سعد الياس:
بيروت – ‘القدس العربي’ عاد البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي امس من رحلته الفرنسية التي استمرت أسبوعاً وسمع خلالها كلاماً من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي مفاده أن ‘النظام السوري انتهى، فيما رأى هو أن وصول السنّة الى الحكم سيزيد التأزم في لبنان بينهم وبين الشيعة، وأن المسيحيين سيدفعون الثمن قتلاً وتهجيراً، وأن سلاح ‘حزب الله’ مرتبط باستمرار احتلال إسرائيل أجزاء من الأراضي اللبنانية وبعودة اللاجئين الفلسطينيين الى ارضهم.
وقد لقيت مواقف البطريرك ردود فعل مستاءة من قوى 14 آذار وأخرى مرحبّة من حلفاء سورية وفي 8 آذار. وقد انتقد هذه المواقف الرئيس فؤاد السنيورة ونائب رئيس المجلس النيابي فريد مكاري الذي قال ‘إن مواقف البطريرك انقلاب موصوف على مسيرة بكركي التاريخية وعلى موقف مجلس المطارنة الموارنة’، وسأل ‘كيف يتسامح غبطته مع وجود دويلات مسلحة وسلاح خارج الشرعية’، معتبراً أن الراعي ‘فقد دوره كمظلة مسيحية بعدما استعدى بمواقفه 70 في المئة من المسيحيين’. وتمنى مكاري على البطريرك دعوة القيادات المسيحية الى خلوة جامعة في بكركي للبحث في الاستراتيجية المسيحية. وقال ‘لو كان هذا الموقف هو موقف الفاتيكان، لكان حرياً بالبطريرك أن يقصد روما وأن يحاول تغيير سياسة عاصمة الكثلكة’. وإنتقد نائب رئيس حزب القوات اللبنانية النائب جورج عدوان مواقف الراعي ورأى فيها ‘تبريراً لوجود دويلة خارج الدولة’. وأعتبر النائب بطرس حرب ‘أن الراعي يعرف في الدين أكثر منا، لكن في السياسة نعرف أكثر منه’. اضاف ‘ما قاله لا يعبّر عن رأينا. والوصول الى هذا الاستنتاج من قبله لا أشاركه به. لقد أثبت الشعب السوري أن لديه حركات تحررية وليس هناك خوف من يخلف النظام السوري’. ولفت النائب الكتائبي ايلي ماروني الى ‘إن مواقف الراعي كانت مفاجئة والأفضل انتظار عودته واستيضاحه’، لكنه أشار الى ‘أننا عانينا كثيراً من ديكتاتورية النظام السوري وتسلّطه، ولا أعتقد أننا مع ذهاب النظام يجب أن نربط مصيرنا بمصيره’. في المقابل، رحّب السفير السوري في بيروت علي عبد الكريم علي بمواقف الراعي واصفاً إياها ‘بالمواقف المسؤولة والعميقة التي تستحق الثناء، وأنها تعبير عن رؤية فكرية وسياسية متوازنة ومسؤولة ومنسجمة مع دور الكنيسة التي يمثلها في مواجهة المؤامرة التي تستهدف المنطقة برمتها، كما أنها مواقف تعبّر عن رأي الفاتيكان’. كذلك دافع امين سر تكتل ‘التغيير والإصلاح’ النائب ابراهيم كنعان عن البطريرك وقال ‘هناك من يحاول الباس البطريرك مار بشارة بطرس الراعي موقفاً، واخذه في اتجاه معين ليستهدفه بعدما شكّل خلال الاشهر الماضية نقطة ارتكاز وتوحيد للمسيحيين، وهذا ما هو غير مسموح عند اطراف داخليين وخارجيين متضررين من تحقيق هذه الوحدة’، مؤكداً ‘ان لا احد يقول للبطريرك الراعي ماذا يقول وماذا يفعل’، واضاف ‘يمكن ان نختلف معه او نتمايز، ولكن على كل شخص معرفة حجمه، والبطريركية ليست شخصاً، بل هي اساس لبنان وسيادته ونشأته واستقلاله والبطريرك الراعي يشرف هذا الموقع عن جدارة’. وعن رد الفعل عما قاله الراعي بالنسبة الى ‘حزب الله’ سأل كنعان’ ماذا قال البطريرك ليستحق كل هذا التهجم. لقد اشار الى ان هناك اعتداءات اسرائيلية وارض محتلة. وهذا الكلام مطروح بقوة في الأروقة الدولية والمحلية وهو كان اساس القرار الدولي 1701 الذي كان التزم به رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة في حينه بعد مطالبة لبنانية جامعة، وما عبر عنه الراعي يأتي في سياق الموقف المسؤول’. وتابع: ‘اما بالنسبة الى سورية، فهل يريدون فرض رأيهم على البطريرك الراعي ليصبح كلامه مقبولاً بالنسبة اليهم؟ وهل يريدون ادخاله في بزار المزايدات السياسية في سورية وخارجها، وتحديداً في لبنان.
