في مقدّمة كتابها هذا، تشير الباحثة الفلسطينية منى أبو عيد إلى أنّ العقدين الأخيرين شهدا عشرات الدراسات حول الشاعر الفلسطيني الراحل، معظمها يتناوله من زوايا أدبية تخصّ السمات الفنية لشعره، وموضوعاته، وتطور أساليبه. لكنّ القليل فقط تناول شخصيته كمثقف فلسطيني، لعب سلسلة أدوار حاسمة في الحياة الفلسطينية، السياسية والاجتماعية، في الداخل وفي المنافي على حدّ سواء؛ وهو الأمر الذي حاولت التصدّي له في هذا الكتاب.
كذلك تشير أبو عيد إلى حقيقة ثانية، هي أنّ درويش عمل في قلب مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وكان عضواً في هيئتها القيادية الأعلى، اللجنة التنفيذية، واستقال منها اعتراضاً على اتفاقيات أوسلو؛ كما كان مقرّباً من ياسر عرفات شخصياً، وحدث أنهما اتفقا واختلفا مراراً؛ وإليه تُنسب صياغة إعلان الاستقلال، الذي تبناه المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، سنة 1988. ومع ذلك، ثمة القليل من الأبحاث حول هذا الجانب في شخصية درويش؛ وهو، أيضاً، ما تسعى المؤلفة إلى تغطيته.
تشير، ثالثاً، إلى العواصف والسجالات التي أثارها شعر درويش داخل إسرائيل ذاتها، ليس على صعيد ثقافي أو أدبي فقط، بل كذلك في صميم المؤسسة السياسية الإسرائيلية، داخل الأحزاب، المتدينة مثل «العلمانية»، وعلى ألسنة رؤساء الوزارات والوزراء، وفي أروقة الكنيست أيضاً. هذا بُعد ثالث تشتغل عليه أبو عيد، وتبذل جهداً بحثياً (وتوثيقياً) مميزاً في استعراضه ومناقشته، من حيث سياقاته المختلفة؛ مستفيدة، على نحو جلي ومثمر، من اتقانها اللغة العبرية.
فصول الكتاب ستة، سوى المقدمة والخلاصة: «حول دور المثقف»، «الاقتلاع والمنفى»، «الأدب وبناء الأمّة»، «النطق بالحقّ في وجه السلطة»، «مواقف ومبادئ»، و«حول السلام والحرب». ويُحسب للمؤلفة أنها أفردت، في ختام الكتاب، قسماً خاصاً احتوى على الأصول العربية لشعر وكتابات درويش التي اقتبستها باللغة الإنكليزية؛ وبالتالي لم تكتفِ بالهوامش، التي تشير إلى مصادر تلك الاقتباسات.
I.B. Tauris, London 2017.