2010 ‘عام الفيل’ في السينما المصرية تعددت الأفلام والأبطال والأزمة واحدة

حجم الخط
0

كمال القاضي:

القاهرة ـ ‘القدس العربي’ عندما يصرح منتج وموزع كبير مثل محمد حسن رمزي بأن عام 2010 كان الأسوأ على السينما المصرية، فلا بد أن نتوقف كثيرا أمام العبارة الصادمة لنتبين حقيقة الأمر ونمعن النظر ملياً في حصاد العام السينمائي كله، خاصة أنه ليس الوحيد الذي كانت له نفس الشكوى فهناك بعض الشركات الكبرى التي أوقفت انتاجها لحين استقرار السوق، فهي أمام عوائق شديدة الصعوبة وظاهرة محيرة تنظوي على تشويه في الذوق العام أدى الى تراجع الأفلام الجيدة وانخفاض أسهمها في بورصة دور العرض بشكل مخيف، مما يجعل التفكير في تكرار التجارب نوعا من الانتحار الاقتصادي ونذيرا بقرب انهيار المؤسسات الانتاجية الكبرى، والمفارق الملغز في هذه القضية ان الشكوى تأتي دائما من أفلام المهرجانات أو ما يرقى منها للمنافسة بالمهرجانات الدولية وهو المؤشر الخطر، لأن ذلك يعني التركيز على انتاج افلام تجارية وعودة سينما المقاولات مرة أخرى بعد انحسارها النسبي، فضلا عن إحباط محاولات الكبار من الكتاب والمخرجين والأبطال وانزوائهم بعيدا إذا ما تم تعميم المبدأ التجاري والتخلي عن المتميز والهادف من الأفكار، فإذا اعتبرنا أن فيلما مثل ‘رسائل البحر’ للمخرج داود عبد السيد واحد من التجارب الخاسرة إنتاجيا وهو المقياس للسينما الناضجة، فلا جدوى إذن من أن يتمسك المخرج الكبير بمهنته، وعليه ان يبحث لنفسه عن عمل آخر بديل طالما أن الجوائز والقيمة الفنية والأدبية لم يعد لها مردود ايجابي يحفز المبدعين الحقيقيين على الاستمرار والمضي قدما نحو إبداع جديد.