من جهته، أوضح البطريرك الراعي لدى وصوله الى المطار في بيروت ‘انا لا اقول اي شيء عما سمعته او قرأته، ولكن احسست ان معظمنا ينظر الى الامور بسطحية يتعلق بكلمة ويبني عليها من كرتون ومن سراب. ان ما قيل من هنا وهنالك من تفسيرات ليس بمحله ولا يتلاءم اطلاقاً في ما كنا في هذه الايام من جدية والنظر بمسؤولية للامور. نعم ادركت المسؤولية مع اخواني السادة المطارنة وادركنا انه لا يمكن الا ان نقارب الامور بجدية ومسؤولية’. اضاف الراعي’ نعم البطريرك ليس شخصاً عادياً بالنسبة اليهم، البطريرك يعرفون تماماً انه امين لتراث ولثوابت اظهرتها البطريركية من جيل الى جيل وهم يعرفون ان البطريرك يتكلم بموضوعية من دون اي مصلحة وبكل تجرد. ولذلك من التقينا بهم هناك سألوا وسألوا عن ادق الامور ولم اكن يوماً كما يشاء ربما احدهم او بعضهم ممن يشتكي على احد او يسوّد صفحة احد. انا امين على الشعار الذي اخذته الشركة والمحبة. وانا احترم الجميع واحب الجميع واريد الخير للجميع. لست رجل لا شكوى ولا تشكي’. وكانت الصحافة اللبنانية القريبة من 8 آذار ذكرت أن ‘البطريرك نطق بلسان روما’ تعبيراً عن التوجهات الجديدة للفاتيكان، وكتب أحدهم تنويهاً بمواقف الراعي ‘سماحة البطريرك’ وتحدثت هذه الصحف عن زيارة أحد المطارنة المقربين من الراعي الى سورية فور عودته. فيما الصحف القريبة من قوى 14 آذار انتقدت بشدة المواقف المفاجئة للراعي التي رأت فيها خروجاً على مواقف سلفه البطريرك نصرالله صفير وعلى ثوابت بكركي التاريخية.
وقالت مصادر مسيحيي 14 آذار لـ’القدس العربي’ إنهم لم يكونوا يتوقعون أن يصلوا يوماً الى انتقاد البطريرك الماروني، لكنهم بعد الصدمة التي حلّت بهم إثر تصريحاته في فرنسا من موضوع إعطاء الرئيس السوري بشار الاسد فرصة لتحقيق الاصلاحات أو من تبرير وجود سلاح حزب الله حتى تحقيق حق العودة للفلسطينيين خرجوا عن صمتهم وتكلموا وانتقدوا’. وذكّرت المصادر بمواقف الراعي يوم كان مطراناً والتي أعلنها حتى قبل ايام معدودة من انتخابه بطريركاً ومنها عدم خوفه على الوجود المسيحي في الشرق وقوله حتى بعد أحداث العراق ‘لا يمكن لأحد اقتلاعنا كمسيحيين وموارنة من هذا الشرق، سنستمر 1600 سنة أخرى وما بعد وما بعد حتى منتهى التاريخ’، كذلك انتقاده حزب الله من خلال قوله ‘حزب الله اما نعطيه الحق في سلاحه وهذا مرفوض، واما يعتبرنا ضده’. ويضيف دفاعاً عن مواقف البطريرك صفير ‘من حق البطريرك ان يقول للحزب أرفض ان تكون مسلحاً وانا أعزل، وان الأمر غير الطبيعي هو أن نخلق دويلات داخل الدولة وهذا أمر يجب ان ينتهي’. وترد المصادر المسيحية على الربط بين الوجود المسيحي والنظام السوري بقولها ‘ألم يتم تهجير واضطهاد المسيحيين في زمن قوات الردع السورية؟ وأليس الجيش السوري بقيادة نظام الاسد من قصف الاشرفية وزحلة والجبل وبعبدا والمتن وكسروان وغيرها من المناطق؟ وألم يتم نفي الجنرال ميشال عون في عهد الوصاية السورية وكذلك سجن قائد القوات اللبنانية سمير جعجع؟’. الى ذلك، نقل عن أوساط دبلوماسية استياء فرنسياً من تصريحات الراعي بعد لقائه الرئيس ساركوزي، وتوقعت هذه الاوساط أن تؤثر هذه التصريحات على الزيارة المقررة للراعي الى الولايات المتحدة الامريكية في تشرين الاول (اكتوبر) المقبل بحيث تلغى فيها اللقاءات مع الادارة الامريكية وتضعف فيها حماسة الجالية اللبنانية.