عبد الجبار الغراز قد لا يرقى هذا المقال إلى مستوى التحليل الأكاديمي لمقاصد ريبع الثورة العربية كما يوحي به عنوانه، لكنه، تكثيف لبعض معاني هذه الثورات المباركة، كما أنه يعتبر مناسبة للوقوف والتأمل في التجربة الوجودية العربية التي انكشفت في سنة 2011، تلك التجربة التي عبرت عنها أحسن تعبير، ولا زالت، شعوبنا العربية المتعطشة للحرية. فالموضوع كبير وشاسع يحتاج إلى نفس طويل وجهد معرفي ومنهجي متمرس يسبر أغواره ويقف عند حدود اشتغاله. الشيء الذي يجعلنا، في هذه العجالة، سنكتفي فقط، باستلهام بعض التداعيات من سنة 2011، لنترجمها إلى أفكار نفك بها الدائرة من أجل الانفتاح على موجودنا العربي، هذا الموجود الذي صنعته بأياديها البيضاء الثورات العربية. إن سنة 2011 تستحق هذا الاهتمام، لأنها كانت سنة زمانية العرب بامتياز كبير.. سنة الإعلان عن استكمال الشروط الموضوعية للتحقق الذاتي لمواجهة الآخر القريب – الأنظمة العربية الاستبدادية – في انتظار آن تنضج بعض شروط الوجود لمواجهة الآخر البعيد – الغرب الرأسمالي، وإسرائيل على الخصوص. لكن، في مقابل ذلك، ألا يجدر بنا الاهتمام بالسنة الجديدة بدل الالتفات إلى هذا الذي مضى وانقضى؟ أوليس الحاضر والمستقبل هما ضالتنا؟ فلماذا إذن الاهتمام بسنة 2011؟ أهو الحنين إلى إحياء أمجاد الماضي أم أن الأمر يتعلق، بعد الثورة العربية، بتشكيل ذاكرة عربية مضادة تعطي لجنيالوجيا الذات طابعها المركزي في الاستلهام من الماضي دون استيلاب؟ صحيح القول، انه لا تستطيع أي قوة آدمية على وجه الأرض أن ترجع الزمن إلى الوراء، أو توقف عجلته التي تديرها ماكينة جبارة تسحق الحاضر سحقا وتطحن طحنا كل من يقف أمامها معترضا. فلا تنبؤات العرافين تفيــــد في إعطــاء المعرفة اليقين عن ما تخبئه الأقدار، ولا توقعات المنجمين وأصحاب الرأي السديد من أهل السياسة والخبرة الدبلوماسية تستطيع أن تفك طلاسم غد حاضره قد لطخ بدم الشهداء والأبرياء وعشاق الحرية وطلاب التـــحرر، لكن الأكيد الذي لا يطاله الشك هو أن كل التـــفاتة إلى سنة 2011 ستكون تعبيرا عن زمن مضى مليء بالرموز والمعــاني والدلالات العميقة، وفي نفس الوقت هو استشراف للمستقبل العربي. لنقل إذن، أن في السنة التي انصرمت، ، موضوع حديثنا، قد ذاق العرب فيها، بعد سنوات عجاف، طعم الحرية، وسيبقى هذا المذاق حلوا لذيذا لن يتغير إلا بتغير ألوان الحرية الزاهية. ولنقل أيضا، أن العرب كسروا فيها جدار الصمت والخوف، واستجابوا أخيرا للقدر ولبوا نداء إرادة الحياة، فانجلى ليلهم السرمدي الجاثم على صدورهم وانكسر قيد العبودية الذي أدمى معاصمهم لعقود خلت. لقد أبانوا عن وعي يقظ وتصميم وعزم نادرين، فهمهم الوجودي كان مشتركا ومدهم التحرري كان واحدا: اقتلاع الظلم والاستبداد والفساد من جذورها. أولم ير العالم عبر وسائل الإعلام، الغث منه والسمين، كيف تساقطت هامات بعض الرؤساء العرب الواحدة تلو الأخرى، كما تتساقط أوراق الخريف، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ولى الأدبار هاربا من نقمة شعبه كفأر مذعور، مستقلا طائرته الرئاسية، ومنهم من ينتظر ساعة الجزاء، أسيرا ورهينة سرير المرض، ومنهم من يؤخر لحظة السقوط المرتقبة، منتظرا أن تجود عليه السماء بمعجزة من معجزاتها الخارقة، لينجو بفعلته وجرمه من انتقام الثوار الغاضبين، وما بدل كل واحد من هؤلاء الطغاة من أمر الأقدار تبديلا. فسبحان مبدل الأحوال بكرة وأصيلا!
؟ في ليلة رأس السنة، وقبيل انسحاب سنة 2011 بدقائق قليلات، تراءت للناس المتجمهرين في ساحات المدن سماء العرب وكأنها شريط يتدفق ذكريات ممزوجة بالآلام والأفراح. أحداث أليمة تذكرهم بأحبة فقدوهم قد قدموا أرواحهم قربانا في مذبح الحرية. وأحداث مفرحة تذكرهم بانتصارهم على الظلم والفساد والطغيان. كما تراءت لهم وجوه الشهداء قد ملأت أركان تلك السماء وقد كساها الموت رهبة وإجلالا وسلاما. وردد الناس في حماسة لم يشهد لها مثيل من قبل شعارات الثورة والأناشيد الوطنية والأغاني الثورية، فغدت سماء تونس، سماء مصر، سماء ليبيا، سماء اليمن، وسماء سورية، مزينة بعيون هؤلاء الشهداء الأبرار وكأنها مصابيح عرس تتلألأ بشرا وفرحا بحلول غد جديد مشرق خطوه بدمائهم الزكية، قد شعت بنورها الوضاح وغطت كل أرض العرب. وفي لحظاتها الأخيرة المتبقية من عمرها، أبصر الناس بقلوبهم سنة 2011 وهي تحضن، في حنو وعطف، هؤلاء الشهداء، فتجلت لهم، بعدما انطفأت أضواء الساحات العمومية، وهي تقف بشموخ وتعال كبيرين فوق ربوة الذكرى شاهدة على هذا الفتح المبين الذي تكلل بإسقاط رموز الفساد والغطرسة والظلم، شاهدة على تهاوي أصنام وأوثان تربعت على عرش الزيف والضلال، فتهشمت أطرافها، ودوى طنينها فملأ الآفاق كاشفا عن خواء اجتاحته رياح الثورة المزمجرة. انسحبت سنة 2011، إذن كسابقاتها من السنوات، لتحل محلها السنة الجديدة، وكان انسحابها عند العرب، له نكهة خاصة وشكل ثان: فقد تبادل الناس التهاني والتحايا بمناسبة قدوم السنة الجديدة، وتمنوا لبعضهم البعض دوام الصحة والعافية والراحة والهناء والعمر المديد، لكن بقي في نفوس هؤلاء الناس، شيء من هذه السنة الماضية. فلا أحد كان يجادل في التقييم العام لهذه السنة واعتبارها سنة ‘ارحل’ سنة ‘دكاج’، سنة ‘الشعب يريد إسقاط النظام’، سنة ‘الشعب يريد إسقاط الفساد’، ولا احد يشكك في مصداقيته الحكم عليها، بالقول على أنها شكلت زمانية العرب بامتياز كبير: فالسقوط الفعلي المهول لهؤلاء الطغاة المتجبرين، في ظرف زماني قياسي قصير وسقوط قناع الغطرسة عن رموز الفساد، وتهاوي هامات الظلم يوضح، بالملموس، أن زمن ربيع الثورة العربي قد تشكل في رحم هذه الكلية الوجودية التي ندعوها بالعالم، حيث تجلى هذا الزمن العربي في أبهى صوره كوجود أصيل. فبعد أن كنا ننعته بقولنا انه ‘زمن رديء’، زمن ‘مر كالقهوة العربية’، أصبحنا نراه، في سنة 2011، بعيون الشهداء التي لا تنام، الذين مروا من هنا ذات ثورة، مستقبلا يتصدر كل ماضينا وكل حاضرنا. لم تقدم سنة 2011 معنى مبتذلا عن مفهوم الزمان، كما كانت تقدمه السنوات التي سبقتها. فالظاهر أنه لم يكن أحد منا يتصور، قبل حلولها، أن التأصيل العربي سيتحقق واقعيا في داخلية زمننا العربي وجوانيته. فمنذ الشرارة التي أطلقها محمد البوعزيزي، تعلمنا نحن الشعوب العربية، أن زمانية العرب، لم تعد تخضع لمقولة الزمان، في معناه الكلاسيكي الذي يقاس عادة بالأنات واللحظات الكرونولوجية. فهذا المعنى الأخير لمفهوم الزمان قد يكون مجرد تسطيح يؤطر أساسيات معيشنا اليومي، لكنه لا يرقى بنفسه إلى المستوى الذي قد يؤطر فيه وعينا ونظرتنا للحياة وللوجود. فالإطار الذي أصبح وعينا الشعبي يندرج فيه هو هذه التجاذبية الزمانية الأصيلة التي ‘تزمن’ الماضي والحاضر والمستقبل، أي تلك الفعالية القصوى التي تمنح لأبعاد الزمان تلك الخاصية التي بمقتضاها ينجذب الماضي والحاضر والمستقبل إلى بعضهم البعض مشكلين تلك الكلية الوجودية التي ينعتها الفيلسوف الوجودي مارتن هايدجر، بالزمانية الأصيلة. سيكون من الإجحاف والانتقاص من قيمة هذه السنة المنصرمة التي ودعتنا وودعناها على أمل أن تتجلى، وجوديا، زمانية العرب في السنة الجديدة، سنة 2012، ويظهر فيها الوجود العربي كانكشاف غد عربي مشرق، إن اعتبرناها مجرد سنة مرت وانقضت. فسنة 2011 ليست، في حقيقة الأمر، على الأقل بالنسبة لنا كعرب، سنة عادية. فلا يكون من باب الإنصاف والعدل مقارنتها مع سابقاتها من السنوات، ولا ردها إلى مجرد سنة ارتدادية يكون فيها المستقبل امتداد للماضي والحاضر، بعد الأحداث العظام التي تتبعها العالم بأسره. أفلا ينبغي، بعد هذا كله، تسجيل نقاط عديدة لصالحها أهمها هو كونها أعطت بامتياز كبير الصدارة للمستقبل بدل الماضي، فغدت بفضلها، زمانية العرب تمتاز بخاصية التجاذبية الأصيلة؟ وفي الأخير، وبعد استنفاذ أغراض هذه الرؤية الأنطلوجية لزمانية العرب، نستطيع القول، هذه المرة، ومن زاوية إبستمولوجية، مع الفيلسوف الفرنسي الراحل مشال فوكو، أن لكل ظاهرة أرشيفها يمكن العودة إليه كمرجع من اجل قراءته من جديد. فإذا كان هذا التصور الأركيولوجي ينطبق على المعارف باعتبارها ظواهر إنسانية، فان سنة 2011 تبقى، وإلى أبد الآبدين، الظاهرة العالمية، التي انكشف فيها الزمن العربي، كموجود أصيل، ستبقى الظاهرة الغنية بأرشيفاتها، بمرجعياتها، برموزها ودلالاتها وأنماطها السلوكية، التي ستسعف كل من مهتم بسوسيولوجيا الثورات وسوسيولوجيا التغير الاجتماعي لدراستها.
أفلا تكون مشروعية سنة 2011 التي تستمدها في كونها سنة زمانية العرب، هي جوهرها الذي يسمها بطابع الخصوصية والامتياز؟ ‘ كاتب من المغرب