المشكلة نفسها تتكرر والتاريخ السينمائي يعيد نفسه، فبالأمس كانت الفجوة بين أفكار المبدع واحتياجات الجمهور هي أزمة المخرج توفيق صالح المنتمي لنفس المدرسة والمحسوب على ذات التيار، والآن تتجدد الأزمة ذاتها ويغالب النخبة شعور قاس بالاغتراب في مختلف المجالات ويخرج من تراك السباق مخرجون وفنانون وموسيقيون ومهندسو ديكور لا يجدون أنفسهم في كل ما يحتاجه السوق فيكون الانسحاب ملاذهم الوحيد، فنحن لازلنا نتذكر تجربة السيناريست والناقد والمخرج سيد سعيد في فيلمه ‘القبطان’ الذي أنتج أواخر التسعينيات وحصد سبع جوائز من مهرجانات محلية ودولية، بينما لم يصمد بدور العرض أكثر من اسبوعين مما تسبب في عزوف رجل السينما المتميز عن الاستمرار واتجاهه للكتابة النقدية، وهناك مخرجون عاشوا وماتوا من دون أن يكملوا أحلامهم لنفس وذات الأسباب، فالمخرج الراحل رضوان الكاشف ودع فيلمه ‘الساحر’ وكان لا يزال معروضا بدور السينما قبل أن تأتيه النتيجة ويحصد ثمار جهده بعد انتظار دام طويلا، مات الكاشف حاملا حُلمه ووجعه وحسرته ولم يبق على الساحة سوى من امتلكوا معطيات النظرية الاقتصادية الجديدة وتدربوا على لعبة التجارة المضمونة، من دلائل عام 2010 المنصرم والمغلقة دائرته على خسارة كبرى منيت بها بعض شركات الانتاج، هبوط أفلام كان متوقعا لها نجاحا مدويا مثل ‘زهايمر، عسل اسود، بنتين من مصر، الكبار’، في وقت صعدت فيه أفلام مثل ‘الرجل الغامض ـ شهير وبهير وسمير ـ ابن القنصل ـ 876’، والأخيرة على وجه التحديد اكتسب أهمية قصوى وتوافرت له دعاية مجانية لغرابة موضوعه وتركيزه على المشاهد المثيرة فهو يعالج مشكلة التحرش الجنسي بالفتيات والسيدات بالمواصلات العامة ويلقي الضوء على جوانب في هذا الصدد، يغض المجتمع الطرف خجلا أو تدليسا، وعلى ما يبدو أن أصحاب الفيلم نجحوا في وضع الخلطة السحرية المناسبة بعد قراءة خبيرة في متطلبات الشارع الفني الجماهيري والمزاج العام للشريحة الأوسع من رواد دور العرض السينمائي، وفي نموذج ‘سمير وشهير وبهير’، الفيلم الذي نجا من مأزق الإفلاس نلحظ من بين عوامل نجاحه فضول الشباب في التعرف على ملامح الحياة في فترة السبعينيات وشكل الموضة وقصات الشعر الطويل للرجال والبنطلونات الشارلستون وفساتين البنات القصيرة والميني جيب والميكروجيب وبلوزات الشيفون المشجرة الكاشفة عن الصدر والكتفين والكعب العالي والكرافتات العريضة وغيرها من الأوجه المختلفة للمرحلة السابقة، كل هذه الصور التي باتت كاريكاتيرية الآن ساعدت على وجود عنصر الإبهار، وبالتالي جاء رد الفعل بشباك التذاكر ايجابيا ومؤثرا في معيار التقييم العام، أما عن فيلم ‘الكبار’ للبطلين عمرو سعد وخالد الصاوي فقد خالف كل الظنون لأن المنطقي ان يأخذ الجمهور بسوابق سعد والصاوي، بالمواسم الماضية فالاثنان حققا نجاحا واضحا في ‘حين ميسرة، دكان شحاتة، الفرح، كباريه’، وإن كان كل منهما على حدة، لكن الأصداء النقدية والجماهيرية صبت في صالحهما وطبيعيا أن يحالفهما ولو نجاح محدود في تجربة مثل ‘الكبار’، غير أن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن وسقط الفيلم من الدور العاشر بلا حراك ولفظ أنفاسه قبل أن يتم الأسبوع الأول بدور العرض.

تحيلنا هذه النتائج الى عدم ثبات المعيارية تحت أي بند لنصل إلى أول الخيط، مؤكدين أن اختلال الذوق العام أحدث ارتباكا شديدا وغياب كافة المقاييس فلا خير في سينما نخبوية تستهدف القيمة ولا في سينما تسعى لتحقيق المعادل النسبي للجيد ولا تغفل تماما المشهيات كمشاهد الإغراء والأكشن، الكل أمام الفشل سواء، حيث الإسفاف والركاكة وضائقة الانتاج مشكلات تتجاوز سقف الأحلام الوردية وافتراضات حسن النية لدى الراغبين في صناعة فن يثري العقل والوجدان ويحقق المتعة ويتغلب على أزمة الإيرادات.

في تقديري أن المسألة لها أبعاد كثيرة مختلفة ومتعددة تبدأ من وجود أزمة في ثقافة التلقي ولا تنتهي عند حدود الحجم الانتاجي، بل هي خليط من عيوب في الكتابة وعيوب في ذائقة الجمهور وغياب الرسم البياني الدقيق لهندسة الانتاج بشكل صحيح وعدم وجود تفرقة بين انتاج أعمال فئوية وانتاج عام يصلح لكل الشرائح، يضاف للأزمة المركبة ايضا أزمة دور العرض التي انتقلت كلها للمولات وفنادق الخمس نجوم وزيادة سعر التذكرة الى اكثر من عشرين جنيها في ما فوق.

في النهاية تتعدد الأسباب، والسينما واحدة.. لا لون ولا طعم ولا رائحة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية