المصرية الفرعونية، والسومرية، والبابلية ـ الآشورية، والكنعانية، والإغريقية، والرومانية، والفارسية، الخ…؟
كتاب درينكوتر يساعد في إدراك السبب في أن القصيدة الغنائية هي أمّ قصائد الشعر في معظم ثقافات العالم، لأنها كانت الشكل العفوي من اللغة، وليس شكلها المطوّر والانعكاسي والنثري والخطابي. بمعنى آخر، كانت القصيدة الغنائية هي اللغة في مستواها الخام الذي ينظّم المدركات على نحو لا هو بالموضوعي المحض، ولا بالذاتي المحض؛ بل هو مزيج معقد يشهد عمليات التأثير المتبادلة بين الداخل (الشاعر) والخارج (الكون)، وينقلب إلى وسيط شبه وحيد لتنظيم الركام الهائل من الأحاسيس والأفكار والمدرَكات التي لا قرار لها، ولا حدود.
HardPress Publishing, London 2017.